بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 1630, entry [461]6,338 chars
ذكر رحيل السلطان من دمشق ودخوله القاهرة: أقام السلطان بدمشق مع العسكر إلى يوم عيد الفطر، وقد ذكرنا أنه قد دخلها فى الخامس من رمضان (¬١)، وكان عيدا عظيما لما اتفق فيه من نصرة أهل الإسلام واجتماع شملهم بالأمن والطمأنينة، ثم رحل السلطان من دمشق فى الثالث من شوال، فوصل فى ذلك اليوم شمردل الركاب، وأخبر ا…
▸ expand full passage (6,338 chars)ذكر رحيل السلطان من دمشق ودخوله القاهرة: أقام السلطان بدمشق مع العسكر إلى يوم عيد الفطر، وقد ذكرنا أنه قد دخلها فى الخامس من رمضان (¬١)، وكان عيدا عظيما لما اتفق فيه من نصرة أهل الإسلام واجتماع شملهم بالأمن والطمأنينة، ثم رحل السلطان من دمشق فى الثالث من شوال، فوصل فى ذلك اليوم شمردل الركاب، وأخبر السلطان والعسكر أن القاهرة قد صنعوا فيها زينة عظيمة وقلاعا، والناس فى أرعد عيش وأطيبه.وقال ابن كثير: عاد السلطان إلى مصر مع العسكر فى يوم الثلاثاء (¬١) الثالث من شوال، ودخل القاهرة يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من شوال مؤيدا منصورا، وزين له البلد، وكان يوما مشهودا (¬٢)، ويوم دخوله القاهرة كانت الأسارى بين يديه مقرنين فى الأصفاد، وسناجق بأيديهم منكوسة، وطبولهم معكوسة، وشق المدينة، ولما وصل السلطان إلى تربة والده الشهيد الملك المنصور قلاون ترجل ودخل إلى ضريحه وزاره ثم [٢٩٥] ركب والأمراء فى ركابه يمشون إلى أن طلع القلعة، وتحت حوافر فرسه شقق حرير مبسوطة. وقال بيبرس فى تاريخه: وكانت مدة هذه السفرة السافرة عن وجه النجاح، المشرقة إشراق الصباح منذ استقلال ركابه وإلى حين إيابه تمانين يوما، وصل فيها إلى الشام وكسر عدوّ الإسلام، ورتب أحوال البلاد وأعاد النازحين بين الربى والوهاد (¬٣). وقال صاحب النزهة: لما قدم السلطان إلى القاهرة خرج إليه سائر من كان فى مصر من الجند والعامة وسائر المتعيشين والحرافيش، ولم يبق فى البيوت من النساء والأطفال أحد، وبلغت بيوت الأرباع التى على طريقه كل بيت منها بمائة درهم وأكثر، وأقلها خمسون درهما (¬٤)، وكان عبوره من باب النصرلأجل ما اتفق من نصب القلاع التى صنعها الأمراء وتباهوا فيها لما حضر الأمير بدر الدين الفتاح بالبشارة بنصرة المسلمين وهزيمة العدو كما ذكرنا. وكانوا قد قرأوا كتاب البشارة بحضور نائب الغيبة الأمير أيبك البغدادى، وكان من إنشاء القاضى علاء الدين بن عبد الظاهر. بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ (¬١)، خصه الله من البشائر بأحسنها وأجملها، ومن التهانى بأتمها وأكملها، ومن المسرات بأوفرها وأجزلها. نعلمه أن التتار المخذولين كانوا قد امتدوا إلى البلاد المحروسة ووصلوا إلى حمص، وتعدوا جهة دمشق، وكانت العساكر المنصورة بحلب وحمص قد انضموا إلى دمشق، وعند وصولنا إلى مرج شقحب ساق التتار المخذلون، ووصلوا إلى المنزلة التى نحن بها، وكانوا فى العدد الذى لا يحصى، وذكر عدتهم عن مائة ألف أو يزيدون، وللوقت قابلناهم بالعزائم الصادقة، والنيات الخالصة وركبنا بالجيوش المؤيدة، وصدمناهم بالعساكر المنصورة الصدمة العظمى، ومازال الحرب إلى أن نصر الله تعالى عليهم، وقتل منهم ما لا يحصى عددهم إلا الله، ثم بعد ذلك استند من بقى منهم إلى جبل واجتمعوا به، فأحاطت عساكرنا المنصورة بهم، ومازلنا راكبين بأنفسنا وخيولنا، مجاهدين فى الليل والنهار، والحرب قائمة على أوزارها، وفى كل وقت يتناقص عددهم حتى امتلأت من قتلاهم الأرض، واتهزموا من بين أيدينا، وكسبت العساكر المنصورة من أموالهم وخيولهم ما فتح الله، وبقينا يومين وليلة فى مضايقتهم فى الجبال التى تحصنوا بهاإلى ظهورهم ثانى شهر رمضان، فنزلوا على حمية وساقت عساكرنا المنصورة فى إثرهم إلى أن قتلوهم عن آخرهم بقوة الله تعالى. وسطرت هذه المكاتبة، ونحن نحمد الله تعالى طيبون سالمون، نحن وأمراؤنا وعساكرنا المنصورة، وقد رحلنا إلى دمشق، وكتهنا للجناب أن يشيع خبر هذه البشارة ﴿أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (¬١). ولما وقف عليها، وفرحت قلوب الناس، واطمأنت أهل