بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 1409, entry [402]9,649 chars
ذكر ما جرى فى دمشق بعد انهزام الجيش: بتاريخ ليلة الأحد الثانى من ربيع الآخر (¬١) كسر المحبوسون بباب الصغير باب السجن، وخرجوا منه قريبا من مائتى راجل. فنهبوا ما قدروا عليه، وجاءوا إلى باب الجابية فكسروا أقفال الباب الجوانى وأخذوا من الباشورة ما شاءوا، وكسروا أقفال الباب البرانى وخرجوا منه على حمية، ف…
▸ expand full passage (9,649 chars)ذكر ما جرى فى دمشق بعد انهزام الجيش: بتاريخ ليلة الأحد الثانى من ربيع الآخر (¬١) كسر المحبوسون بباب الصغير باب السجن، وخرجوا منه قريبا من مائتى راجل. فنهبوا ما قدروا عليه، وجاءوا إلى باب الجابية فكسروا أقفال الباب الجوانى وأخذوا من الباشورة ما شاءوا، وكسروا أقفال الباب البرانى وخرجوا منه على حمية، فتفرقوا حيث شاءوا، لا يقدر أحد على ردّهم ولا صدهم، وعاثت الحرافشة فى ظاهر البلد، فكسروا أبواب البساتين، وقلعوا من الأبواب والشبابيك وغير ذلك ما قدروا عليه، وباعوه بأرخص الثمن، هذا وسلطان التتار قد قصد ورود دمشق بعد الوقعة. واجتمع أعيان البلد والشيخ تقى الدين بن تيمية (¬٢) فى مشهد على (¬٣)، واتفقواعلى المسير إليه لتلقيه وأخذ الأمان منه لأهل دمشق، فتوجهوا يوم الإثنين الثالث من ربيع الآخر، فاجتمعوا به عند النبك (¬١)، وكلمه الشيخ ابن تيمية كلاما قويا فيه مصلحة عظيمة عاد نفعها على المسلمين، ودخل المتسلمون للبلد من جهة قازان، فنزلوا بالباذرائية (¬٢)، وغلقت أبواب المدينة سوى باب توما، وخطب الخطبة [٢٠٢] يوم الجمعة سابع الشهر المذكور بالجامع ولم يذكر سلطانا فى خطبته (¬٣)، وبعد الصلاة قدم الأمير إسماعيل [التترى] (¬٤) ومعه جماعة من الرسل فنزلوا ببستان الظاهر عند الطريق، وحضر الفرمان بالأمان فطيف به فى البلد، وقرئ يوم السبت ثامن الشهر. بمقصورة الخطابة، ونثر شئ من الذهب والفضة (¬٥). وفى نزهة الأنام: الذين خرجوا من دمشق لطلب الأمان من قازان هم: خطيب دمشق القاضى بدر الدين بن جماعة، والشيخ زين الدين الفارقى (¬٦)، والشيخ تقى الدين بن تيمية، والقاضى نجم الدين بن صصرى (¬٧)، والصاحبفخر الدين بن الشيرجى (¬١)، والقاضى عز الدين بن الزكى (¬٢)، والشيخ وجيه الدين ابن المنجى، والصدر الرئيس عز الدين بن القلانسى وابن عمه شرف الدين، وأمين الدين شقير الحرانى، والشريف زين الدين بن عدنان، والشيخ نجم الدين ابن أبى الطيب، وناصر الدين بن عبد السلام، وشرف الدين بن الشيرجى، والصاحب شهاب الدين الحنفى، والقاضى شمس الدين الحريرى، والشيخ محمد بن قوام البالسى والقاضى جلال الدين أخو قاضى القضاة إمام الدين القزوينى، والقاضى جلال الدين ابن قاضى القضاة حسام الدين، وجماعة كثيرة من الفقهاء والقراء (¬٣)، وتوجهوا نحو جيش التتار. وبقيت (¬٤) المدينة بلا نائب ولا حاكم، وأكل الناس بعضهم بعضا، ومن قدر على أمر فعله، ووصلت أربعة من التتار، ومعهم الشريف القمى ونزلوا بالباذرائية، وأصبح الصباح ولم يفتح من أبواب دمشق باب، فكسرت