بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 1914, entry [523]10,323 chars
ذكر اهتمام السلطان على خروجه من مصر وتركه السلطنة ورواحه إلى الكرك بتاريخ العاشر من جمادى الآخرة توجه السلطان إلى الجيزة وخيم بمنزلة الأهرام، ولم يزل مخيّما بها مترددًا في الصيد إلى الحادي والعشرين من شعبان (¬١)، وكان قد نوى أن يخرج من مصر ويُخلى السلطنة لما فيها من التشويش والضجر من تغلب المتغلبين،…
▸ expand full passage (10,323 chars)ذكر اهتمام السلطان على خروجه من مصر وتركه السلطنة ورواحه إلى الكرك بتاريخ العاشر من جمادى الآخرة توجه السلطان إلى الجيزة وخيم بمنزلة الأهرام، ولم يزل مخيّما بها مترددًا في الصيد إلى الحادي والعشرين من شعبان (¬١)، وكان قد نوى أن يخرج من مصر ويُخلى السلطنة لما فيها من التشويش والضجر من تغلب المتغلبين، وجعل إظهار قصده الحج وسيلةً إلى ما (¬٢) نواه في ضميره، فسأله الأمراء تأخير الحركة فلم يسمع، وشرع في التجهيز وتعيين مَنْ يسافر معه. وقال بيبرس في تاريخه: لما شرع السلطان في إعداد الأهبة وتعيين من يسافر معه أعلم الأمير سيف الدين سلَّار والركن بيبرس الاستادار بما أضمره، فاجتمعا ذات يوم في الإيوان بدار النيابة في شهر رمضان (¬٣). قال بيبرس: فحضرت أنا والأمير علاء الدين بن البرواناه عنده، فقال لنا في معرضما دار بيننا من الحديث: إن السلطان قد قوي عزمه على السفر قاصدًا الحجاز، ولا بد له من التوجه إلى الكرك في طريقه، وربما أنه نوى الإقامة بها، فإذا جرى الأمر على هذا فكيف التدبير؟ وما عندكما من الإشارة للمستشير؟ (¬١) قال بيبرس: فقلت: إن رسول الله ﷺ كانت إقامته بمدينة يثرب عامة الأيام، وهي وإن عظمت ذكرًا وكرمت قدرًا من أصغر المدن وفي جانب من الحجاز، وكان الناس على طاعته، ولم يمنع [إقامته] (¬٢) بها مِنْ متابعته، ثم خلفاؤه من بعده: الإمام أبو بكر الصديق ﵁، والإمام عمر بن الخطاب ﵁، كان مقامهما بها واحدًا بعد واحد، وكانت عمالهما بالعراقين وخراسان ومصر والمغرب والشام وبعوثهما تفتح البلاد، وكل هذه الأقطار وشاسع الأمصار يؤدون إليها الطاعة ويحملون إليهما الأخماس والأفياء على بعد المسافة، وأمرهما نافذ بالرسائل والرسل، ولم يتوقف شيء من أمور الخلافة لبعد الشُّقة. ولا تعذَّر رسم من رسوم الإمامة لصغر موضع الإقامة، فلو فرضنا إقامة [الملك الناصر] (¬٣) بالكرك في مملكته، وأنتما وسائر نوابه مستمرون على طاعته وامتثال إشارته واستمرار خطبته لجاز ذلك والنظام مستمر، والحال مستقر، وانقضى الخطاب بيننا في هذا الباب (¬٤). وفي نزهة الناظر: استولى الأمير سلار والأمير بيبرس الجاشنكير على الملك، وطمعت الناس في الأجناد، وأيّ أمير لا يطاوعهما على ما يريدان شيعاه إلى الشام، وهلكت أجناد الحلقة، وسَلَّما الشام للأمير أفرم، فاشتغل هو ليلًا ونهارًا [بشرب] (¬٥) الخمر والصيْد ولا يفكر في مصلحة الناس، ولم يكن عنده ديانة من الله ولاحرمة للسلطان يخاف منه، فكتب أهل [الشام] (¬١) إلى السلطان مرارًا عديدة يشكون حالهم، فلم يُزل أحدّ شكواهم، فمتى كان الناصر يقول لسلار وبيبرس أن ينظرا في هذا ويعملا بمصالح المسلمين، كانا يقولان مَنْ يقدر على رضى الناس؟ ولا يقدر على ذلك إلا الله، وكانا يراعيان الأفرم ويتركان جانب الله تعالى، وكان الناصر كلها يقول لهما اكتبا إلى الأفرم بأن يُقلّل ركوبه إلى الصيد وشرب الخمر وينظر في مصالح الرعية ويخلص أموال الجند وحقوق الناس، كانا يقولان نعم، فإذا خرجا من عنده لا يفكران ولا يذكران، فبقى السلطان يسمع كل وقت منهما ما يضيق به صدره. فبينما هو كذلك فإذا قد حضر إليه سليمان (¬٢) بن مهنا أمير العرب ومعه تقادم جليلة وخيل، وكان الناصر مغرمًا بالخيل السبق، فاستعرض الخيل فما لقى شيئًا يرضيه ولا يعجبه، فقال: اش هذا الخيل؟ قال سليمان: يا مولاي نحن نجيب الخيل الملاح التي تعجب السلطان ولكن بيبرس وسلارا يأخذانها، فتقدم عثمان الركاب، وكان خصيصًا بالسلطان، ويكشف أخبار الخيل من العرب وغيرهم، وقال: يا مولانا السلطان، عند سليمان حصان أخضر [ما ملكه] (¬٣) كسرى ولا قيصر، فلما سمع به السلطان طار فؤاده وقال: يا سليمان هات هذا على كل حال، فقال: يا مولاي، هذا الحصان أنا اشتريته من أهل البحرين، ولكن إلى الآن ما وزنت ثمنه، فقال: بكم اشتريته؟ فقال: بعشرين ألف وخمسين بعيرًا وخمسين ثوبًا من ثياب بعلبك وخمسين شاشًا وخمسين وصيفة وخمسين منسفًا، فقال له السلطان: أحضر الحصان وأنا أعطيك ما تريد، فأرسل سليمان في الحال نجابًا إلى ابنه بأن يُسَير له الحصان، فلما وصل الحصان إلى مصر وأحضره سليمان إلى السلطان ورآه أعجبه وفرح به غاية الفرح، وأعطاه كل ما طلب وأطلق له قرية في بلد حلب مغلها كل سنة خمسون ألف درهموبقى السلطان في ذلك اليوم طول النهار في الاصطبل من فرحه بهذا الفرس، فسمع سلار وبيبرس بقضية الحصان، فامتلأ غيظًا على سليمان، وبقى الحصان عند السلطان ثلاثة أيام ومات، فحزن عليه السلطان حزنًا عظيمًا. ولما سمع سلار وبيبرس بموت الحصان حضرا إلى السلطان، وقالا له: اش هذه الأعمال؟ فكل من سمّن فرسًا وأتى به إليك تصرف عليه جملة من بيت المال، ثم أمرا بأن يؤخذ جميع ما أعطاه لسليمان، فبلغ السلطان ذلك، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، إش لي أنا في الملك؟ إذا كنت أعطى شيئًا ثم يُسترد منه، والله ما أرضى بهذا لنفسي ولا غنى لي أن أعمل شيئًا يعجز عنه فحول الرجال ويتحدثون به من بعدي، ثم كتم ما به وأخفاه. ثم بعد أيام قال لسلار وبيبرس: اعلموا إن البلاد ما تحفظ إلا بالجند، والجند ما تنصلح إلا بالمال، والمال لا يحصل إلا بالعدل، وقد بلغني أن جند الشام هلكى وأحوالهم فاسدة، وقد عولت أن أخرج إلى الشام ونُصَيّف فيه ونكشف أحوال البلاد، فقالا: حركة السلطان ما هي هينة، فإذا تحركت ارتجت البلاد [ويخلو] (¬١) بيت المال، فمالك أمر ضروري يحوجك إلى الخروج، فقال لهما السلطان: كل هذا شفقة على بيت المال، ولي عشر سنين أسمع تقولان: نجمع شيئًا في بيت المال لمصالح المسلمين، وهذا بيت المال فارغ، فقالا: لا يَسمع السلطان كلام مماليكه فينحل نظام ملكه. ثم خرجا من عنده وتشاورا في ماذا يُصنع، وكذلك السلطان طلب الأمير بكتمر (¬٢) الجوكندار وقال له: قد عولت على أمر، فقال: ما هو؟ قال: غدًا إذا جاء سلار وبيبرس اقبضوا عليهما، فإن امتنعا اضرب رقابهما، ثم إنه طلب مماليكه كلهم ورتبهم بينالأبواب والدهاليز وأخفاهم في داره. وفي تلك الليلة سير الأمير بكتمر الجوكندار إلى سلار وبيبرس يقول لهم: إذا جزتما غدًا إلى القصر مسككما السلطان، وقد رتب مماليكه بين الأبواب. فلما سمعا بذلك طلبا أمراء مصر في الليل، وحَلَّفاهم بأن يكونوا معهما على ما يريدان ولا يخون بعضهم بعضًا، ثم قال لهم سلار: يا أمراء ما يعرف هذا السلطان أحد أكثر مني، فوالله، فأي وقت تمكن منكم ما يخلى منكم أحدًا لا كبيرًا ولا صغيرًا، فحلف كلهم أنهم مع سلار وبيبرس يدًا واحدة. فلما أصبحوا لبس سلار الزردية (¬١) تحت ثيابه وكذلك بيبرس، وألبسا مماليكهما أيضًا الزرديات تحت الثياب، وجاءوا وقعدوا على باب القُلَّة (¬٢)، وجاءت الأمراء إلى الخدمة وبقى السلطان ينتظر أن يعبر إليه أحد، فما عبر إليه أحد إلى الظهر، فأرسل أرغون (¬٣) الدوادار وطلب الأمراء أن يعبروا عنده، فقال سلار: ما لنا عبور إليه ما دام هو على هذه الفعال الذي قد عول عليه، ولكن هذا جزاؤنا منه، خدمناه وحفظنا له الملك وهو يطلب هلاكنا، فعبر أرغون، وقال: قد بلغهم ما عولت عليه، وأنهم قد أخذوا حذرهم، فقال له السلطان: رُوح إليهم وقل لهم: إن الذي سمعتم هو كلام الأعداء، فلا تسمعوا ذلك، فاعبروا حتى نحرّر هذا الأمر ونبصر من قال هذا الحديث، فخرج أرغون إليهم وقال لهم ما قال السلطان، فقالوا: ما بقي يروج علينا هذا. ثم إنهم قاموا ونزلوا من باب القُلَّة إلى سوق الخيْل، وأمر سلار بضرب كوساته (¬٤)، ونفخ بوقاته، فاجتمعت إليه الأمراء من كل ناحية، فعند ذلك أمر السلطان بغلق باب القلعة، ودارت الأمراء مع سلار وبيبرس حول القلعة.القلعة، ودارت الأمراء مع سلار وبيبرس حول القلعة. وكان لسلار أخ يُقَال له: سُمُك، وهو أعرج، شيطان، عريض الأكتاف، فساق هو وجماعة من مماليك سلار وأخوته إلى اصطبل السلطان وأخذوا كل ما فيه من الخيل، وطلع السلطان إلى الطارمة (¬١) وأخرج رأسه لينظر، فرماه سُمُك بسهم كاد أن يصيبه، فعند ذلك تقدمت مماليك السلطان ورموا، وسُمُك أيضًا رمي بمن معه، فعظم الأمر، وقتل من مماليك السلطان جماعة، وطلب مماليك السلطان أن يفتحوا باب القلعة وينزلوا، فمنعهم السلطان، وقال: لا يخرج أحدٌ، فجميع الأمراء مع سلار والدنيا منقلبة علينا، ودام الحصار على القلعة ثلاثة أيام. ثم اجتمعت فقهاء مصر وقضاتها وصلحاؤها، وقالوا لسلار وبيبرس: هذا ما يحل لكم من الله تعالى أن تعملوا مع ابن أستاذكم هذا، ارجعوا إلى الله تعالى، فقال سلار: يا قوم نحن معذورون وهو الذي يطلب هلاكنا، وحققنا ذلك، من غير جريمة جرت منّا، ثم طلعوا عند السلطان، فرحب بهم السلطان وقالوا له: سألناك بالله أن تحقن دماء المسلمين. فقال: ما جرى مِني، هم الذين حاصروني وأخرقوا بناموسي وضيعوا ما كان بيني وبينهم، فقالوا: هم قالوا: إنك قد طلبت هلاكهم. فقال السلطان: هذا ليس بصحيح وإلا فتقولون لي مَنْ قال هذا القول؟ فقالوا: ما قال إلا الأمير بكتمر الجوكندار، فقال ما عندي من هذا علم فأنكر. ثم لم [يزل] (¬٢) هؤلاء بينهم حتى أنهم اتفقوا على أن يُخرجوا الجوكندار من مصر إلى الشام والمماليك الذين كانوا سبب هذه الفتنة، فوافقهم السلطان على ذلك، لأنه رأى من نفسه عجزًا وتقصيرًا في دفع هذا الشر، فأخرجوا الأمير بكتمر إلى قلعة صفد، وفرقوا هؤلاء المماليك من حول السلطان، ثم حلف السلطان أنه لا يسمع فيهم كلام أحد منالناس، ولكن في