بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 1601, entry [451]6,725 chars
ذكر ما جرى لعسكر الشام وما فعل التّتار القادمون: ولما كان الناس فى الحيرة والدهشة من قدوم التتار وتأخر السلطان، وعدم علمهم بأمر عسكر الشام، جاء فخر الدين إياس - أحد أمراء دمشق - آخر نهار يوم الخميس التاسع والعشرين من شعبان يبشر بوصول السلطان واجتماع العساكر المصرية والشامية، وقد أرسل ليكشف هل طرق ال…
▸ expand full passage (6,725 chars)ذكر ما جرى لعسكر الشام وما فعل التّتار القادمون: ولما كان الناس فى الحيرة والدهشة من قدوم التتار وتأخر السلطان، وعدم علمهم بأمر عسكر الشام، جاء فخر الدين إياس - أحد أمراء دمشق - آخر نهار يوم الخميس التاسع والعشرين من شعبان يبشر بوصول السلطان واجتماع العساكر المصرية والشامية، وقد أرسل ليكشف هل طرق البلد أحد من التتار، فوجد الذين يكشفون الخبر أن التتار قد عرجوا عن دمشق إلى ناحية العساكر، ولم يشتغلوا بالبلد، لأنهم كانوا يقولون: إن غلبنا فالبلد لنا وإن غلبنا فلا حاجة لنا به، فعند ذلك نودى فى البلد بتطييب الخواطر لأن السلطان قد وصل وإن التتار غير متوجهين إلى البلد، فسكنت قلوب الناس، والله المستعان (¬٢).وقال بيبرس فى تاريخه: ولما عاد التتار الذين انهزموا من القريتين اجتمعوا مع بقية عساكرهم وتحدثوا فى مشاورهم وقالوا: إن السلطان لم يتحرك من الديار المصرية فى هذه الأيام، وما ثم إلاّ بعض العسكر المصرى وعسكر الشام، واتفقوا على المبادرة ليغتنموا الفرصة - على زعمهم - وأقبلوا مسرعين بطمّهم ورمهم، فكثرت الأراجيف لمفاجأتهم والإنذار بمهاجمتهم، هذا والسلطان ومن معه لم يتحقق حالهم، ولا علم قبالهم، فتقسمت الأفكار والظنون، وتطلعت لقدومه العيون، واجتمعنا للاستخارة، واقتدحنا زناد الاستشارة، فأجمعنا على استطلاع الحال قبل العزم على الترحال. قال: فتوجهت مستكشفا، وللأخبار متعرفا، فلما وصلنا القطيعة (¬١) صادفنا عسكر حلب وحمص وحماة قد تقدموا جائين، وأقبلوا متواترين، وأخبروا بأن العدو سائر سير المجدّ فى الرواح والغدو، وقد اقترب الإقدام من الأقوام، ودنت الخيام من الخيام، فرجعنا إلى مرج راهط، وخرج الأمير ركن الدين الأستادادار، والأمير جمال الدين أقوش الأفرم، ومعهما الأمراء المصريون والشاميون، فاقتضت الآراء التأخر عن المرج قليلا والنزول من دونه ولو ميلا، ريثما يحصل التوثق من وصول السلطان واجتماع العساكر قبل أن يلتقى الجمعان، فلما رجعوا إلى خلف شيئا [٢٨٠] يسيرا ولّت الأطلاب، وعادت العساكر على الأعقاب حتى إن أكثرهم ترك حماله، ورمى أثقاله، وأهمل قماشه وماله، ولم يتهيّأ ردّهم ولا أمكن صدّهم، وعبروا على مدينة دمشق بهذه الصورة، فتصدعت قلوب أهلها المكسورة، وعجوا وضجوا واستصرخوا ولجوّا، وحملهم ما دهموهمن انتقاض العزائم على أن صرحوا بالشتائم، وبادر أكثرهم بالجفل