بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 1905, entry [522]12,438 chars
ذكر ما جَرَى على صاحب سيس من التتار ولما رجع مملوك قرا سنقر من مصر، وبَلَّغ كتاب السلطان إليه، ومعه الخُلَع له ولمن كان معه من الأمراء في تلك الغزاة مع التتار، قال للأمراء: أبعثُ إلى صاحب سيس وأطلب منه الحمل المقرر عليه لأنه قد عوّقه وأنه سمع ما جرى على سوتاي مع التتار وربما داخله الرعب، فاستصوبوا ذ…
▸ expand full passage (12,438 chars)ذكر ما جَرَى على صاحب سيس من التتار ولما رجع مملوك قرا سنقر من مصر، وبَلَّغ كتاب السلطان إليه، ومعه الخُلَع له ولمن كان معه من الأمراء في تلك الغزاة مع التتار، قال للأمراء: أبعثُ إلى صاحب سيس وأطلب منه الحمل المقرر عليه لأنه قد عوّقه وأنه سمع ما جرى على سوتاي مع التتار وربما داخله الرعب، فاستصوبوا ذلك، وطلب الشهروزي [وأرسله] (¬٢) إلى صاحب السيس. ولما وصل إليه أكرمه وأجلسه إلى جانبه، وسأله عن قرا سنقر وعن الوقعة التي كانت بينه وبين سوتاي، فأخبره الشهروزي، فأظهر صاحب سيس فرحًا في الظاهر، وفي الباطن خلاف ذلك، ثم سأله الشهروزي عن سبب تأخير الحمل، فقال: ما كان التأخير تسويفًا منا ولكن عذرنا واضح، وذلك أنه قد وصل إلى قيسارية الروم أمير من أمراء التتار، فأرسل إليّ وطلبني أن أحضر عنده، فحصل لي من ذلك تشويش كبير، وما أرضيت رسوله إلا بالغصب، واجتهدت على تشييعه لما سمعت بقدومك، وقدمت له الخيل والأموال، وقلت له: ما أقدر على الحضور إليه لأني سمعت أن قرا سنقر كسر سوتاي، وربما يغيرون على بلادي، وكان الرسول أيضًا قد بلغه خبر سوتاي، قبل مني العُذر، فسافر والآن ما بقى لنا إلا تجهيز الحمل في أسرع ما يكون، ثم أرسل إلىسائر قلاعه وطلب من نوابه ما يجهز به الحمل، فشرع في تجهيز الخيل والبغال والقماش الفاخر، وفرح بذلك الشهروزي، وأقام هناك مقدار عشرين يومًا. ثم قال صاحب سيس له: لا تخلّ أحدًا من أصحابك يبرز إلى الناس، فقال له: لم؟ قال: لأنه وصل رسول من الروم وذكر أن أميرًا من أمراء التتار يسمى [قازان] (¬١) جوق واصل إليكم، فأخشى أن يرى أحدًا منهم أحدًا من حاشيتك فلا يجرى علينا خير، ثم في ثاني اليوم جاء رسول من قازان جوق يطلب صاحب سيس إليه، وأنه نازل على قلعة تسمى بطرسية لأن تحتها مرج واسع ومياه كثيرة، فلما سمع بذلك طلب أمراءه وقاله لهم: هذا أمر قد رابني وما لي عادة بالرواح إلى أحد، وما في قلبي أن أروح إليه، ونفسي تحدثني عنه بكل شرّ، فقالوا له: اخْرِج هذا من خاطرك، [أتريد] (¬٢) أن تخرب بلادك بيدك؟ ولا بُدّ من الرواح إليه على كل حال، فلم يزالوا عليه إلى أن أجاب إلى الرواح. ثم طلب الشهروزي وأصحابه وأطلعهم إلى قلعة سيس، وقال له: تعلم أن هؤلاء الكلاب [دخلوا] (¬٣) بلادنا ولا غنى لي عن الرواح إليهم وأرضيهم، فإذا جئت من عندهم نجهز الحمل، ثم سار وأخذ معه جميع أمرائه وعسكره وإخوته، وكان له أخ يسمى قرياقس، وقد بلغ التتار منه أنه كان يقول لناس من جهة التتار: إن أموال بلادنا كلها تُحمل إلى مصر وأن التكفور ومن عنده لا يريدون إلا صاحب مصر، وإن لم يدركوا