بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 1562, entry [439]4,673 chars
ذكر الجزيرة التى سكنها الفرنج مقابل طرابلس: وفيها: كتب الأمير سيف الدين أسندمر نائب طرابلس إلى السلطان بأن الإفرنج قد أنشأوا جزيرة مقابل طرابلس (¬٢)، واتخذوها لهم حصنا ونقلوا إليها عددا ورجالا، وتزايد أمرهم إلى أن صاروا يركبون البحر ويتجرمون فيه ويأخذون المراكب، وأضر ذلك بحال أهل الساحل، وأنه قصد عل…
▸ expand full passage (4,673 chars)ذكر الجزيرة التى سكنها الفرنج مقابل طرابلس: وفيها: كتب الأمير سيف الدين أسندمر نائب طرابلس إلى السلطان بأن الإفرنج قد أنشأوا جزيرة مقابل طرابلس (¬٢)، واتخذوها لهم حصنا ونقلوا إليها عددا ورجالا، وتزايد أمرهم إلى أن صاروا يركبون البحر ويتجرمون فيه ويأخذون المراكب، وأضر ذلك بحال أهل الساحل، وأنه قصد على تجريد عسكر فى مراكب تأتى إليهم مع جند طرابلس، [٢٦٣] ولعل الله أن يظفر المسلمون بها، وأخذ من فيها من الإفرنج قبل أن يشتدّ أمرها ويقوى حال العدو فيها، وهم يريدون أن يعمروا فيها قلعة، فإذا بنوها يصعب على المسلمين أمرها، فلما وقف السلطان على الكتاب أمر للوزير بالاهتمام فى تعمير أربع شوانى (¬٣).وفى المحرم من السنة الآتية: جهزت الشوانى وتكملت. قال بيبرس فى تاريخه: وفى المحرم من سنة اثنتين وسبعمائة جهزت الشوانى للسفر إلى جزيرة أرواد، وهى جزيرة قبالة انطرطوس فى البحر المالح، وكان قد اجتمع فيها جمع من الفرنج الذين جلوا من الساحل وسكنوها، وأحاطوا بها سورا وحصنوها، فجهزت الشوانى لقصدها، وجرد فيها جماعة من الجند لأخذها، ولما تجهزوا وتكملوا ولم يبق إلا سفرهم ركب مقدم الأجناد الذين سفروا فيها فى الشينى الكبير وهو جمال الدين أقوش (¬١) العلائى المعروف بوالى البهنسا، ومعه جماعة، وخرجوا قبالة مقياس مصر (¬٢) ليلعبوا وينحدروا، فانقلب الشينى فى خروجه، فغرق المقدم المذكور وأكثر من كان فيه، فجهز عوضا عنه سيف الدين كهرداش (¬٣)، وسفر بالشوانى، فوصلوا إلى الجزيرة وأوقعوا بأهلها وأخذوا ما كان فيها، وأحضروا منها عدة أسرى (¬٤) وعبروا بهم عند وصولهم إلى القاهرة مصفّدين، وشقوا بهم المدينة مقيدين وبقوا (¬٥) فى الأسر مخلدين (¬٦). وقال ابن كثير: وفى يوم الأربعاء الثانى من صفر من سنة ثنتين وسبعمائة فتحت جزيرة أرواد المذكورة، وقتلوا منها نحوا من ألفين، وكانت الأسرى قريبا من خمسمائة نفس (¬٧).وقال صاحب النزهة: وكانت الشوانى مشحونة بالعدد والسلاح والنفطيّة والزاد، وفيها جماعة من الحلقة، ومن كل مقدم نفران، ومن الطبلخانات والعشرات، وجرد أيضا من المماليك السلطانية جماعة من الّزرّاقين، وزينت الشوانى بأشياء من الآلات، وباتت الناس تلك الليلة، لم يبت أحد فى بيته، وغلقّت مصر والقاهرة يومين لأجل التفرج، وكان من أول بولاق إلى الصناعة (¬١) خلائق من البرين لا يحصى عددهم حتى إن الإنسان لا يستطيع أن يضع قدمه إلى الأرض، وأما بقية مراكب البحر والشخاتير (¬٢) الصغار فإنها طبقت وجه البحر، والمركب الذى كان يكرى بعشرة أكروه بمائة درهم (¬٣). ففى صبيحة