قلبه نار بعدم تمكنه منهم. ثم جاء إليه سلار وبيبرس وغيرهما، فقبلوا الأرض ووقفوا بين يديه، فخلع عليهم ولم يحدثهم بما كانوا فيه، بل قال لهم: على كل حال ما أعرف أحدًا رباني إلا أنتم، فجزاكم الله عني خيرا، فباسوا الأرض وخرجوا، وفي قلبه منهم شيء عظيم. ثم إن السلطان بقى في الفكر ليلًا ونهارًا فيما يريد ويصنع حتى إنه اصفر لونه وتغير ذاته، فقال له مملوكه أرغون الدوادار: لا يحمل مولانا السلطان على قلبه همًا ففي أضيق ما يكون يأتي الله بالفرج، فقال: يا أرغون والله الموت أهون عليّ من هذا، فأين السلطنة؟ فلا أقدر على إعطاء ومنع، ولا على [كشف] (¬١) ظلامة أحد، فإش يكون أعظم من هذا؟ ثم أنشد: ألَا موت يُباع فأشتريه … فهذا العيش ما لا خير فيه ولو أبصرت قبرًا في فلاةٍ … وددت بأن أكون مما يليه فقال: يا أرغون اكتم ما معك، فسوف ترى ما يكون. ثم إن السلطان كل قليل يخلع على سلار وبيبرس ويُريهما أنه وَطَّن نفسه على كل ما يريدانه، فقال في يوم من الأيام لسلار: قد عولت على الصيّد، فقال سلار: [المرسوم] (¬٢) مرسوم مولانا السلطان، فقال له السلطان: أنا من اليوم ما بقيت أعمل شيئًا حتى أشاورك، فإن رأيته مصلحة وإلا تركته، لأني تحققت ما تريد لي إلا خيرًا، فباس الأرض وخرج من عنده واستجمع بالأمير بيبرس وهو يضحك. فقال له: مالك؟ [فحكى] (¬٣) له الحكاية، فقال بيبرس: ما أخوفني منه فإنه صاحبمكر وخداع، ثم قال له ما ذكر [السلطان له] (¬١) من أمر الصيد، فقال بيبرس: مصلحة، لأنه محصور في هذه القلعة، فأخذوا في إصلاح أمورهم للصيد، وفي اليوم الثاني جاء سلار وأعلم السلطان بأنه تجهز أمرهم للصيد. فقال: اخرجوا بنا إلى ناحية الصعيد فإن في قلبي منه، فساروا وطلبوا نحو الصعيد، ولما توسطوا البلاد اشتغلوا بالصيد، وجاءتهم التقادم من العربان وانفرد السلطان بمماليكه، فبينا هو سائر إذ مرّ بقرية خراب، فخرج إليه منها عشرة أنفس من الفلاحين وقدامهم شيخ كبير، فلما رأوا السلطان باسوا الأرض ودَعوا له واشتكوا من الجور والظلم، فوقف لهم السلطان وقال لهم: مَنْ ظلمكم؟ فقالوا: يا خوند، ظلمنا سلّار. فقال: وكيف؟ فقالوا: هذه القرية خاصّ للسلطان، وعمّر هو إلى جانبنا قريةً ورمى علينا من السخر والكُلَف ما لا طاقة لنا به، ثم إنه نادى في البلاد بحماية قريته، فهرب جميع فلاحى هذه القرية إليها، وخربت أملاكهم، وبقي الخراج علينا بالكلف والسخر مثلما كان في أيام عمارتها، ونحن عاجزون عن ذلك، وكنا نستنظر هذا اليوم، إما تكشف ظلامتنا أو نحتمي نحن مثل هؤلاء، فطيب السلطان خاطرهم وانصرف عنهم وهو حائر ما يدري ما يصنع. ثم إنه كلما مر على قرية عامرة كأنها مدينة يسأل عنها هي لمن؟ يقولون: هي لسلار أو لبيبرس، وكلما مر على قرية خراب يسأل عنها هي لمن؟ يقولون: هي للسلطان. فقال السلطان: أنا خرجت حتى أزيل عني الهم، وقد حملت فوق همي هما آخر، والله لقد أحزنني ما رأيت وبقى في صيده أيامًا، ثم رجع. ولَمَّا دخل شهر رجب من هذه السنة طلب سلارا وبيبرس وقال لهما: إني قد عولت على الحجاز الشريف والحج إلى بيت الله الحرام، فماذا تقولان؟ فقالا: إذا رُحْتَمَنْ يَخْلُفك في المُلْك؟ فقال: لا تنكدُوا عَلَيّ، ولا غنى لي عن هذا الأمر، فأجاباه إلى ما أراد، فانفصل الأمر على هذا.