بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 1546, entry [435]4,625 chars
ذكر ما جرى للأمير حسام الدّين المجيرى مع قازان: قال القاضى جمال الدين بن الكرم فى تاريخه (¬٤): قال المجيرى لما حضرت بينيدى قازان أوقفنى بعيدا (¬١) منه وسألنى عن أمور كثيرة وتحدث مع الحجاب، فكان أول كلامه لى: ما اسمك؟ قلت: أزدمر. قال: لا أنتم تتسمون بأسماء ثلاثة، قلت: نعم. قال: وما هى أسماؤك أنت؟ قلت…
▸ expand full passage (4,625 chars)ذكر ما جرى للأمير حسام الدّين المجيرى مع قازان: قال القاضى جمال الدين بن الكرم فى تاريخه (¬٤): قال المجيرى لما حضرت بينيدى قازان أوقفنى بعيدا (¬١) منه وسألنى عن أمور كثيرة وتحدث مع الحجاب، فكان أول كلامه لى: ما اسمك؟ قلت: أزدمر. قال: لا أنتم تتسمون بأسماء ثلاثة، قلت: نعم. قال: وما هى أسماؤك أنت؟ قلت: حسام الدين أزدمر المجيرى. قال: وما معنى المجيرى؟ قال: فقبلت الأرض وقلت: يحفظ الله القان، نحن يشترينا التجار ونحن صغار، ثم يجلبوننا إلى البلاد، ينسب كل منا إلى اسم تاجره أو لقبه، وكان اسم أستاذى الذى اشترانى مجير الدين. فقالوا لى: المجيرى. قال: صدقت، ثم قال: ما جنسك؟ قلت: تركى. قال: من أىّ الترك؟ قلت: من قفجاق. قال: صدقت. قال المجيرى: لما سألنى قازان عن أشياء كثيرة، فجاوبته عنها، وعرف منى الصدق فى القول، قربنى إليه (¬٢)، ثم سألنى عن أشياء أخرى منها: أنه قال لى: ما محلك عند السلطان - يعنى الملك الناصر -؟ قلت: جندى. قال: جندى؟ قلت: نعم. قال: فنظر إلى وأطال نظره، ثم قال: مثل ملك مصر يرسل إلى مثلى جنديا. قلت: نعم. قال: ما أنت أمير؟ قلت: نعم. قال: على بابك طبلخاناة. قلت: نعم. قال: فكيف تقول: أنا جندى. قال: فقبلت الأرض وقلت: يحفظ الله القان إنما الأمير هو جندى السلطان، والجندى هو جندى الأمير وكلنا جند الله، ثم قال لى: أنت مملوك هذا السلطان وشراء ماله. قلت: مملوكه ومملوك أبيه وأخيه، وهو الذى أحسن لى وأنشأنى وعملمعى خيرا، وعمل على بابى طبلخاناة، وإنما أنا مملوك الملك الظاهر البندقدارى، ثم قال لى: كم رأيت مصافا؟ قلت: فى نفسى ما للسكوت محل، فقبلت الأرض وقلت: يحفظ الله القان، إنى كنت مع جدك هلاون نوبة تمرقابو، قال: لما سمع هذا الكلام أطرق برأسه إلى الأرض، ثم التفت إلى شيخ من التركمان إلى جانبه وتحدّث معه، ثم قال: كيف هربتم منا؟ فقبلت الأرض وقلت: عسكرا كثيرا لهم سنون يهربون منا، ونحن هربنا منكم مرة واحدة، وما كان هروبنا منكم خوفا من كثرتكم ولكن احتقارا بكم. قال الملك: كيف ذلك؟ قلت: يحفظ الله القان، نحن كسرنا التتر مرات عديدة مدة سنين من أيام جدك هلاون حتى صار ملتقاهم علينا أهون ما يكون، وإن عساكر مولانا السلطان الملك الناصر عساكر كثيرة وخلق عظيم لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، وإن لنا أعداء كثيرة من سائر الأقاليم، ولنا إقليم يعرف ببلاد قوص، وهى تجاور بلاد السودان، تركنا فيها عشرة آلاف فارس، وتركنا أيضا بإقليم يعرف ببلاد دمياط مجاورة لأقاليم الإفرنج عشرة آلاف فارس، وكل هذا مع قلة اهتمامنا