بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 1892, entry [521]16,960 chars
ذكر قضية أحمد بن عميرة كان أحمد بن عميرة هذا ابن عم مهنا (¬١) بن عيسى ملك العرب، وأنه نفر من الشام إلى بلاد التتار خارجًا عن طاعة السلطان الملك الناصر. وكان هذا من فرسان العرب، وكان أبوه عميرة كذلك، ولأحمد هذا وقائع مشهورة في العرب وإغارات وكان [لأبيه] (¬٢) صيت عظيم، وكانت له منزلة كبيرة عند السلطان…
▸ expand full passage (16,960 chars)ذكر قضية أحمد بن عميرة كان أحمد بن عميرة هذا ابن عم مهنا (¬١) بن عيسى ملك العرب، وأنه نفر من الشام إلى بلاد التتار خارجًا عن طاعة السلطان الملك الناصر. وكان هذا من فرسان العرب، وكان أبوه عميرة كذلك، ولأحمد هذا وقائع مشهورة في العرب وإغارات وكان [لأبيه] (¬٢) صيت عظيم، وكانت له منزلة كبيرة عند السلطان الملك الناصر، وكان الناصر يعظمه لأجل شجاعته وشهامته وكل وقت يُنعم عليه ويُحسن إليه، وكان من كِبره ونخوته ما يجاور مهنا بن عيسى، وكانت له منازل معروفة ومواضع مشهورة ما ينزلها غيره، ولا يدانيها أحد سواه، ومع هذا كان مهنا هو ملك العرب والحاكم عليهم. واتفق أن عميرة خَطَب أخت مَهنا، فأنعم له بها وأجاب إلى سؤاله، ولكن بعد ما طلب منه مهرًا عظيمًا، فسمع بذلك ثابت بن يزيد، فأرسل إلى عميرة يعتب عليه، ثم أرسل إلى مَهنا فخطبها، فقال للذي جاء من عنده: قل له إني قد أنعمت بها لعميرة على: خمسمائة جمل، وعشرين رأسًا من الخيل، وعشرين عبدًا، وعشرين أمةً، ومائة ثوب، وخمسمائة [ألف] (¬٣) دينار، فأرسل إليه ثابت وقال: قبلت أنا ذلك، بل إنما أعطى زيادة على هذا، فمهما طلب مهنا من المهر أنا أقوم به، وكان غرضه أن [لا يعطيها] (¬٤) لعميرة. وكان ثابت هذا صاحب مال عظيم ومواش كثيرة، ثم إنه تحيّل في ذلك، فقدَّم لإخوة مَهنا ولأولاده ولمن يلوذ به - ممّن كلامه لا يردّ عنده - أشياء كثيرة من سائر الأصناف إلى أن انصلح كلهم وصاروا حزبًا لثابت.فقالوا لمهنا: إن ثابت بن يزيد أولى بإجابة سؤاله وأحق بمصاهرته، وهو أحب إلينا من عميرة، وفيما رأينا مصلحة أخرى وهي أنك إذا أجبت إلى سؤال ثابت وزَوَّجْت أختك منه تكون هي مالكة رقبة ثابت حاكمة في ماله، لأنه يراعي حقك ويحفظ غيبتك ويقيم حرمتك، فلا جرم يطيع لأختك لأجلك حتى لا يبلغ عنه شيئًا فيه سوء إليك، وأما عميرة فإنه لا يراعي حرمتك ولا يعرف مقدارك فكيف يمسك الحرمة مع إمرأة؟ والمرأة هي محل الازدراء والاستخفاف، وتكون هي عنده مثل الأسير، فيبلغ إليك ذلك فيسوءك، فتندم على ما فعلت ولا ينفعك الندم في ذلك الوقت، فتوكل على الله تعالى وزوجها من ثابت فإنه أهل لذلك. فقال مهنا: كيف أفعل وعميرة قد سبق في ذلك؟ فلم يزالوا به حتى أنعم بها لثابت. ثم سير مهنا إلى أخته يقول لها: مَنْ تختارين: ثابتًا أو عميرة؟ فأرسلت إليه تقول له: يا أمير المؤمنين، تخلى [أحدًا] (¬١) يتخير؟ لأجل عشاة بعير أو تصاهر لمن يأتي بمنسف، فإن خيّرتني فلا أريد سوى عميرة، [فاغتاظ] (¬٢) مهنا من كلامها وقال: أذلّ الله من يشاور النساء، ثم أعطى يده لثابت، وكان بتَلّ [اعزاز] (¬٣)، وهي قريبة من بلد سَلَمْية (¬٤) خاص له، فقال لثابت: أريد أن أهتم في أمر العرس، فقال: افعل ما بدا لك، فأخذ في إصلاح شأنه، وأحضر لهم جميع ما طلبوا من المال، وأولم وليمة عظيمة نحر فيها النوق والجمال، وعبر على أهله وسار إلى البرية. وبلغ الخبر إلى عميرة، فقامت عليه القيامة، وسير إلى مهنا: يقول له: غدرت بيوزوجت امرأتي لغيري، فرد عليه مهنا يقول له: ما اخترنا غيرك، ولكن لما رأيناك قد قصرت في الطلب زوجناها لغيرك، لأن المرأة لا تبقى بلا زوج، فبقي ذلك في قلب عميرة. ثم في يوم من الأيام جاءه بعض عبيده وقال له: يا مولاي، إن ثابتًا قد نزل على جُنِيجْل - اسم موضع - وهو غوطة، فقام وركب بأربعمائة فارس، وسار وكبس على ثابت وكان معه أربعة آلاف بدوي، فهرب كلهم وهرب ثابت أيضًا، وتبعه هلال بن عثمان وأدركه، فقال له: يا هلال أنا في جيرتك. فقال له: قد أجرتك، وإذا بعميرة قد أدركه، فقال له هلال: يا أبا أحمد أجرتُه اليوم، فقال له: لا تفعل. فقال: قد كان ذلك، فقال عميرة لثابت: أغدوة يا طنجير، عليك يوم غيره، فولي ثابت وهو لا يصدق بالنجاة، وأخذ عميرة من بيته عشرة آلاف جمل، وكانت امرأته عند مهنا، فلو كانت حاضرة لأخذها. وسمع نائب دمشق هذه القضية، وهو الأمير جمال الدين الأفرم، فسيّر إلى عميرة يقول له: أحضر عندنا حتى نعرف حقيقة هذه القضية، فأرسل عميرة ولده أحمد ومعه نوق وجمال وخيول، وقال له: يا أمير، أنت ما تعرف ما بيننا، ونحن عرب يوم لنا ويوم علينا، وبيننا مؤاخذات وتارات، فلما وصل أحمد مسكه النائب، ورسَّم عليه في الزردخانة (¬١)، وأقام هناك أيامًا، ثم أخرجه. فبقى عميرة لا يدخل دمشق، ورحل من منزله ذلك. وجاء ثابت إلى نائب الشام، وقال له: يا مولاي، أنت نائب دمشق وعميرة يأخذ جمالى من تحت كنفك. ثم إنه (¬٢) خلع على أحمد بن عميرة وسيره إلى أبيه، وقال له: لأجلى ردّ على ثابتجماله، فلما حضر إلى أبيه وبَلَّغه ما قال له نائب الشام، قال: ترد عليه جماله لأجل خاطر نائب الشام، ولكن لا يعود ينزل أرضًا ننزل فيه، ولا يقر بها، فرد عليه خَمْسة آلاف جمل. فقال: وأين الباقي؟ قال: نهبتها العربان والبعض مات. وبقى في قلب عميرة من مهنا نار. ثم إن مهنا أرسل ابنه موسى (¬١) إلى مصر بالتقادم للسلطان، وهي شيء كثير من الخيل والجمال وغير ذلك، فسأله السلطان عن أبيه فقال: هو معزول. فقال: مَنْ عزله؟ فقال: كيت وكيت وأخبر بجميع ما جرى، فاغتاظ (¬٢) السلطان، ثم شرع موسى يذكر أن قصاد عميرة لا ينقطعون عن التتار وأنه مائل إليهم، فعند ذلك أمر السلطان أن يكتب كتاب إلى نائب الشام بطلبه (¬٣)، فقال الأمير سلار نائب السلطان: فأيّ وقت طلبناه يهرب، ولكن أمراء العرب يحضرون في هذه الأيام بالتقادم، وأظن أنه يحضر معهم، فإذا حضر نمسكه بلا تعب، واتفق أنه حضر ومعه تقدمة هائلة، فأمر السلطان بالقبض عليه، وحُبس في البرج، فهرب العرب والعبيد الذين