لينجو، وقالوا: إذا رجعت عنا العساكر فأىّ حياة نرجو، فحصل بلطف الله التوقف والتثبط والتمسك بالمرج والتضبط، فما كان إلا كلمح شرارة أو وحى إشارة حتى أتى البريد مخبرا بإقبال الملك الناصر وأطلاب العساكر، فزال البأس وغلب الرجاء اليأس، ثم أقبل السلطان فى جيوشه، وأسوده الكاشرة ووحوشه، فقويت القلوب، وانحلت الكروب، واجتمعت العساكر المصرية والشامية وتكتبت الكتائب المحمدية (¬١). وقال صاحب النزهة: وقد كان السلطان كتب إلى نائب الشام والأمراء وعرفهم بأنه خرج من مصر وصحبته الخليفة المستكفى بالله أبو الربيع سليمان، فلما وصل إليهم الخبر فرحوا واستبشروا بذلك وطابت خواطر العامة بكون العسكر مقيمين عندهم، وكون السلطان فى الطريق وهو جاى. وفى ثالث اليوم من ذلك: جاءت الأمراء المقيمون بمصر وهم: نائب حلب، ونائب حماة، ونائب طرابلس، فلاقتهم الأمراء الذين بدمشق واجتمعوا، فلما نزلوا للمشورة تحققوا أن قطلوبغا نائب قازان بمن معه من العسكر قد وصل إلى قرون حماة طالبا دمشق طلبا لقلعتها، فإنه بلغه ما برى على السرية التى غارت على أهل القريتين، وبلغه أن نائب الشام متوجها للقائه بعسكر الشام، فعند ذلك اجتمعت سائر الأمراء: نائب حلب قراسنقر، ونائب حماة كتبغا العادل، ونائب طرابلس أسندمر، ونائب الشام الأفرم، والأمير ركن الدينبيبرس الجاشنكير، والأمير حسام الدين الرومى، ومبارز الدين بن قرمان، وكراى المنصورى، وتغريل النوغاى، وسائر أمراء مصر والشام، على أنهم يخرجون إلى مرج دمشق ويلاقون العدو فيه، ولا يدعونهم يدخلون دمشق. فلما انتظم الحال على هذا لم يعجب هذا الرأى الحسام الأستاذ الدار ولا تحدث معهم فى هذا الرأى. فقال له بيبرس: مالك لا تتكلم مع الأمراء؟ فهذا ليس وقت السكوت، وأنت رجل كبير ورأيت ما لا رأيناه، وجرت عليك التجاريب، فلا يحل لك أن تسكت، فإن رأيت خيرا من هذا الرأى تكلم، حتى نوافقك على هذا إن رأيناه مصلحة، وإلا فأنت تعلم شيئا فيه مصلحة وتسكت عنه تطالب به يوم القيامة. فقال يا أمراء: أنا أقول ما أعلم أنه يخلّصنى عند الله تعالى، ولكن ما يعجب ذلك بعض الأمراء. قال له بيبرس: قل حتى نسمع. فقال: إعلموا أن هذا عدوّ ثقيل، وهو قاصدكم وطامع فيكم لكون أنكم نواب البلاد، ولا يعلم أن عسكر مصر مع السلطان، قد قربوا منكم، فمتى لاقيناهم يجرى علينا ما لا نحبه من غلبة العدو علينا، فيتفرق شمل العسكر الذين تجمعوا، ويحضر السلطان والعسكر على حال الفساد، ويكون العدو خلفنا، فيتوهم عسكر السلطان، وتنكسر قلوب الناس، [٢٨١] ويقع العتب علينا أيضا من السلطان حيث يقول: كنتم صبرتم حتى اجتمعنا كلنا جملة، والحال أنكم سمعتم بقدومى، فلا يفيد بعد ذلك الندم، وهذا السلطان قد قرب وبقى بيننا وبينه يوم أو يومان، والمصلحة عندى أن نرجع إليه، ونجتمع بين يديه، وتكون الآراء رأيا واحدا، واللقاء جملة واحدة، ويعطى الله النصر لمن يشاء.