بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 1735, entry [484]6,761 chars
ذكر الإيقاع بناصر الدين الشيخى الوزير: قال بيبرس فى تاريخه: وفيها أوقع بناصر الدين الشيخى (¬١) الوزير إيقاعا شديدا، وعزل عن الوزارة عزلا مبيدا، وخلع من الإمارة خلعا عنيفا عتيدا، وطولب بالمال، وجنح سعده فمال (¬٢) وآل إلى شر مآل، وبسط عليه العقاب، وعذّب أمر العذاب، فأدركه حتفه، وفارقه إلفه، ومات شرّ م…
▸ expand full passage (6,761 chars)ذكر الإيقاع بناصر الدين الشيخى الوزير: قال بيبرس فى تاريخه: وفيها أوقع بناصر الدين الشيخى (¬١) الوزير إيقاعا شديدا، وعزل عن الوزارة عزلا مبيدا، وخلع من الإمارة خلعا عنيفا عتيدا، وطولب بالمال، وجنح سعده فمال (¬٢) وآل إلى شر مآل، وبسط عليه العقاب، وعذّب أمر العذاب، فأدركه حتفه، وفارقه إلفه، ومات شرّ ميتة، فكثر الشامت بوفاته، والناعت لسوء صفاته، والذاكر لظلماته ومحدثاته التى كان بها يتوصل إلى أرباب الدول، ويتوسل بأحداثها فى تولية العمل، ولا يفكر فى جانب الله ﷿، ولا يعلم أن الدعاء لا بد من تأثيره وإن طال الأجل، فأسخط الله عليهالذين أرضاهم بظلم عباده، وعجل له عذاب الدنيا قبل عذاب معاده، فلله در القائل (¬١): وابغ رضى الله فأغنى الورى … من أسخط المولى وأرضى العبيد قلت: وناصر الدين المذكور كان من أولاد القاهرة فقيرا (¬٢)، وكان يتكسب بخياطة الكوافى والاقباع، ثم امتدت به أسباب الأطماع، فصافر مع الفقراء المجردين، ووصل إلى بلد ماردين، واتفق إلمامه بابن الصاحب، وهو الأمير شمس الدين محمد المعروف بابن التيتى (¬٣)، وحضر معه إلى الديار المصرية عند تردده فى الرسلية من جهة أحمد (¬٤) سلطان بن هلاون فى الدولة المنصورية، ولما أقام شمس الدين المذكور بالأبواب السلطانية أقام المذكور وتظاهر بالجندية، وأعطى مبلغا مرتبا على ساحل الغلة بالقاهرة ومصر، فما لبث أن تحدث فى المعاملة حديثا كثيرا، وأظهر فصولا وأبدى فضولا، وألزم بها لمقطعها ضمانا، وحدد فيها رسوما ظلما وعدوانا، ثم توصل حتى أنه باشر شدّ الدواوين، وانتقل منه إلى ولاية القاهرة، ومنها إلى ولاية الخاص بالجيزيّة، ثم طمحت نفسه إلى الإمارة، وسوّلت له طلب الوزارة، فبذل بذولا قرّرها، ووعد أرباب الدولة وعودا كرّرها وكثّرها، فتولى الوزارة كما ذكرنا، وآثر فيها ما شرحنا، ولم يخل من تفتيق مظلمة وتجديد حادثة مؤلمة، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى، وأولاهما كان به من الهوان أولى، وأنجز للظالم وعيده، وللمظلوم وعده، إن وعده كان مفعولا (¬١)، فليحذر الغافل إذا نزقت به الأيام إلى المعاقل، فإن لها بعد الرفع [وضعا (¬٢)]، وبعد التمكين صرعا، وليأخذ بالرفق ويتجنب الجور والخرق. قال الشاعر (¬٣): فإن المظالم يوم المعاد … لمن قد تزوّدها شر زاد (¬٤) وقال صاحب نزهة الناظر: وكان السبب للإيقاع به أنه لما حضر الأمير سلاّر من الحجاز بلغه