إلى البلاد وإلا راحت من أيديهم، وهذا قاصد صاحب حلب عند التكفور لطلب الحمل المقرر عليه. وكان قازان [جوق] (¬٤) لما سمع بهذا الكلام قال لمن معه: إن لم ندبّر حيلة على صاحب سيس وإلا تغلب، لأن بلاده (¬٥) قلاع وربما تعصى علينا، ولا نأمن أن يجئ إليناقرا سنقر صاحب حلب ويجري بيننا وبينه أحس مما جرى على سوتاي، فقالوا له: افعل ما تريد، وكان فيه من المكر والخيل والخداع ما لا يوصف، فلذلك نزل على قلعة البطرسية وأرسل إلى صاحب سيس وطلبه، ثم أرسل قاصده أيضًا إلى قرا سنقر وقال له: إني قد عولت على خراب سيس وأُقيل التكفور، ثم آجئ إليك لأتمثل بين يدي السلطان وأدخل تحت طاعته، غير أني خائف فأريد أن تطلب لي أمان السلطان يكون بيدي. ولما ذهب رسوله إلى حلب حضر صاحب سيس عنده، فتلقاه قازان جوق بأحسن ملتقى وتيقن إليه، ففرح بذلك صاحب سيس وزال عنه ما كان في قلبه من الخوف، ثم قدم له ما كان معه من التقادم، ثم التفت قازان جوق ورأى خلف صاحب سيس أخاه قرياقس، وكان معه خمسمائة من الأرمن، وكلهم واقفون، وكان وصاه صاحب سيس أن لا يجلس مع التتار وأن يكون على يقظة منهم، [فقال] (¬١) قازان جوق الصاحب سيس: قل لأخيك وأصحابه يقعدون. فقال: لا يمكن ذلك لأنكم أضياف ونُريد أن نكون كلنا في خدمتك، ولم يزالوا في ذلك اليوم في الشرب والملاهي إلى الليل. ولما جاء الليل أمنت الأرمن إلى التتار لأنهم رأوا منهم بشاشة وخدمة، ثم قام قازان جوق وأخذ بيد قرياقس وأجلسه إلى جانبه وملأ كأسًا وناوله إياه، وأقسم عليه بأن لا يقوم، جلس واختلطت الأرمن بالمغل، فشربوا إلى أن ولّى أكثر الليل. وكان قازان جوق اتفق مع المغل أنهم إذا رأوه أجلس قرياقس بحذاه، فيختلطون هم بالأرمن، وإذا رأوه قتل صاحب السيس يسرعون هم بالقتل في الأرمن، ثم بقى قازان جوق ينتظر غفلة من صاحب سيس، وإذا بقرياقس قد خرج ليقضي حاجته، فاغتنم قازان جوق وجذب سيفه وضرب رقبة صاحب سيس وأفصلها عن بدنه، فوقع الصياحفي الأرمن، وسمع قرياقس الصراخ فرجع فتلقاه الأرمن وأخبروه بقتل أخيه، فطلب أن يركب فحالوا بينه وبين الخيل، فارتفعت (¬١) الأصوات تحت الظلام، وكان قرياقس من الشجعان فهجم على قازان جوق وحصل مركوبًا فركبه، واجتمع [معه] (¬٢) عَصَبة من الأرمن فلم يزل يقاتل معهم إلى أن قتل منهم جماعة ومَا أصبح الصبح إلا وقرياقس معه مائة من أصحابه قد أسندوا ظهورهم إلى جبل هناك وقتلوا من المغل كثيرًا، فلما رأى ذلك قازان جوق قال: إن تخلص هذا ودخل (¬٣) قلعة من القلاع لا يحصل لنا خير، فإنه يُعَرِّف بذلك أصحاب القلاع وما يمسكون الدربندات، وما يمكنوننا من الخروج فنهلك، فحمل هو بنفسه على قرياقس، وكان من فرسان الخيل، فتلقاه قرياقس وجعل قازان جوق نفسه هاربًا بين يديه، ثم أخرج سهمًا وأرسله إليه فأصاب صدره وخرج من ظهره ووقع ميتًا، ثم عمل السيف في الأرمن وأفنوهم عن آخرهم. ثم سار قازان جوق ونزل على قلعة سيس ورأس التكفور ورأس أخيه قرياقس على رماح المغل، وأمر أن ينادي بأنكم رأيتم هذا، فإن أردتم السلامة فأَنْزِلُوا رسولَ (¬٤) صاحب مصر حتى آخذه وأروح وإلا حاصرتكم وأخربت بلادكم وأسبي