فلما سمع بيبرس هذا الكلام التفت إلى الأمراء فقال: والله أنا لا أخرج عن إشارة هذا، فإن الذى قاله وأشار إليه ما عليه فيه جناح عند الله، ثم قال نائب الشام للحسام الأستاذ الدار: يا أمير أنت إذا خرجت الساعة يغير العدو على دمشق من بعدك، ويضع السيف فى أهلها، فماذا يكون عذرك عند الله؟ فقال له الحسام: يا أمير إن العدو إذا علم بخروج العسكر من دمشق لا يلتفت إليها، ولا يكون عزمه إلاّ على اللحوق بالعسكر ويقول: إن دمشق فى يدنا، ومع هذا يتوهم عن خروج العسكر. فلما سمع الأمراء هذا الكلام منه أمروا ساعتئذ بقلع الخيام والركوب، ونادى المنادى بالرحيل، فوقع الصوت فى دمشق، فتحير أهلها ودهشوا بحيث لا يغفل الوالد على ولده، ولا الولد على والده، وسيّبت النساء والبنات، وغلت أسعار الجمال والحمير، فبلع كل حمار كان يساوى مائة بخمسمائة وستمائة، وكل جمل كان يساوى ثلاثمائة بيع بألف وأكثر، وفى الناس من نجا بنفسه وخلّى حريمه، ومن كان ظهره ثقيلا طلع القلعة، وما جاء الليل إلا ودمشق يبكى عليها ويندبها النوادب. وأما الجند والعسكر فإن أحدا منهم لا يلتفت إلى رفيقه ولا إلى خشداشه، ولا ينظر المملوك إلى أستاذه، وخرجت الغلمان والحمالة على وجوهها، والصناديق التى فيها الأكل والحلواء يرمونها لأجل الخفة، وكان يوما عظيما، وأما فقراء دمشق ومشايخها وصلحاؤها وفقهاؤها وقضاتها، فقد اجتمعوا بالجامع الأموى، ووطنوا أنفسهم على الموت، وكشفوا رؤوسهم يتضرعون إلى الله تعالى ويبكون، ولم يزالوا كذلك إلى أن طلع الفجر، ولاحت للناس مواكب العدو وجحافله،وقد رجعوا عن دمشق وركبوا أعالى الغوطة، ففرحت الناس لذلك وعلموا أن الله قد استجاب دعاءهم ورحمهم. وكان سبب عدولهم عن دمشق أن جواسيس قطلوشاه قد حضروا إليه فى الليل، وعرفوه أن النواب مع عساكرهم، لما سمعوا بوصولك إليهم، وتحققوا أن عسكرك عظيم، وأنهم ليس لهم طاقة للملاقاة، اتفقوا على أن يخلوا لك دمشق حتى تدخل إليها وتشتغل بأهلها، وينجون هؤلاء بأنفسهم، مع أنا سمعنا أن لهم عسكرا خرجوا من مصر وهم مقبلون، فهؤلاء قد ذهبوا إليهم حتى يعتضدون بهم، ثم يرجعون جملة واحدة ويعملون شيئا وأنتم مشغول فى المدينة، فلما سمع قطلوشاه ذلك أعلم أمراءه بذلك وأكابر عسكره، واتفق رأيهم أن لا يدخلوا دمشق، فإنه إن دخلوا يفسد أمرهم ويشتغل العسكر بالكسب، فيحصل الفساد إن عاد عسكرهم علينا، ومع هذا يمكن أن يكون هذا مكيدة من نائب الشام، فعند ذلك ركبوا وقصدوا الطريق التى من وراء المرج حتى ينزلون من خلف دمشق على الكسوة، ثم يتتبعون آثار [٢٨٢] عسكر الشام، فحيثما يتلاقون بهم يحطمونهم. فلما رأت أهل دمشق ذلك حمدوا الله تعالى. واستمروا مقيمين فى الجامع، مشتغلين بالدعاء والقنوت فى الصلوات. قال الراوى: وكان يوم خروج الشاميين من دمشق يوم نزول السلطان الملك الناصر بعساكره على رأس العقبة، وكان يوم استهلال شهر رمضان المعظم.