من خواصه ما فعله ناصر الدين المذكور عند سفر السلطان إلى بلاد البحيرة للتصيد، [٣٤٣] وما تحدّث للملك الناصر من السرّ وحمله إليه ألفى دينار كما ذكرنا، وأنه جسّره على أمور كثيرة لم تكن فى ذهنه، وأن السلطان ملتفت إليه التفاتا كبيرا، وكل ما كان يحتاج إليه طلبه منه فيحمله إليه، ولما سمع سلاّر بذلك خرج عليه نقما كان فى نفسه منه، فكتم ذلك فى باطنه إلى أن جهّز الأمير ركن الدين بيبرس لأجل سفر الحجاز، وعلم أنه متى أوقع به فى غيبة بيبرس كان يتوهم أنه كياد فى حقه حيث ما فعله وهو حاضر، فاستشار الأمير علم الدين الجاولى فى أمره واتفق الحال على أن يقيموا شخصا من القبط يرافع عليه ويظهر فى جهته أموالا كثيرة أخذها هو ومماليكه، فأحضروا شخصا من القبط وأمروه بذلك، فكتب أوراقا عليه بجملة مستكثرة، ولماحضر الأمراء فى دست المملكة شرع الأمير سلار وتحدث فيه بأنه فعل كذا وأخذ (¬١). فقالت الأمراء: إذا ظهر أنه حاق قطع جلده بالمقارع، فعند ذلك. رسم بطلبه وطلب مماليكه، كبك وبكتوت وغيرهما، وكان قد أرصد هؤلاء يتحدثون فى أعمال الجيزة، فلما حضر قال له سلاّر: اسمع إش يقول هذا الرجل فيك بأنك أخذت من مال السلطان كذا وكذا، وإنك خنت، وقد عرفت كيف شرطت على نفسك، ثم قال للمرافع: تكلم معه وقل له على هذه الفصول التى ذكرتها عنه، فأخذ ناصر الدين يتكلم بعزة نفس وقال: إش هذا النجس حتى أتكلم معه أو يسمع منه فى حقى، فما هو أتم كلامه حتى قال سلار: وأنت أيضا يا قواد يا نجس ما كنت بين الخلق حتى تكبر نفسك ونتكلم بنفس وعزة، وإذا عرف أحد خيانتك تخرق به قدامنا، فما لنا عندك حرمة، ثم التفت إلى الحاجب وقال له: انزل على رأسه، فضربه على رأسه إلى أن أخرب شاشه، ثم طلب مشد الدواوين وقال له: خذ هذا ومماليكه واستخلص منهم مال السلطان، ولم يتكلم أحد من الأمراء كلمة واحدة، وخرج به مشد الدواوين منكّلا به وقد أخذ سيفه (¬٢). وفى اليوم الثانى: شاور عليه مشد الدواوين الأمير عز الدين الاشقر فقال له: اطلبه قدامك وطالبه بالمال وإلا أسلخ جلده بالمقارع، فخرج عز الدين وطلبه إليه، وعرّفه ما رسم به نائب السلطان. فقال: السمع والطاعة، وشرع فى تحصيل المال وفى بيع خيله وعدته وجميع حواصله أولا فأولا، وصار مشدالدواوين كل يوم يخرجه وينكل به، وكان فى نفسه منه شئ كثير لما سبق له من إهانته إياه وتكبّره عليه، وجلس يوم الثلاثاء فى الصناعة، وسيّر وراءه من أحضره من القلعة، وهو راكب حمار وعليه أربع رسل، ودخلوا به إلى سوق مصر ونواحى أسواق الصناعة، فقامت إليه أهل مصر وصاحوا عليه وسبوه ولعنوه وأرادوا أن يرجموه، فمنعهم من ذلك مماليكه، فبلغ ذلك سلارا وكان يعلم أن الأمير بيبرس ممن يعينه ويساعده، وبقى ينتظر أن بيبرس يفتح معه كلاما فى حقه فلم يتكلم بشئ فى حقه. ثم أقاموا أياما إلى العشر الأول من شهر رمضان [٣٤٤] يتشاورون فيمن يولّوه وزيرا يدبّر أمر الدولة، فاقتضى رأيهم