أقفال باب توما، وكان الذى تولى كسرها نواب الولاة: الشجاع همام الدين وابن ضاعن وابن الذهبى النقيب، ووصل إلى ظاهر دمشق جماعة من التتار ومعهم أمير إسمه إسماعيل، فنزلوا ببستان الظاهر بطريق القابون، وأما الجماعة الذين خرجوا من دمشق فإنهم التقوا بالعساكر التترية بالنبك، واجتمعوا بالملك، ووقفالترجمان، وتكلم منهم، وكان المتكلم فخر الدين بن الشيرجى، وأحضروا ما كان معهم من المأكول، فلم يظهر له وقع ولا حضر قدام الملك. وقال الملك قازان: إن الذى تطلبونه من الأمان قد أرسلناه إليكم قبل حضوركم، فرجعوا إلى دمشق، وحضر الأمير إسماعيل إلى مقصورة الخطابة وحضر الخطيب ابن جماعة وفخر الدين ابن الشيرجى وابن القلانسى وابن منجى وجماعة لقراءة الفرمان، واجتمع الناس، وقرئ الفرمان على السدّة. فحمد الناس الله تعالى، وحصل للناس سكون وطمأنينة، وقرب التتار من دمشق وأحدقوا بالغوطة، وكثر العبث والفساد والنهب بالحواضر البرانية مثل العقيبة والشاغور وقصر حجاج وحكر الساق، ووصل الأمير قفجق وبكتمر السلحدار مع جماعة ونزلوا بالميدان الأخضر. وورد مرسوم من الأمير إسماعيل بأن العلماء والقضاة والأكابر يتحدثون مع أرجواش نائب القلعة ويحسنون له تسليم القلعة [٢٠٣] وإلا يدخل الجيش البلد، ولا تبقى بعد هذا الفلعة ولا البلد، فاجتمع جماعة منهم بدار الحديث وأرسلوا رسولا إلى أرجواش فلم يجبهم، فقاموا فى دار الحديث بأجمعهم إلى باب القلعة وأرسلوا إليه رسولا ثانيا فبلغه سلامهم. فقال: ومن هم الذين أرسلوك؟ فسماهم له بأنسابهم، فقال: هم المنافقون الخائنون للمسلمين، وليس عندى جواب، ومع هذا فهذه بطاقة وصلت إلى من السلطان صاحب مصر مضمونها أنهم قد اجتمعوا على غزة وكسروا الطائفة الذين تبعتهم من التتار، وهو يوصينى بالقلعة، وكان من جملة الجماعة الواقفين بباب القلعة: بدر الدين (¬١) بن فضل الله.فقال أرجواش: وصل ابن فضل الله ويقف على البطاقة فإنها بخط أخيه (¬١)، فامتنع ابن فضل الله من الدخول واشتد خوفه وهرب من بين الجماعة، وتفرقت الجماعة على هذه الصورة. وفى اليوم الثانى: حضر الأمير قفجق وجلس بالمدرسة العزيزية (¬٢) وأمر بالمراجعة بأرجواش فى أمر القلعة، فراجعوه فلم يجبهم، وكتبوا فى هذا اليوم فرمانات كثيرة من شيخ الشيوخ [نظام] (¬٣) الدين للتتار، ولم يحصل بأكثرها نفع، وخاف الناس، وأصلحوا أبواب الدروب، وكثر دخول التتار البلد، ونزل شيخ الشيوخ نظام الدين بالمدرسة العادلية (¬٤) وادعى أنه يصلح أمور الناس، وطلب الأموال، ووقع النهب فى جبل الصالحية (¬٥)، ودخلوا الناصرية (¬٦)، والمارستانالقيمرى (¬١)، وكسروا الأبواب والشبابيك، وصعدوا إلى مغارة الدم، وإلى مغارة الجوع، ولم يعص عليهم موضع، ودخلوا إلى جامع الحنابلة، وأخذوا بسطه وكسروا القناديل والمنبر، ودخلوا فى مدرسة الشيخ ضياء (¬٢) فنهبوها، وأخذوا من الصالحية من المطعومات والقمح والشعير والدفائن والذخائر شيئا كثيرا حتى كان الواحد يأتى إلى الخبيئة كأنه هو الذى خبأها من سرعة هدايته إلى مكانها. وبلغ الناس بالبلد ما