الحريم والأولاد، وتحيرت الأرمن وتشاوروا فيما بينهم، فاتفقوا على أن يسلموا إليه الشهروزي وأصحابه، فأخذهم قازان جوق ورحل يطلب ناحية الروم، وكانت الأرمن قد اجتمعوا مع أمير من أمراء القلاع يقال له: زنجفري، وكان من جبارة الأرمن، وساروا ومسكوا عليهم درب الروم، فلا سمع المغل بذلك لامُوا قازان جوق على فعله. فقال لهم: لا تذلوا أنفسكم يأخذونا، فأشار إليهم أن يخرجوا من دربند مَرى إلى عينتاب، فقال بُرْغلي، وهو أمير أيضًا: نخاف من عسكر حلب، فقال له قازان جوق: لا تخافوا، أنا أصلحت قرا سنقر وعملت معه مكيدة.ثم لم يزالوا سائرين حتى خرجوا من المري، فجفل فيهم أهل عينتاب وأعزاز والراوندان وأهل تلك البلاد، ثم أرسل قازان جوق إلى أمراء التركمان في تلك البلاد أن لا تخافوا فإنا من جملة غلمان مولانا السلطان، وقد أخربت بلاد سيس وقتلت التكفور وجئت هاربًا إلى السلطان، ثم أركب جماعة من عنده وأرسلهم إلى الأمير قرا سنقر نائب [حلب] (¬١) [بأنه] (¬٢) أخرب سيس وقتل تكفور وأخاه وجماعة كثيرة من الأرمن، وأنه وصل إلى عينتاب ومعه عشرة آلاف من المغل وأنه يريد أمان السلطان، فلما وقف قرا سنقر على خبره فرح وأرسل في الحال بريديًا إلى مصر يعلم السلطان بما جرى لقازان جوق ونزوله على عينتاب وأنه يطلب الأمان. وأقام قازان جوق على عينتاب، ووصلت إليه الإقامات والعلوفات، واستراح هو وأصحابه من التعب، وبقى قرا سنقر ينتظر البريدي الذي أرسله إلى مصر، فإذا به وقد حضر ومعه أمان السلطان والخُلع السنية لقازان جوق وللأمراء الذين معه، ووعد لهم بالإقطاعات والأخباز، فأرسل قرا سنقر جميع ذلك إليه مع مملوك من مماليكه يقال له: كيكلدي [الخازندار] (¬٣). فلما وصل إليه كيكلدي قرأ عليه كتاب السلطان، وكان التركمان الذين هناك قد تراجعوا من الجفل واطمأنوا، ولما فرغ [من] (¬٤) قراءة الكتاب وأخذ قازان جوق الأمان والخلع قبض على كيكلدي، وركب في الحال بمن معه، وأغار على التركمان، ثم طلب ناحية أغجا دَرَبند وعبر منها إلى ملطية. وكان صاحب سيس قد أرسل أخاه هَريُنْد إلى خَرْبَنْدا في الأردو، قبل أن يجري لقازان جوق ما ذكرناه من الأمور، وكان معه تقادم لخَرْيندا، وكان في كتابه أن حكامالروم يطلبون بلادهم كل وقت ويشوشون عليهم، والقصد أن تكون بلادهم تحت حكم الملك، فالذي يعطون لهم ولغيرهم من حكام الشام يُعطون للملك خَرْبنْدا، فكتب له خربندا يَزْلَق (¬١) بأن لا يحكم عليهم أحد من حكام الروم ولا يعترض إليهم أحد، وإذا دهمهم عدو يركب عسكر الروم إليهم ويُساعدونهم، ثم خلع على هَريُنْد (¬٢)، فلما وصل إلى سيواس سمع [بما] (¬٣) جرى على أخويه وبما حصل للبلاد من التشويش، وأسرع في الرواح حتى وصل إلى سيس، فرآهم في حالة عجيبة، ثم جمع أمراء الأرمن وأكابرهم والقسيسين والرهبان وقرأ عليهم يزلق خرْبندا وتشاوروا فيما بينهم، فكل واحد رأى برأي، فقال هَريُنْد: يا قوم اعلموا إن بلادنا ما يخربها إلا الشام، ولا سيما الذي جرى في هذا الوقت من أخذ رسول قرا سنقر، وهو الذي مسكه قازان جوق وتأخير الحمل المقرر علينا ولا نأمن من إغارتهم علينا ويخربون بلادنا