وزارة القاضى سعد الدين بن عطايا، وسنذكر توليته (¬١)، وقد ذكرنا أن ناصر الدين هذا كان قد تزوج بامرأة الأمير سيف الدين بهادر رأس نوبة، وسكن فى بيتها المجاور لمشهد الحسين رضى الله عنه، وكانت أولادها جركتمر وأمير على وخليل أولاد بهادر خصيصين بخدمة الأمير بيبرس، وكانوا يسعون لناصر الدين عند بيبرس، وبيبرس تارة يجيبهم، وتارة ما يردّ عليهم كلاما، ومع هذا كان لبيبرس عناية لناصر الدين فى الباطن، ولكن كان يعلم أن سلارا يكرهه، ولا يريد أن يعارضه فى أمر يفعله هو. وبقى الأمر على هذا إلى ليلة عيد الفطر، وطلعت زوجته إلى بيت بيبرس، ودخلت على أهله فى أمر زوجها ناصر الدين، وتكلمت امرأة الأمير بيبرس معه فى أمره، فوعد لها بأن يتكلم فى خلاصه، ولما جلست الأمراء فى الشباك، وهنّوا نائب السلطان سلارا، فتح الأمير بيبرس معه الكلام فى أمره وقال:هذه ليلة العيد، تصّدق على هذا المسكين وارسم بخلاصه. فقال له سلار: يا أبى أنت غافل عما فعل هذا، والله والله أنت تعلم محلك عندى، لو كان هو إلى اليوم باقيا فى الوزارة ما كنت أنا ولا أنت فى الحياة، وأنا أعرفك به، فإن كان ذهبه (¬١) يسيرا وأمرت لى بخلاصه أخلّصه، ثم شرع يحدثه ما فعله فى غيبته، وكيف راح إلى الإسكندرية، وكيف اجتمع مع السلطان وتكلم معه شيئا كثيرا، ومن جملة ما قال: أش هم هؤلاء وأراد به إيانا، فأى وقت اشتهيت مسكتهم مثل الكلاب، واتفق معه على أمور كثيرة فى الفساد والإيقاع بنا، وجسّر السلطان على أمور ما كانت فى نفسه، وهذا الرجل قد قصد فتنة كبيرة بين المسلمين، والله ﷿ يقول: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (¬٢). فإن كنت تختار أن نطلقه، نفرج عنه، قد عرفتك ذنبه، فلما سمع بيبرس ذلك منه تحقق أن سلار ما يفعل كذبا. فقال له: من يرمى فتنة بين المسلمين يستحق هذا وأنحس منه، ثم قام من عنده وشرع فى تجهيزه إلى الحجاز الشريف. ولما استهل شهر ذى القعدة: ركب الأمير بيبرس والأمراء صحبته، وأمر لمشد الدواوين بعقوبة ناصر الدين المذكور وضربه بالمقارع، فأقام يعاقبه سبعة أيام، وتوفى بعدها من ألم الضرب، وكان فيه عصبية ومروءة وأريحية، وكان ينبعث للخير، وله كتابة حسنة، ومعرفة بالحساب. قال صاحب النزهة: وكان أصله من بلاد ماردين، وكان قدم إلى الديار المصرية مع رسل السلطان أحمد وقاصد صاحب ماردين، وكان ماشيا طولالطريق فقيرا، ثم عمل صنعة الأقباع فى مصر فى دكان أشهرا، ثم عمل جنديا شادا فى موضع، وصار يكثر التردّد إلى خدمة الحسام يرتاق (¬١) مشدّ الكيالة مدة طويلة إلى أن [عرف (¬٢)] الدخل والخرج (¬٣)، ثم ضمن ساحل الغلة وفاض معه جملة، ثم خدم الصاحب ابن الخليلى وبعض الأمراء، وقدم لهم الهدايا والتقادم، وأرغب حكام الدولة إلى أن تولى مشد الدواوين، ومنه تنقل إلى شدّ الأعمال الخيزية، ثم إلى الطبلخاناة، وعمل ولاية [٣٤٥] القاهرة مضافا للجيزة، ثم انتقل إلى الوزارة، ومنها كان هلاكه.