جرى بالصالحية، فشق عليهم، وتوجه الشيخ تقى الدين ابن تيمية وجماعة إلى شيخ الشيوخ الذى نزل بالعادلية وشكوا إليه الحال، فخرج معهم إلى الصالحية، فسمع التتار بخروجه فهربوا، ودخل أكثر الناس عرايا عليهم الجوالق والبلاسات، واشتد الأمر وسار التتار إلى قرية المزة (¬٣)؛ وكان أكثر أهلها لم ينتقلوا عنها فنهبوها، وسبوا أهلها، وفعلوا بها كما فعلوا بالصالحية؛ ثم ساروا إلى داريا فاحتمى أهلها بالجامع، فلم يزالوا حتى دخلوه وفعلوا كما تقدم؛ وقتل من التتار جماعة من أهل داريا جماعة. ثم خرج الشيخ تقى الدين بن تيمية إلى مخيم السلطان الذى يسمونه الأردو؛ وكان بتّل راهط، فدخل عليه ولم يمكّن من الإعلام كما ينبغى، بل أذن له فىالدعاء والإسراع، وقيل: إنه كان مشغول الدماغ ولم يعلم بما جرى، ولو علم كان قتل جماعة من المغل، فيحصل بذلك فتنة وتفريق كلمة، فاجتمع تقى الدين بالوزير ابن سعد الدولة ورشيد الدولة [٢٠٤] وتحدث معهما، فذكر أن جماعة من مقدمى المغول الأكابر لم يصل إليهم شئ من مال دمشق ولا بد من إرضائهم، فدخل الشيخ تقى الدين البلد، وقد ضاق الأمر بالناس، وهم فى شدة عظيمة، واشتاع بينهم أن قازان يريد الدخول إلى البلد، وقد جعل ما فيه للمغول خاصة، فضاقت صدور الناس، وقيل لهم: من لم يخرج من البلد ندقه فى عنقه، ومن أراد الخروج فليخرج إلى الصالحية، وكان هذا الكلام من جهة شيخ الشيوخ، ثم حمل حوائجه وخرج من العادلية، فقالت الناس: لو لم يكن الخبر صحيحا لما خرج مسرعا، فلما كان آخر النهار رجع بعض حوائجه وحضر إليه أعيان البلد وقالوا: إن رسم السلطان أن يضع على البلد شيئا معلوما سعينا فى استخراجه، ويكون مثل الشراء عن السلطان ويمنّ السلطان بالعتق على المسلمين، وكان قد قتل فى هذه الليلة رجلان من متولى أمر المناجيق من جهة أهل القلعة، وكان السلطان غضب من ذلك غضبا شديدا. وقال الشيخ وجيه الدين بن منجى: أنا أبذل جميع ما أملكه من العين. وقال الرئيس عز الدين بن القلانسى: قد أخذ منا شئ كثير، ولم يبق إلا أن يموت بعضنا على بعض، كل هذا وشيخ الشيوخ ساكت مصمم لا يفرج كربة عن مسلم، ولكن اشتدّ الطلب من الناس فقرّر على سوق الخوّاصين مائة ألف وثلاثون ألف من الدراهم، وعلى سوق الرمّاحين مائة ألف درهم، وعلى سوق علىّ ستون ألف (¬١) درهم، وعلى أكابر البلد ثلاثمائة ألف دينار، وجبيت من حسابأربعمائة (¬١) ألف، ورسّم عليهم طائفة من المغل، مع كل إنسان طائفة منهم، وضيقوا عليهم، وعصروا ابن شقير، ووعدوا ابن منجى وابن القلانصى بوعيد، والمغل محيطون بهم يضربونهم، فصار جميع أهل دمشق فى الذل والهوان، وكثر النهب فى البلد، والقتل عمّال فى ضواحى دمشق وضياعها. يقال: إنه قتل ما يقارب مائة ألف إنسان من الجند والفلاحين والعامّة، وكثر الطلب، وعجز المطلوب، وعسر الأمر على الناس، وكان متولى الطلب الصفىّ السنجارى وعلاء الدين أستادار قفجق وأولاد الشيخ على الحريرى الحنّ والبنّ، وكان هؤلاء من أكبر المصائب على الناس، فنظم فيهم الشيخ كمال الدين بن الزملكانى (¬٢): لهفى على جلّق يا