يوم السبت الثانى عشر من محرم سنة ثنتين وسبعمائة: نزل السلطان والنائب وسائر الأمراء، ووقفت العساكر جميعهم على برّ بستان الخشاب، وعدّى الأمراء فى الحراريق إلى الروضة، ثم أمر بخروج الشوانى واحدة بعد واحدة، فخرج الشينى الأول ولعب ساعة ولعبوا فيه بالنفط، وصاحت الخلائق من الجانبين، ثم الثانى، ثم الثالث، ثم خرج الرابع وهو الذى كان فيه أقوش العلائى، ولعبت فيه الهوى، فمال ميلة، فانقلب فصار أعلاه أسفله، وصرخت الناس عن صوت واحد، وتكدر ذلك الصفاء، فتحيرت الأمراء والسلطان، وحزنوا حزنا عظيما، وأدركت المراكب إليه، وخلصوا منه خلقا وغرق آحرون، وممن غرق أقوش المذكور المقدم فيه (¬٤).ومن الغرائب أن أقوش هذا كان فيه من الكبر والحمق ما لا يوصف، ومن الظلم وقتل النفس ما لا يعد، وكان [٢٦٤] هو الذى زين هذا الشينى من عنده بأفخر زينة وأكمل عدة، وعند نزوله إليه قدمت له الاسقالة، فمشى عليها إلى أن جلس، ثم عند الخروج استعجل، فقال له الرئيس: طول روحك ياخوند، فانحرف وشتمه وقال: اخرج لا كتب الله علينا بالسلامة ولا أحيانا أن نرد إليهم. قال الراوى: وأغرب من ذلك أن هذا الشينى انحدر إلى أن وقف عند بولاق وبقى هناك ثلاثة أيام مقلوبا إلى أن ركب والى الصناعة والرئيس ومعهم رجال، فجاءوا إليه وأقلبوه ووجدوا زوجة الرئيس وولدها وهى ترضعه وهما بالحياة، فسألوها عن حالها فقالت: إن الشينى لما انقلب لم يحصل عليها تشويش أصلا ولا بذل عليها من الماء، فتعجبوا من ذلك وقالوا: قدرة الله أعظم من هذا. ثم رسم السلطان بأن يجهز شينى آخر عوض ذلك، فجهزوه وكانوا قد أحضروا رؤساء من الإسكندرية ودمياط، ثم سافروا إلى أن وصلوا إلى طرابلس ودقت بوقاتهم، ووجدوا أهل طرابلس أيضا قد تجهزوا كما ينبغى مما يحتاجون إليه من العدد والنفط وآلات الحصار، ثم ركبوا نصف الليل ورئيت لهم الجزيرة وجه الصبح، وصاحوا بالتكبير والتهليل، وزعقت البوقات والطبلخانات، وقاموا فى المقاديف قومة رجل واحد، فتوجه كل مركب بمقدمه على الميناء ونفر الفرنج أيضا، فبينما يركبون مراكبهم سبقت مراكب المسلمين بمقدميها (¬١).على الساحل، وتسابقت الفرسان من المقابلة إلى أن أحاطوا الساحل وتقاتلوا بالسيوف فى الوجوه والصدور وبالرماح بالطعن فى المحاجر والنحور، وانعزلت الجرخية نحية والأقحيّة ناحية، ولم تتعال الشمس صبيحة ذلك اليوم حتى خذلت الكفار، وانتصرت ملة الإسلام، وملأوا من قتلاهم الأرض، ورجع من بقى إلى قلعتهم وأغلقوها، وزحفت الرجال إليهم، وأرسلوا سهامهم إلى من فيها، فثبتوا ساعة مقاتلين، ثم وقع كلهم ما بين قتلى وجرحى، وصاحوا طالبين الأمان، وسلموا أنفسهم، وملك المسلمون القلعة أيضا، وكان ذلك اليوم يوم الجمعة الثامن والعشرين من صفر عام ثنتين وسبعمائة، وأخذوا جميع ما فيها من حواصل وسلاح، ووجدوا فيها تجارا ومعهم تجارة. وكانت هذه القلعة أعتنى بها وبعمارتها صاحب قبرس مع جماعة من أكابر الفرنج على أنهم يتخذونها سكنا لهم ويسمونها عكا الصغيرة، ثم هدّها المسلمون إلى أن صارت دكا دكا، فحصل للمسلمين بذلك السرور التام والشكر على دين الإسلام.