بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 1504, entry [423]2,958 chars
ذكر خروج السلطان من القاهرة متوجّها إلى الشّام لأجل حركة التتار: كان خروج السلطان مع عساكره فى النصف من شهر صفر (¬٣) من هذه السنة، وتموا سائرين إلى أن وصلوا إلى غزّة وأقاموا عليها يومين، والثالث ورود خبر من نائب حلب ونائب الشام صحبة القصّاد أن قازان قد توجه بجيشه إلى نحو جبال أنطاكية وقد جفلت أهل ال…
▸ expand full passage (2,958 chars)ذكر خروج السلطان من القاهرة متوجّها إلى الشّام لأجل حركة التتار: كان خروج السلطان مع عساكره فى النصف من شهر صفر (¬٣) من هذه السنة، وتموا سائرين إلى أن وصلوا إلى غزّة وأقاموا عليها يومين، والثالث ورود خبر من نائب حلب ونائب الشام صحبة القصّاد أن قازان قد توجه بجيشه إلى نحو جبال أنطاكية وقد جفلت أهل السّواد بين يديه، فكتب السلطان الجواب بأن تكونوا على يقظة من أمره، وتعرفوا بحركاته كل وقت، فاقتضى رأيهم الرحيل من غزة إلى منزلة العوجاء، فضربوا الدهليز بها، وشرعت الأجناد فىتسفير جمالهم إلى تحصيل الشعير والتبن وما يحتاجون إليه، وجاءت الأمطار الكثيرة بإذن الله خارجة عن الحدّ والعادة، واستمرت ليلا ونهارا عشرة أيام، ثم أصبحت فى نهار واحد من بكرة النهار إلى الظهر، ثم شرعت وتزايدت إلى أن منعت المسافرين والجافلين عن جلب الأشياء، فضاقت بهم الأحوال، فصار كل أمير إذا أراد طبخ شئ من الطعام يستر مطبخه باللبابيد الكثيرة حتى يتيسر إيقاد النار، فأقامت المطر على منوال واحد أحدا وأربعين يوما بلياليها، لم يتلذذ فيها أحد بالنوم من شدة البرد والرّعد والمطر والثلج والبرد الذى يمنع الرجل عن القيام لمصلحته، وكذلك بلغت أحوال الخيول فلا يقدر أحدا منها أن يضع جنبه على الأرض ولا يشرب الماء إلا من النهر الذى يجرى بين يديه، فتحسنت أسعار التبن والشعير وغير ذلك. قال صاحب النزهة: اشترينا الحمل من التبن بأربعين درهما، والعليقة الواحدة بثلاثة دراهم، والخبز كل ثلاثة أرغفة بدرهم، والرطل من اللحم بثلاثة دراهم، وانقطع الجلب من سائر الأماكن، ثم حصل بعد ذلك سيل عظيم من الأمطار والثلوج التى ذابت من الجبال وانحدر فى النهر إلى أن فاض من جوانبه وارتفع إلى أن علا من فوق القنطرة، وجاء عقيب ذلك برد عظيم جدا حتى مات من الغلمان جماعة كثيرة من البرد، وتلفت حال العسكر، وتلف جميع ما معهم من الثياب والقماش والخيام وأنواع [٢٤١] المأكولات بحيث أن أحدا ما كان يقدر على القعود فى الخيام من المياه من كثرة المطر، ثم أجمع رأيهم على الرحيل، فنودى فى العسكر بالركوب بكرة النهار، وأول من ركب وتقدم الأمير سيف الدين سلار نائب السلطنة، وقدّامه حزمة حطب على السرج ورماها فى الوحل، ثمالأمير ركن الدين بيبرس، ثم بقية الأمراء أولا فأولا ومماليكهم وغلمانهم، وكذلك أجناد الحلقة، وبيد كل واحد قفة أو مخلاة من التراب أو الحجر أو غير ذلك فيرميه فى الوحل حتى تمشى الدواب عليه. وهم فى ذلك إذ وصل مملوك من نائب حلب ومعه اثنان من الناصحين، وأخبروا أن قازان ركب بجيشه إلى أنطاكية، ثم إلى جبل السماق ورجع إلى قرون حماة وأرض شيزر، ونهب وسبى خلقا كثيرا، وأخذ مواشى كثيرة للتركمان وأهل البلاد، وأن صاحب سيس بذل له مالا عظيما فى شراء أسرى كثيرة من المسلمين، وأنه صمّم على عبوره الشام، فأرسل الله على جيشه أمطارا عظيمة وثلوجا لم يعهدوا مثلها قبل ذلك، ومع ذلك وقع الفناء فى خيولهم، وكان الفرس منهم يصيبه البرد وينزل عليه الثلج فيقع على الأرض، ثم لا ينتفع به بعد ذلك، وحكوا أن قازان كان معه خصوصا اثنى عشر ألف رأس من الخيل دشار، فلم يبق منها إلاّ مادون الألف، وأنه لما رأى ذلك استشار أمراءه فى (¬١) الرجوع، فرجعوا فى أسوأ حال، وتفرق عسكره، ورآه يردف بعضهم بعضا، فلما سمع السلطان والأمراء ذلك اقتضى رأيهم أن يجردوا بعض المقدمين بمضافيهم إلى حلب لأجل تطمئن البلاد ولسمعة العدو بأن عسكر مصر قد وردوا للقائهم، فعينوا الأمير سيف الدين بكتمر السلحدار ومضافيه، والأمير بهاء الدين يعقوب ومضافيه، وأشاروا برحيل بقية العساكر إلى مصر.