كانوا معه، ووصلوا إلى أبياته وأعلموا ولده أحمد بذلك، فرحل من غوطة دمشق وسار إلى حلب، فأقام بها أيامًا، ثم بلغه أن عميرة مات في الحبس، فرحل وطلب بلاد الشرق، ونزل على بلد الموصل وتقدم إلى نوين (¬٤) الذي بها، وكان يسمى إيْليا حميش وتدرَّك بحران، ففرح إيْليا حميش بذلك ووعده بكل جميل، فخلى أبياته وعبر إلى الشام، وأغار على تدمر وأخذ من حولها أغنامًا كثيرة وألفي جمل، ورجع بها طالبًا الشرق، وهو يقول: خرجنا من بلاد الإسلام وكذلك من الدين، سوف يَعْلم مهنا من هو غريمه.ثم إنه سَيَّر إلى مهنا يقول مع بعض العربان: والله، يا طنجير لأقصدنك ولو كنت في تخوم الأرض، فالذي يكون ملك يهرب إذا سمع أنني قاصده، فإذا جمع الله بيننا نعرف ذلك الوقت من يصلح للإمرة، ثم اشتغل بالغارات في بلاد عانة والحديثة أيامًا، ثم رجع وقال: هذه النَّوْبَة ما أقصد إلا مهنا أينما كان. وكان جواسيس مهنا في سنجار وأعلموه، وقالوا: ابنُ عميرة قاصد إليك في ألف فارس، وكان قد رجع من البريّة إلى قريب الرحبة، فرحل ورجع طالبًا تدمر، ولم يزل سائرًا حتى نزل أرض تدمر. وأما ابن عميرة فإنه لحق العرب من خلف مهنا وأخذ منهم ألف جمل، وأخذ المغالي التي لمهنا وكانت خمسين جارية، وعاد طالبًا بلاده، وهو فرحان بذلك، ومعه جماعة من خدم مهنا عبيد وجوارٍ، فكتب كتابًا إلى مهنا، وفيه هذه الأبيات: ألا مخبرًا عنّي صبيحًا وسالمًا … وموسى وسلمانًا وعمرًا وفائِد بفضل بن عيسى مع مهنا وآله … وأولاده إني لها غير عائِد قصدنا كموا في كل شهم غضنفر … جَسُور إذا صار الغبار يعاقد على كل زياف من الخيل أعْضبٍ … سليل من الخيل العتاق المكابد فيا ملك الأعراب يا مير أهله … إذا كنت في الكرام معاند وأنت ذليل لا ترد طريدة … تفر إذا عاينت ليثًا لمجالدي أنا ابن عروس الخيل أحمد فارس … بضرب اليمانيات كم لي عوائدي تعودت خوض [الحرب] (¬١) طفلًا فصار لي … قرين ومألوفُ وكيدُ وكائدقال الراوي: وسلم الكتاب إلى عبد من عبيد مهنا، فرجع إليه بالكتاب، فقرأه مهنا وأوقف عليه إخوته، وقال لهم: ما أفعل؟ فقالوا له: اركب إليه واطلبه حيثما كان ولا تبقى تحت الذل والهوان ثم إن ابن عميرة حضر إلى خرْبَندا وهو على ظاهر تبريز ومعه ألفا جملٍ وعشرون رأسًا من الخيل، فأكرمه خربندا وأحسن إليه، وحكى لخربندا جميع ما جرى عليه، فقال له خربندا: طيّب خاطرك فلك كل ما تريد، فقال: يا مولاي، مكنِّي من عشرة آلاف فارس حتى أخرب لك الشام. فقال: كيف تعمل؟ فقال: أواظب على الغارة ليلًا ونهارًا. فقال خربندا: أما تخاف من العساكر؟ فقال: يا مولاي، والله إن [البلاد] (¬١) سائبة، وحال الأجناد ضعيف، ولو أنك توجهت إليها لأخذتها من غير حرب. فلما سمع خربندا هذا الكلام منه فرح وخلع عليه، وَوَعده بأن يقدمه على عشرة آلاف فارس، ثم طلبه بعد أيام وولاه حاكمًا على جيش العراق وديار بكر، وقال لهم: لا تخالفوه إن طلبكم ليلًا أو نهارًا، فأجابوه بالسمع والطاعة. قال لخربندا: أعطني دستورًا حتى أروح وأجمع عرباني، ولا يدري