بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 1922, entry [524]4,519 chars
ذكر خروجه من مصر قال ابن كثير: لما كان الخامس عشر من رمضان جمع السلطان الأمراء أرباب المشورة وأوصاهم بالاتفاق والانتظام، وخلع على نوابه وماليكهم الذين حضروا إليه، ثم ركب يوم السبت الخامس (¬١) والعشرين من رمضان من قلعته، وركب أعيان العساكر والأمراء الأكابر لتوديعه، فسار من فوره وأذن لهم في الرجوع فرج…
▸ expand full passage (4,519 chars)ذكر خروجه من مصر قال ابن كثير: لما كان الخامس عشر من رمضان جمع السلطان الأمراء أرباب المشورة وأوصاهم بالاتفاق والانتظام، وخلع على نوابه وماليكهم الذين حضروا إليه، ثم ركب يوم السبت الخامس (¬١) والعشرين من رمضان من قلعته، وركب أعيان العساكر والأمراء الأكابر لتوديعه، فسار من فوره وأذن لهم في الرجوع فرجعوا. وتوجه معه: عز الدين أيدمر الخطيرمي أستاذ الدار، وحسام الدين قرا لاجين أمير مجلس، وسيف الدين آل ملك الجوكندار، وسيف الدين بلبان المحمدي أمير جاندار، وعز الدين أيبك الرومي، وركن الدين بيبرس الأحمدى، وسيف الدين طقطاي (¬٢) الساقي، وعلم الدين مسنجر الجمقْدار، وزين الدين مبارك أمير آخور، وشمس الدين سنقر السعدي النقيبب، وبعض الخاصكية والخدم والغلمان، (¬٣) فسار إلى الصالحية وعيّد بها عيد الفطر، ثم سار (¬٤). وفي نزهة الناظر: لما تحدث السلطان بالسفر إلى الحجاز اشتاع الخبر بين الناس بأن السلطان رائح إلى الحجاز، ولما عزم على الخروج، قال له بيبرس وسلار: أنت الساعة متوجه إلى الحجاز، فإذا أحدث عندنا أمر أو في البلاد واحتجنا إلى كتب كيف نعمل؟ قال: اكتبوا كتابًا. قالا: كيف نكتب بلا علامة (¬٥) السلطان؟ فقال: كيف العمل؟قالا: عَلِّم لنا على ورق أبيض بعض [العلامات] (¬١) نخليه عند نائبك، فإذا احتجنا إلى كتاب بعلامة السلطان كتبنا عليه، فعلّم لهم على درج أبيض، وكان قد استناب موضعه الأمير بيبرس (¬٢) الخطائي، فسلم الدرج إليه، ثم إنه ركب، وركب الأمراء معه إلى مرحلتين، ثم رجعوا، وأخذ معه خمسمائة مملوك وبعض الأمراء. وكان الأمير سلار قد أوصى للأمراء الذي معه أنهم يُعلمونهم بالنجاب كل ما يفعله السلطان ساعة فساعة ويومًا فيومًا، ثم إنه لَمَّا عبر البرية قال للأمراء الذين معه: قد عولت على أنني أخلّى الركب يسيرون على الطريق الجادة وبيتي وحريمي معهم وأنا آخذكم وأسير بكم على الكرك، فيكون أروح للركب، فنحن نتفرج ونصطاد، فقالوا: الرأي رأي مولانا السلطان. ولما سار إلى جهة الكرك أرسل الأمراء نجابًا إلى مصر يُعَرِّفُون سلارًا (¬٣) وبيبرس، ولما وصل النجاب وسمع الأمراء رواحه إلى الكرك، قال سلار: أخاف أن يطلع إلى الكرك ولا يعود بعد هذا، ثم إنه يُعد الشام فيحتاج إلى صداع عظيم. وقال بيبرس أيضًا: هذا هو محل النظر. ثم اتفق الأمراء على أن يكتبوا كتابًا إلى الأمير جمال الدين (¬٤) نائب الكرك بأن السلطان قد توجه إلى الحجاز الشريف، وقد بلغنا أنه رجع من الطريق طالبًا الكرك، فإذا جاء إليك لا تمكنه من الطلوع إلى القلعة، إلا إنك أخرج إليه كل ما يطلبه، وعلمبيبرس على الكتاب الذي كُتب إلى نائب الكرك لأنه كان بينه وبين نائب الكرك علامة، ثم إنهم قالوا: من يؤدي الكتاب؟ اطلبوا لنا نجابا، فقال بيبرس: ما هذا وقت النجاب. فقال سلار: عندي مَنْ يروح بالكتاب، ثم أحضر واحدًا من خشداشيته (¬١) يُقال له: الطنبغا، وكان سلار يعتمد عليه في المهمات، وقال له: يا علاء الدين نحن ما نعتمد إلا عليك، ونريد منك أن تجرد عزمك وتسير في أسرع وقت إلى الكرك، فإن صادفت السلطان في الطريق فإياك أن تحضر عنده، وإذا جئت نعطى لك إمرةً ويُرفع قدرك عندنا وأعطوا له خمسمائة دينار، فخرج وسار. وكان هذا المملوك من أكبر مماليك المنصور، وكان أكبر من بيبرس وسلار، ولكن الله رفع قدرهما عليه، وافتكر وهو سائر، فإن وصيَّة بيبرس وسلار لي بأن أحترز عن الاجتماع بالسلطان لا يدل على خير، فإنها ربما جعلا مكيدة عليه فيطالبنى الله به "لأني قد أكون ساعدتهما وأنا من مماليكه، ثم لم يزل يدعو الله على أن يرزقه الاجتماع به" (¬٢) ولم يزل سائرًا إلى أن أشرف على وطاق (¬٣) السلطان في البرية، ثم اجتمع بأرغون الدوادار، فذهب أرغون وأعلم السلطان به فأحضره، فقال له: ما حاجتك في هذا الوقت؟ فقال: يا مولانا السلطان إن الأمير سلار والأمير بيبرس أعطياني كتابًا وقالا لي: سر به إلى الكرك، فإن رأيت السلطان في الطريق لا تجتمع به، وحرّضاني على ذلك، وأعطياني خمسمائة دينار، [ووعداني] (¬٤) بإمرة، وأنا من بعض مماليك السلطان، فخشيت أن يكون في الكتاب بعض مكائد على مولانا السلطان، فقلت: والله، لا أعصي على مولانا السلطان، فأخذ الكتاب وفتحه، فإذا فيه:إلى جمال الدين نائب الكرك، إذا وصل إليك السلطان، إياك أن تمكنه من الطلوع إلى القلعة، وأيّ شيء يطلبه احمله إليه. فلما سمع السلطان ذلك أطرق رأسه ساعة، ثم قال لأرغون: اكتب كتابًا مثله إلى نائب الكرك عن لسانهما، وقل: ساعة وقوفك على هذا الكتاب، انزل ولاق السلطان، ثم أطلعه إلى القلعة، وقف في خدمته بكل ممكن، وكل ما يطلبه احضره بين يديه، فكتب أرغون بذلك، وعَلَّم عليه السلطان علامة سلار وبيبرس، ثم ناوله [لألطنبغا] (¬١). وقال له: صنيعك [ما يضيع] (¬٢) عندى، وأمر له بألف دينار، فإذا بلَّغت كتابي ارجع إلى بيتك، فإن مكنني الله من الملك فسوف ترى ما أصنع معك إن شاء الله تعالى. ثم سار إلى أن وصل إلى الكرك، واعلموا نائب الكرك بمجيئه فأحضره عنده، فلما رآه نائب الكرك عرفه وأجلسه إلى جانبه وأكرمه، فناوله الكتاب، فلما قرأه قال: السمع والطاعة، فأين فارقت مولانا السلطان؟ فقال: في الموضع الفلاني، فوصف موضعًا، فعند ذلك أمر نائب الكرك الأمير جمال الدين بتجهيز الإقامات والعلوفات وأخلى القلعة وما خَلّى فيها أحدًا، وفرش دار السلطان وأصلح شأنه، وأمّا السلطان فإنه أسرع في المسير خوفًا على أن يكون كتابًا آخر مع شخص آخر غير الطنبغا المذكور، فيسبقه إلى الكرك ويحصل لنا توقف الحال.