ونخسر من الجهتين، فملكُنا قد راح وتخرب بلادنا أيضًا، فقالت الأرمن جميعهم: اعمل بما ترى فيه من المصلحة لأنك اليوم ملكنا والأمر أمرك. وكان هَريند رجلًا عاقلًا، ففي الحال كتب كتابًا إلى قرا سنقر يُعلمه بصورة ما جرى عليهم من أوله إلى آخره، وذكر فيه: إنا نحن عبيدكم في هذه البلاد ونوابكم، والأمر أمركم، وقد كنا في تجهيز الحمل المقرر علينا، فجرى ما جرى حتى تأخر الحمل، ولا نأمن من شرهم، وربما يرجعون إلينا، فإن جاءوا إلينا فاكتشفوهم عنا لأن البلاد بلادكم وإلا أخليناها لكم والأمر أمركم. فأرسل كتابه مع [مهمندار] (¬٤) سيس يقال له: عيسى، ووصوا لعيسى أيضًا أنيقول لقرا سنقر بأنه يبعث إلينا مَنْ يقبض المال، فلما وصل عيسى إلى قرا سنقر وقرأ كتابه تحير فيه لأجل ما فعل قازان جوق، فآخر الأمر أرسل إليهم مملوكًا من مماليكه يُقال له: علاء الدين ايدغدي ليقبض الحمل، وقال له: إذا وصلت إليهم اقبض المال واكشف خبر خشداشك - يعني الذي قبض عليه قازان جوق. وكتب كتابا إلى هريند وذكر فيه: ما أعرف خلاص مملوكى إلا منك. ولما وصل ايدغدى إلى هريند، وقرأ كتابه، طلب ابن خالته [يقال] (¬١) له جرجس، وهو شيطان في زي إنسان، وكان مقدامًا على الأهوال، وقال له: تروح بكتابي هذا إلى خربندا وتقول له: إن هَريند لما رجع من عندك بِيَزْلق وجد قازان [جوق] (¬٢) وقد قتل أخاه وأخرب بلاده وعصت أهل القلاع ولا يأمنون إلى أحد، فإن لم تبعث يَزْلق بسبي وفيه تطيب قلوب الناس تُخرب البلاد ولا يَسمع أحد من أحد، ولا يخفى على علمه أن سيس وبلادها ملك آبائي وأجدادي، فإذا كان بيدي يزلق من الملك لا يطمع فيّ أحدٌ، وهذا الذي فعله قازان جوق ما كان مصلحة، وكان الأمراء الذين كانوا قبله يقدرون على أعظم من ذلك، ومع هذا ما صدر منهم ما صدر من قازان جوق، لأنهم كانوا يعلمون أن غيرنا ما يقدرون أن يقيموا في بلادنا، وكذا الملك الناصر صاحب مصر لو أراد خراب بلادنا كان أخربها، غير أنا نداريهم على كره منا، وإن كان الملك يحتج علينا برسول صاحب مصر الذي جاء إلينا لأجل أخذ المال، فالملوك من قديم الزمان كانوا يفعلون ذلك، ويراسل بعضهم بعضًا، ونحن بأيدينا يزلق من أبيك بأن نصالح المسلمين ونداريهم، فإن كانت لك قدرة أن تردهم عنا فيا حبذا ذلك فنحن نريد أن نعطى الجزية [للمسلمين] (¬٣) لا، وحق ما نعتقده، ولا نعطي الذي نعطى إلا على رغم أنفنا، لأن بلادنا متصلة ببلادهم ونحن مجاورون [لهم] (¬٤)، وهم في كل سنة يغيرون علينامرات ويخربون بلادنا فما يسعنا إلى مصالحتهم ومداراتهم، فإن [رددتموهم] (¬١) عنا فنحن نحمل إليك الذي نحمله إليهم وأكثر من ذلك، فيكون ذلك أقوم لجاهنا وأقوى لحرمتنا، وأنتم أحق منهم بذلك. وكتب كتابًا آخر لرشيد الدولة وزير خربندا وذكر فيه: أن يقول لخربندا أن بلاد الأرمن ما برحت على هذه الصورة من قديم الزمان، وتساعدنا عند الملك بكل وجه، ثم وصَّى لجرجس أن يكشف خبر الشهروزي وكيكلدي وما جرى لها مع خربندا. وأما [قازان جوق] (¬٢) فإنه لم يزل سائرًا من ملطية حتى وصل إلى الأرْدو، ومعه أموال وغنائم أخذها من بلاد الأرمن وبلاد عينتاب ومن التركمان، فقدَّم جميع ذلك لخربْندا، وحدثه بما جرى له مع صاحب سيس وكيف قتله بالحيلة، وكيف أخذ الشهروزي من قلعة سيس، وكيف احتال على قرا سنقر حتى أرسل إلى السلطان وأحضر له الأمان والخلع، فتحير خربندا من ذلك، ثم قال له: هل تقدر أن تقيم في بلاد سيس؟ فقال له: نعم، فإذا تقررت هناك أخرب بلاد حلب إلى حمص ولا أُمكن أحدًا يستقر في دمشق في راحة، ففرح بذلك خربندا، فأمر أن يكتب له يزلق بذلك بشرط أن يكون الأرمن على حالهم مع ملكهم، فكتبوا له بذلك، وعول هو على الرواح. فبينما هو في التجهيز فإذا جرجس قد وصل بكتب من عند هَريُنْد الذي تولى سيس، فلما قرأها خربندا طلب رشيد الدولة الوزير وأوقفه على [الكتب] (¬٣)، وحكى له ما جرى لقازان جوق مع صاحب سيس وأنهم قد مَلَّكُوا عليهم هريند. وكان جرجس حين قدم إلى الأردو اجتمع أولًا برشيد الدولة وقدم له ما أرسل به هريند من التقدمة الهائلة ليساعده عند خربندا، فقال رشيد الدولة لخربندا: يا خوند إنبلاد هؤلاء الأرمن مجاورة لبلاد المسلمين وكل وقت (¬١) يغير عليهم المسلمون، فلو أرسلنا كل مَا يُغيرون عسكرًا كان يتعب عسكر المغل وينالهم مشقة، فبلادهم بين بلادنا وبلاد المسلمين، بل هي أقرب إلى بلاد المسلمين، [فما] (¬٢) يسعهم إلا المداراة معهم، فإن كنت تريد أن لا يأخذ المسلمون منهم الجزي والمال الذي قرروه عليهم، فجهز العساكر واعتد للمصاف، فقال خربندا: هذا شيء غير طائل، فقال رشيد الدولة: المصلحة أن يُكتب يَزْلق باستقرار هَرْيُنْد على ما قرره الأرمن عليهم، فيكون نائبًا هناك عن الملك، فيحصل بذلك الخير في هذا الوقت إلى [أن] (¬٣) تتمكن مما تريد غير ذلك، فعند ذلك كتب خربندا يزلق لهريند وسير [٥] (¬٤) له ومعه خُلعَةٌ وسيف. وكان قازان جُوق قد قدم معه الشهروزي وكيكلدي كما ذكرنا، [فَأُحضرا] (¬٥) بين يدي خربندا، فقال: ما جاء بكما إلى بلادى؟ فقال الشهروزي: أيد الله القان، نحنُ رُسل، وما جرت عادة الملوك بقتل الرسل، فالملك لا يجعل هذا سنةٌ تذكر في سير الملوك، فلما سمع خربندا بذلك، قال: هؤلاء ما لهم ذنب، ولكن احبسوهم في موضع إلى أن يرسل صاحب مصر إليَّ بطلبهم، فأُرسلهم إليه، ثم أمر خربندا لقازان جوق أن لا يروح إلى بلاد سيس فإني أعطيتها لهريُند، ثم شيع جرجس إلى بلاده، فلما وصل إلى هَريُند أعطى له اليزلق والخلعة والسيف، وأخبره بما قال خربندا، وأن الشهروزي وكيكلدي معوقان عنده إلى وقت طلب السلطان الملك الناصر إياهما، ففرح هَريُند بذلك. وكان قد جهز حمل سيس، [فطلب] (¬٦) علاء الدين أيدغدى وسَلَّم الحمل إليه،وأرسل أيضًا لقرا سنقر مثله، وأرسل جماعة من أصحابه صحبة عيسى المهماندار وسأل تقليد السلطان الملك الناصر بالنيابة عنه في بلاده، وذكر أن الشهروزي ما عليه شيء ولكن في هذا الوقت ما يمكنني الحديث فيه، وخَلَاصه عليَّ، ثم لما وصل أيدغدي إلى حلب، وأُحضر قصاد هريند إلى قرا سنقر وسمع كلامهم، جهزهم بالحمل إلى السلطان، فلا وصلوا إلى مصر وحضروا قدام السلطان وتحدثوا أمرَ السلطان بكتابة تقليد بنيابة سيس وبلادها، وخلع عليهم، وردهم، فلما حضروا إلى هَريند طاب خاطره بذلك.