بنا أحد إلا وقد أغرت على أطراف الشام لأنهم آمنون من جهتي، فأذن له، وخرج في الليل من غير أن يعلم به أحد، وطلب أمراء العرب وكبار عشيرته وأخبرهم بخبره وما فعل به خريندا من الخير وما وعد له، فأجابوا له. ثم سار معهم يطلب بلاد الرحبة (¬٢)، فنزل على منهل من المناهل يقال له: المقرون، [وإذ] (¬٣) قد طلع غبارٌ، فقال لمن معه: استفيقوا، وكان (¬٤) أكثر من ألف وخمسمائة فارس، وانكشف الغبار عن خمسمائة فارس مقدمهم يسمى عبد الرحمن، وكانمن الشجعان المشهورين، فلما رآهم عبد الرحمن صاح على من معه وقال: البلاد غافلة، مَنْ هؤلاء الكلاب؟ والآن يُهلكون الناس، ثم بعث خمسمائة فارس من عسكره إلى البيرة (¬١)، وأخذ خمسمائة أخرى معه وسار يطلب الرحَبَة، وتلاقى مع ابن عميرة، فحمل عليه عبد الرحمن وفرق شمل، ثم رماه بسهم فأصاب فخذه، فولّى هاربًا من بين يديه، ولما رآه عربه حملوا على عبد الرحمن وأشغلوه عن ابن عميرة إلى أن ركب حجرة (¬٢) دهماء كانت خلفه مع عبد من عبيده، ولما رأى عبد الرحمن ذلك ترك ابن عميرة واشتغل بعربه أطلق فيهم السهام فأقلب واحدًا، ثم آخر، ثم آخر، ثم آخر، وكان أرمى أهل زمانه. وانكسرت العرب، فولوا هاربين طالبين النجاة وتبعتهم خيل المسلمين إلى آخر النهار، فأسروا منهم خلقًا كثيرًا، وأخذوا خيلًا كثيرة، وعادوا منصورين غانمين، وطلبوا البيرة، وساروا ليلًا ونهارًا إلى أن أشرف عبد الرحمن على [قلعتها] (¬٣)، وقد علموا بقدومه، فركب نائب البيرة، وكان يومئذ طوغان [المنصوري] (¬٤)، فتلقى عبد الرحمن بأحسن ملتقى، ونزل هناك، ثم قدَّم عبد الرحمن النائب البيرة أشياء مما غنمه من العرب. ثم سار يطلب حلب، وقد سبقت أخباره إلى نائبها الأمير قرا سنقر، فتلقاه مع عسكره وشكره على فعله، ثم حكى له عبد الرحمن بجميع ما جرى في الوقعة، فقال له قرا سنقر: كيف فات عليك ابن عميرة بعد وقوع هذه الكسرة عليه؟ فقال له: يا مولاي، له في الحياة نصيب، والآن ما انقطع، ولكن أرجو من الله أن يجعل هلاكه على يديَّ، واللهعلى كل شيء قدير. وأمر خربندا فإنه عزل إيْليا حميش من الحكم من أطراف بلاده، وقد ذكرنا أنه كان نازلًا على الموصل، وكان يحكم في تلك البلاد نيابة عن خربندا، ولما عزله خربندا ولي عوضه شخصًا من أمرائه يقال له سُوتَاي، وكان من أمكر المغل وأخبثهم وأفرسهم، ثم قال لخربندا: أنا الآن حاكم جديد ولا بد من أن أعمل شيئا أرعب به المسلمين وإلا ما استقر معهم، فقال له خربندا: ماذا تصنع؟ قال: أريد عشرين ألف فارس، فأول ما أنزل أغير بهم على أطراف البلاد، فقال له: افعل ما بدا لك، فجرد معه عشرين ألف فارس، ثم أضاف إليه عشرين ألف فارس أخرى مع شخص من المغل يقال له ثُوكال بُغَا، فسار بهم سُوتَاي أولًا إلى [خِلاطُ] (¬١)، وكان ابن عميرة لما هرب من عبد الرحمن وصل إلى [خلاط] (¬٢)، فاجتمع بسوتاي هناك وأخبره بجميع ما جرى عليه مع عبد الرحمن، ثم سار سوتاي ومعه ابن عميرة وجاءوا إلى البشيرية (¬٣)، فأقاموا عليها ثلاثة أيام، ثم رحلوا طالبين