بالنثر، وكانت سعادة القان كبيرة، وكان فى ذلك فى الكتاب [٢٥٧] مسطورا. قال المجيرى: وكلّ هذا جرى بينى وبينه ولم يكن بيننا غير حاجب واحد وهو يسمع كلامى مشافهة، ولم يحصل لى منه حرج إلا فى كلام واحد. قال: ثم سألنى قازان فقال: كيف يترك أمراؤكم الرجال ويستخدمون الشباب، وأراد بذلك المردان. قال المجيرى: فعلمت أنه يريد أذاى، فجاوبته بجواب أسخطه علىّ، فقبلت الأرض وقلت: يحفظ الله القان، إن أمراءنا ما كانوا يعرفون شيئا منذلك، وإنما هذا استجدّ فى بلادنا لما جاء إلينا طرغاى، فإنه لما ورد كان معه شباب من أولاد التتر، فاشتغل الأمراء بهم عن النساء. قال المجيرى: لما سمع قازان منى هذا الجواب أطرق إلى الأرض وعظم عليه كلامى» والتفت إلى جماعة من أعيان التتر، فنحدث معهم بلسان التتر، وأنا واقف بين يديه، ثم التفت إلى القاضى عماد الدين بن السكرى فقال: يا قاضى تشهد على صاحبك بما قال؟. قال: نعم (¬١)، والله منذ حضرنا بين يديه إلى حين خروجنا من عنده لم يتحدث مع القاضى عماد الدين غير هذا الكلام. قال المجيرى: ثم سألنى قازان على لسان حاجبه ما تقول فى نسائنا ونسائكم؟ فقبلت الأرض وقلت: أيدّ الله الملك (¬٢)، إنه ملك عظيم، فيقبح أن نذكر النساء فى مثل هذا المجلس، إن نساءنا يستحين من الله ومن الناس، فيسترن وجوههن وأما نساؤكم فأنتم أخبر بحالهن. قال: فأطرق قازان رأسه إلى الأرض زمانا، ثم أمر لحاجبه أن يحطونا فى لفة منجنيق ويرمونها. قال: فلما خرجنا من عنده توضأ للموت، وقام القاضى عماد الدين ليتوضأ وهو يرتعد وتطقطق أسنانه، فتبسمت، فالتفت إلى وقال: يا حسام الدين هذا وقت الضحك قلت له: يا قاضى لا تخف فلن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا. قال المجيرى: كان قازان سألنى قبل أن أخرج من بين يديه كم يكون فى عسكركم مثلك تركى؟ قلت: عشرون ألف من الفرسان، فالتفت الملك غازان إلى أمير على بن بركنجان - وكان بعيدا منه - فأشار إليه، فدنا منه وقال: ما تقولفى حسام الدين؟ أصحيح ما يقوله أم لا؟ قال: والله يا خوند (¬١) ما قال صحيحا. وحق رأس القان ما فى عسكر مصر مثله خمسة أنفس. قال: فالتفت نحوى وقال: يا حسام الدين تسمع ما قال ابن بركنجان. قلت: وما يقول أيدّك الله؟ قال: يقول إنك ما قلت الصحيح. قال المجيرى: فقبلت الأرض وقلت: يحفظ الله القان هو والله ما قال الصحيح، وهو من جملة الذين ما رضى بهم السلطان أن يستخدمهم فى عسكر مصر وأعطاه أربعة آلاف درهم فى حلب، ولو وجد فى مصر أربعة آلاف ما هرب وجاء إليكم، فالتفت قازان إلى ابن بركنجان فقال له: أنت من عسكر الشام، فأطرق، فقال قازان: أنت لما جئت إلينا ما قلت أنا من عسكر مصر. قال المجيرى: قلت وحق رأس القان هو أقل من فى عسكر الشام. قال: ثم لما خرجنا من بين يدى قازان على أنهم يحطونا فى المنجنيق إذا بمرسوم ثان أتى بأن يحبسونا فى مدرسة هناك ولا يمكنوا أحدا من العبور إلينا لا المهمندار (¬٢) ولا غيره من الناس ممن نعرف وممن لا نعرف. قال: فعلمنا عند ذلك أنه غضبان علينا، وسنذكر ما جرى عليهم بعد ذلك إن شاء الله تعالى.[٢٥٨]