سوء (¬٣) … ما لقيت من كل علج له فى كفره فنّ بالطمّ والرمّ جاءوا ولا عديد لهم … فالجنّ بعضهم والحنّ والبنّ وقال علاء الدين الوداعى: دهتنا أمور لا يطاق احتمالها … فسلّمنا منها الإله له المنّ اتتنا تتار كالرمال تخالهم … هم الجنّ حتى معهم الحنّ والبنّوقال الشيخ كمال الدين ابن قاضى شهبة (¬١): [٢٠٥] رمتنا صروف الدهر منها بسبعة … فما أحد منّا من السبع سالم غلاء، وغازان، وغزو، وغارة، … وغدر، وإغبان، وغمّ ملازم ثم استهلّ شهر جمادى الأولى: ففى أول ليلة منه بات المغل منتشرين بباب البريد إلى القلعة بسبب حفظ مناجيقهم التى بالجامع، وكانت لهم مدة يحاصرون القلعة، وكسروا دكاكين باب البريد وأخذوا ما فيها، وانتقل الناس من تلك الناحية، وتركوا حوائجهم وأقواتهم، عجزوا عن حملها، وغلقت أبواب الجوامع وترك منها باب صغير، وانقطع الناس عن الجامع. وفى الجمعة الأولى من الشهر: نهب دير الحنابلة مرة ثانية، وسبيت من كان فيه من النساء والأولاد، ومن جملة ما أخذوا: مائة وعشرون بنتا، وأسروا القاضى تقى الدين الحنبلى (¬٢) وعملوا فى رقبته حبلا يجرونه به، ثم تركوه. وأما البلد فأحرقت منه دار الحديث الأشرفية (¬٣) وما جاورها، ودار الحديثالنورية (¬١)، والعادلية الصغيرة (¬٢) وما جاورها، وأحرقت القيمارية (¬٣) وما جاورها إلى دار السعادة إلى المارستان النورى، ومن الجهة الأخرى إلى المدرسة الدماغية (¬٤) إلى باب الفرج، وأحاطت التتار بالقلعة من جميع الجهات (¬٥)، وبقيت الأماكن موحشة لا يجسر أحد أن يمرّ بها، ولم تبق حارة ولا محلة إلا وقد دخلها التتار ونهبوها، واختفى الناس، وكان الرجل إذا حصلت له حاجة يخرج فى أثواب رثّة وهو خائف وجل، ثم عاد مسرعا، ولم يكن يصلى فى الجامع خلف الإمام إلا رجل أو رجلان، والتتار منتشرون فيه لأجل حفظ المناجيق، وشربوا فى الجامع الخمور، وانتهكوا حرمته، وفجروا فيه بالنساء، ونجسوه بالبول، وامتنع الناس من حضور الجمعة خوفا على أنفسهم، والأمر فى المصادرة والجباية حثيثا لم يعف عنه أحد لا غنى ولا فقير. وحصّل لشيخ الشيوخ من البراطيل فوق الثلاثين ألف دينار، وكان لا يزال الدبوس على كتفه، ويفخم كلامه، ولم يكن فيه شئ من أخلاق المشايخ،وكان كثير الطمغ وكان يستهزئ بقلعة دمشق ويقول: إش هذه؟ لو أردنا أخذها أخذناها من أول يوم جئنا، وإنما الملك يريد الرفق. كل هذا والناس فى المصادرة، وكان المستخرج من الدراهم برسم خزانة الملك ثلاثة آلاف ألف وستمائة ألف سوى الدواب والقماش والسلاح والقمح والشعير، وذلك غير الذى أخذه المغول من النهب والبرطيل، وحصل لخواجا أصيل الدبن بن النصير الطوسى نحو من مائتى ألف لأنه كان منجم الملك وناظر الأوقاف التى فى ممالك التتار، وطلب من أوقاف دمشق أجرة النظر عن سنة كاملة، واستخرج الصفى السنجارىّ لنفسه مائة ألف درهم، وكل هذا غير الذى استخرجه قفجق لنفسه ولأمراء المغول، وسوى الرواتب المرتبة للملك فى كل يوم ولخواصه، ونهب لأهل دمشق ما يقارب ذلك، وأحرق من الأملاك والأوقاف والمدارس ما لا يقدر أحد على ضبط قيمته.