البلاد. واتفق رأيه مع الأمير بدر الدين الفتاح أن يصنعوا زينة مفتخرة، يراها السلطان والعسكر، وذكروا زينة السلطان الملك الأشرف عند أخذ عكا، وطلب سائر مباشرى الأمراء [٢٩٦] وعرفهم أن مرسوم السلطان برز: يعمل كل أمير قلعة وتزيينها بأفخر ملبوس، ويكون من باب النصر (¬٢) إلى باب السلسلة (¬٣)، وعرفهم أنه متى فرغ شهر رمضان وتأخر عمل ذلك كانت روحه وماله للسلطان، وكتب مراسيم لسائر الأقاليم أنهم لا يدعون فى بلاد الأمراء من مغانى العرب ولا من أرباب الملهى أحد إلا ويرسلوه إلى المدينة، وكل أمير فى بلده مغانى تأتى وتكون فى قلعة ذلك الأمير، وطلب ناصر الدين الشيخى متولى المدينة وعرفه أن يأخذ أستادرية الأمراء ويرتب لكل أحد مكانا ويسلمه إليه، ثم شرع المباشرون فى طلب الصناع بحيث أنه نودى على أرباب الصنائع أن أحدا منهم لا يعمل عند أحد وأن أحدا لا يستعمل أحدا منهم حتى يفرغ العمل الذى عينوه، ثم وقع الاهتمام فى أمرالعمل، وتحسنت معيشة التجار سيما تجارة الخشب والقصب وآلة النجارة، واستعملت الحرافيش بالأجرة، وشرع كل أحد يفتخر بصنعه على غيره من أرباب جنسه، وعملوا قلاعا حسنة عظيمة، ووضعوا فيها آلات الحرب والحصار وجعلوا فيها من الصور المضحكة والوحوش والخيالة والفرسان، وزين كل أحد قلعته بأفخر ما يقدر عليه من الفصوص واللآلى والحرير والزركش والأشياء المفتخرة. وما فرغ شهر رمضان إلاّ وجميع القلاع قد تكامل عملها وزينتها. وكان أول القلاع على باب النصر، صنعه متولى المدينة، ودخل على النائب بهذا السبب، وصنع فيها من كل شئ من الهزل والجدّ، وعمل حيضانا (¬١) برسم السكر والليمون، وعين هنالك مماليك بأيديهم كاسات يسقون الجند والأمراء. وعند وصول السلطان إلى باب النصر ترجلت أرباب الوظائف، وأول من ترجل على كبر سنه كان الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى أمير سلاح، وأخذ السلاح (¬٢)، فطلبه السلطان وسأله أن يركب ويحمل السلاح وهو راكب، فأبى ذلك، وحمل الأمير مبارز الدين الرومى أمير شكار القبة والطير (¬٣)، والأمير سيف الدين بكتمر أمير جندار العصاة (¬٤)، والأمير سيف الدين سنجر الجمقدار الدبّوس، ومشت سائر الأمراء فى منازلها، وكان كل أمير من أصحاب القلاع بسط شققاأطلس كل واحد من حد قلعته إلى قلعة صاحبه، وكان السلطان يمشى هوينا والأسراء بين يديه مقيدين، والأرقاب المضروبة معلقة فى أرقابهم، ونحو ألف رأس على الأرماح مشتالة، ونحو ألف وستمائة أسير وطبولهم مخرقة فى حلوقهم. وكانت الثانية من القلاع للأمير علاء الدين مغلطاى أمير مجلس (¬١)، وبعده لابن أيتمش السعدى، ثم للأمير علم الدين الجاولى، ثم للأمير سيف الدين تغريل الأيغانى، ثم للأمير سيف الدين بهادر اليوسفى، ثم للأمير سيف الدين سودى، ثم للأمير بدر الدين بيليك الخطيرى، [ثم برلغى] (¬٢)، ثم للأمير مبارز الدين أمير شكار، ثم للأمير عز الدين أيبك الخزندار، ثم للأمير شمس الدين سنقر الأعسر، ثم للأمير ركن الدين بيبرس الدوادار، ثم للأمير شمس الدين سنقر الكمالى (¬٣)، ثم للأمير مظهر الدين موسى بن الملك الصالح، [٢٩٧] ثم للأمير سيف الدين آل ملك، ثم للأمير علم الدين الصوابى، ثم للأمير جمال الدين الطشلاقى، ثم للأمير سيف الدين آدم، ثم للأمير سيف الدين سلار نائب السلطنة، ثم للأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، ثم للأمير بدر الدين أمير سلاح، ثم للطواشى شهاب الدين مرشد الخزندار على باب المنصورية وبعده للأمير سيف الدين بكتمر أمير جندار، ثم للأمير عز الدين أيبك البغدادى، ثم لابن الأمير سيف الدين أمير سلاح، ثم للأمير بكتوت الفتاح، [ثم تباكر التغريلى] (¬٤)، ثم للأمير قلّىالسلحدار، ثم لبكتمر السلحدار (¬١)، ثم للاجين زيرباج (¬٢) الجاشنكير، ثم لطيبرس الخردارى (¬٣) نقيب الجيش، ثم لبلان طرنا، ثم لسنقر العلائى، ثم لبهاء الدين يعقوبا، ثم للأمير الأبوبكرى، ثم لبهادر العزّى، [وكوكاى بعده (¬٤)]، ثم لقرا لاجين، ثم لكراى المنصورى، ثم للأمير جمال الدين الموصلى قتال السبع على باب زويلة، ومنه اتصل القلاع إلى باب السلسلة، وأولها من باب النصر كما ذكرنا، وكانت عدة القلاع سبعين قلعة.