سنجار (¬٤). وكان في سنجار قصاد من حلب، فلما سمعوا بهم خرجوا مسرعين وأتوا إلى حلب وأعلموا الأمير قرا سنقر بذلك، وقال عبد الرحمن: أخاف أن [يغيروا] (¬٥) على قلعة الروم، فعند ذلك سَيَّر قرا سنقر إلى جميع القلاع وأعلمهم بأن يكونوا على حذر. وأما سوتاي فإنه جاء بمن معه إلى نصيبين، ثم عاد منها يطلب قلعة الروم، وكان في تلك البلاد تركمان فأعلموا بذلك أهل البلاد، فإذا هو قد عدّى بمن معه من مخاضه[سُمَيْساط] (¬١) وأغار على حصن منصور، ثم أغار على [بهَسْنا] (¬٢) إلى قلعة الروم، وكان تركمانٌ كثيرٌ نازلين في هذه البلاد ومعهم أغنام كثيرة وجمال، فساق سوتاي جميعها، وسبى حريم التركمان وأولادها، وبلغ الخبر إلى نائب قلعة الروم، فأرسل إلى نائب حلب وأعلمه بذلك، فجمع نائب حلب أمراء حلب وأعلمهم بذلك، فاتفق رأيهم على أن يبعثوا من يُعْلم بذلك: نائب الشام، ونائب حماة، ونائب طرابلس، ليجتمعوا على حلب، فإن سوتاي هذا ملعون وله شوكة لا ترد من هذه البلاد. ثم قال [نائب] (¬٣) حلب لعبد الرحمن: مالك ساكت لا تتكلم؟ فقال: تسمعون منّي؟ قال: نعم، فقال: اجمعوا هؤلاء العساكر جميعهم، فنجتمع كلنا على نهر الساجور (¬٤)، ثم [نكشف] (¬٥) أخبار سوتاي، فإن كان قصده التوجه إلى ديار بكر سرنا خلفه، وإن كان معولًا على سنجار قطعنا عليه الطريق ونأخذه إن شاء الله تعالى، فاستصوبوا رأيه، ثم خرجوا إلى ساجور، وخيموا هناك، واجتمع عندهم عساكر القلاع، وأتوا أولًا فأولًا. وجاء إلى نائب حلب بعض الجواسيس وأخبر أن سوتاي لما أغار على تلك البلاد عاد بمن معه راجعين، ولما سمع بذلك عبد الرحمن قال: يا مولاي، أقول إن شاء الله ما يفوتنا هؤلاء لأنهم لا غنى لهم عن الرواح إلى سنجار، ونحن الآن أقرب إلى سنجار منهم، وهم في هذا، فإذا جماعة أقبلت من ناحية قلعة الروم وهم خمسمائة فارس يقدمها على شير، وأتت جماعة أخرى من ناحية البيرة وهم أيضًا خمسمائة فارس يقدمها سليمان بن اسْبَاسالَار، وأتت جماعة أخرى من ناحية عينتاب (¬٦) وهم سبعمائةفارس يقدمهم جمال الدين بن قرا على، ولما اجتمع الجميع قالت الأمراء: نُعدى من البيرة، ثم نسير إلى سُروج، فإن رأينا أثر العدو تبعناه، فقال لهم عبد الرحمن: إن كان لكم غرض في خلاص ما أخذه [سوتاي] (¬١) اللعين من الغنائم وحريم التركمان وأولادهم وغير ذلك فاسمعوا مني، فقالوا: ها نحن نتبعك فيما تريد، فرحلوا، وعبد الرحمن أمامهم وهو ينشد: أيا قلب دع ذكر الغوير ونعمان … وعَيش تَقَضّى مع سراةٍ وغلمان ودع ذكر سُعْدى والرباب وزينب … وهندٍ وسلمَى في اثيل وكثبان وساروا إلى أن عدوا من الفرات إلى أن نزلوا على جُبَ يُسمَّى أمّ جرن، فرووا خيولهم وعلقوا عليها واستراحوا وأراحوا، ثم رحلوا في الثلث الأخير إلى الصبح، فنزلوا على البليخ (¬٢)، فتقدم عبد الرحمن إلى قرا سنقر وقال له: يا مولاي، ما للعدوّ طريق إلا من هاهنا، فكونوا مكانكم حتى أسير وأكشف لكم طريق حران وأعود، فقال له قرا سنقر: اذهب واحترس، فركب ومعه سليمان وعشرون فارسًا، وساروا آخذين ناحية حران وكشفوا، فإذا هم قد نزلوا على حران، ثم رحلوا منها طالبين ناحية المشهد وعَين الذّهب، فعلم عبد الرحمن أنهم سائرون إلى البليخ، فلم يزل يشارفهم وهو [على] (¬٣) رؤوس الجبال والتلال، وكلما طلعوا من شعب عبر هو من غيره إلى المساء، ثم نزل اللعين على عين الذهب لأن معهم ثقل كثير لا يقدرون على الاستعجال. فلما نزلوا واستقروا وجاء عليهم الليل، قال عبد الرحمن لأصحابه: إنا قد جئنا لكشف الأخبار، فلا يتم ذلك إلا بأخذ أحد منهم نذهب [به] (¬٤) إلى الأمير قرا سنقر ليأخذ منه الخبر الصحيح، فقالوا له: صدقت، ثم قاموا ونزلوا على تل عال، ثم نزلعبد الرحمن ومعه ناصر بن قرا سنقر وقشتمر وإبراهيم ابن أخت عبد الرحمن، وأوصوا لرفقتهم أن لا يتحركوا من موضعهم ولو سمعوا صياحًا إلى أن يصبح الصباح، ثم سار عبد الرحمن بهؤلاء إلى ناحية عين الذهب، وكانت عينًا تطلع وسط المشهد وتنزل في وسط البرية، وهي رأس البليخ وعليها أقصاب وأشجار، ثم قال عبد الرحمن لمن معه: لا بد أن يَجئ هاهنا أحد وحده لأخذ ماء أو حطب، فنأخذه، فأقاموا هناك إلى نصف الليل والتتار يجيئون عشرة عشرة وعشرين عشرين يملأون الماء ومضى عليهم الليل وانقطع الناس، وهَمَّ عبد الرحمن بالرواح قبل أن يُعلَم مَكانه، فإذا بإنسان جاء وحده ومعه قربة يريد الماء، فقال عبد الرحمن: هذا نأخذه، ولكن اجعلوا بالكم وقت مسكه، فليجعل واحد منكم يده على فمه حتى لا يصيح فيسمعه الناس فيجتمعون فلا نخلص بعد ذلك، فقال قشتمر: دعوني لأجل هذا ولو كان مَنْ كان، فتقدموا ومسكوه، فأراد أن يصرخ، فضرب قشتمر يده على فمه وحلقه وكاد أن تخرج روحه ورماه إلى الأرض، ثم ربطوا يديه وساقوه، ثم ساروا يطلبون رِفقَتهم، فأتوا إلى مكانهم، ثم ركبوا وساروا، وقد ستر الله عليهم وأعمى أبصار العدو عنهم إلى أن وصلوا إلى قرا سنقر. وكان قرا سنقر قد ضاق صدره بسببهم حتى أنه كان ركب مع اليزك (¬١)، فلما رآه فرح به وقال: ما معكم من أخبار؟ فقدّموا إليه ذلك التتريَّ، فسأله قراسنقر عن حال عسكر سوتاي وعن عددهم وإلى أين طلبهم، وقد كان ناصر الدين بن قراسنقر قد قال له في الطريق: متى قلت إن التتار أكثر من ثلاثة آلاف فارس ضربت رقبتك، فلما رآه أنه يسأل قال: هم ثلاثة آلاف فارس ومع هذا هم ضعاف وخيولهم تَعَابى هَلكى، فلما سمع الأمراء بذلك زاد طمعهم واشتد قلبهم، ثم قال عبد الرحمن: رأيت رأيًا، قالوا: ما هو؟ فقال: آخذ خمسمائة فارس وأكمن بهم في هذه الدخلة، فإذا أشرف عليكم العسكر وتصاففتم وزحفوا عليكم انقلعوا من بين أيديهم، ثم انظروا العجب مني ومنهم. فقال له الأمير قرا سنقر: لا يكون لهم طريق غير هذا يذهبون منها، فقال عبد الرحمن: ما لهمطريق غير هذا، فقال: أفعل بما تريد، فأخذ خمسمائة فارس من الصناديد وكمنوا في جانب البليخ. وركب قرا سنقر ورتب أصحاب ميمنةً وميسرة، وما تَضَاحى النهار حتى طلع لهم غبار من ناحية حران، فإذا هو معسكر عظيم ومعهم نساء وأطفال يضجون ويصيحون، فلما رأوهم استكثروهم وداخلهم الرعب، فقال لهم قرا سنقر: لم يبق إلا القتال والثبات ونحن في مكان لا ملجأ فيه إلا إلى الله تعالى، ثم قال: يا معشر المسلمين، انظروا إلى نساء إخوانكم المسلمين وأولادهم كيف يُساقون وهم في الذلة؟ وهذه أبواب السماء قد فُتحت فبيعوا أنفسكم لله تعالى. ولما رأى التتار المسلمين، قال سوتاي لثوكال بُغا: مَنْ هؤلاء قدامنا؟ قال: هذه عسكر المسلمين ولا نعرف من أين جاءوا فاستقلوهم واستحقروهم، ثم رتب سوتاي عسكره ميمنة وميسرة وقلبًا، ثم زحف على المسلمين، فكبر المسلمون وهللوا وصلوا على النبي ﷺ، ثم حملوا حملة صادقةً، ووقع بينهم قتال عظيم إلى أن ولّت المسلمون إلى ورائهم، ولما رأت التتار ذلك صرخوا من كل جانب وطلبوا المسلمين، وأبعد المسلمون أنفسهم، ولما علم عبد الرحمن بذلك خرج من خلفهم من الكمين هو وناصر الدين بن قرا سنقر وجمال الدين بن قرا على وسيف الدين كشكل وعلاء الدين الكبّشي، وعبد الرحمن ينادي إلى أين يا حزب النار؟ وهجم عليهم ناصر الدين بن قرا سنقر، وقاتلوا قتالًا لا يوصف، ولما رأت التتار ما حل بهم من المسلمين وَلُّوا وطَلَبوا النجاة، وطلبتهم المسلمون في ذلك البرّ، وكان برًّا واسعًا وليس فيه ملجأ، ولم يسلم منهم إلا مَنْ كان له عُمر في الأزل، وتبعهم المسلمون مسافة كبيرة، ثم عادوا واجتمعوا ومعهم من الأسرى خلق كثير، ونزلوا على البليخ، [وأقاموا] (¬١) هناك يومين واستراحوا وأراحوا، ثم نادى قرا سنقر: إن مَنْ وجد شيئًا مع أسير من هؤلاء الأسرى فليأخذه، ثم فرق عليهم ما غنموا من التتار، ثم أمر بقتل الأسرى وحمل رؤوسهم، فكانت حمل جملين، وذلكغير الذي قتل في المعركة. وساروا يطلبون حلب، ولما دخلوها كان يومًا عظيمًا، وفي الحال أرسل إلى السلطان يُعرفه بذلك، وأرسل حملًا من جلود رؤوس التتار المحشوة تبنًا، ولما وصل قاصد نائب حلب إلى دمشق "اجتمع بالأفرم وحكى له بجميع ما جرى، وخلع عليه الأفرم، وفرح بذلك فرحًا عظيمًا، ثم جهزه إلى السلطان، وكان الأفرم قد جهز عسكر دمشق" (¬١) مع الأمير سيف الدين بلبان البدري (¬٢) والأمير سيف الدين بهادر (¬٣) المعزى فأخّر هذه التجريدة إلى مُهِمّ آخر سلطاني. وأنشد بعضهم في هذه الوقعة: سلوا هند عن يوم البليخ وما جَرَى … لسوتاي بن الكلب مع ثوكال مع قرا وطغْريل مع مَنْكُود مُرجى وطغرق … وابن هلاون اللّعين وبَيْدَرَا أتونا بأصناف طُغاة وأرْمنٍ … جموعٌ تكل العين فيها تَحيُّرا فَفَرّق شمْلهم وبدَّد جَمْعهُم … خيول من الإسلام قهرًا مُصَغّرا بمن كان رأسهم هدير (¬٤) غَضَنْفَرٌ … يكل لسان الوصف عنه مُخبرا هو الشهم شمس الدين أوحد عصره … قَرا سنْقُر المعروف في ألسن الورا ولما وصل مملوك قرا سنقر إلى مصر ومعه رؤوس القتلى، وتمثل بين يديالسلطان الناصر وحدثه بما جرى، سُرّ السلطان بذلك سرورًا عظيمًا، وخَلع عليه خُلْعة عظيمة، وأعطاه خمسة أروس من الخيل المسومة، وحياصة (¬١) من ذهب فيها عشر قطع من الجوهر، وسيفًا من سيوفه الخاص، وكتب إلى قرا سنقر كتابًا وشكر فيه شكرًا عظيمًا.