بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 1317, entry [392]14,981 chars
ذكر عود الملك الناصر محمد بن قلاون إلى السلطنة ولما جرى ما ذكرنا طلعت الأمراء الأكابر إلى القلعة فى ثانى اليوم الذى قتل فيه طقجى وكرجى، واتفقت (¬١) آراؤهم على النزول إلى الأمير بدر الدين أمير سلاح وتكون المشورة بحضرته لأجل أمر السلطنة، فنزلوا إليه وشاوروه فى ذلك، وأقاموا يترددون إليه يومين والثالث إ…
▸ expand full passage (14,981 chars)ذكر عود الملك الناصر محمد بن قلاون إلى السلطنة ولما جرى ما ذكرنا طلعت الأمراء الأكابر إلى القلعة فى ثانى اليوم الذى قتل فيه طقجى وكرجى، واتفقت (¬١) آراؤهم على النزول إلى الأمير بدر الدين أمير سلاح وتكون المشورة بحضرته لأجل أمر السلطنة، فنزلوا إليه وشاوروه فى ذلك، وأقاموا يترددون إليه يومين والثالث إلى أن اتفقت آراؤهم على أن يسيروا بعض الأمراء إلى مدينة الكرك ليحضروا الملك الناصر منها؛ ليجتمع شمل أهل الإسلام وتسكن الفتن بينهم، فإن مماليك السلطان البرجية جميعهم التفت على الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، والمماليك الصالحية والمنصورية وبعض الأشرفيه التفت على الأمير سيف الدين سلار الصالحى، فأرادوا أن يسكنوا خواطر الناس بحضور ابن أستاذهم وسلطانهم، وأن يحفظوا دولته إلى أن يبلغ مبلغ الرجال، فاتفقوا على ذلك، وقصدوا قتل من مسكوا من المماليك الذين شاركوا فى قتل السلطان، ثم أخروا ذلك إلى وقت حضور السلطان من الكرك. واتفق وأيهم على تسيير الأمير علم الدين [سنجر] (¬٢) الجاولى، والأمير سيف الدين آل ملك الجوكندار، وجهزو لهما الهجن وما يحتاجان إليه. واتفقوا على أن تكون الكلمة بينهم متفقة واحدة، فكانوا يجلسون ويحكمون وتكتب الكتب بالعلائم، فأول من [١٧٦] يكتب علامته الأمير حسام الدين[لاجين] (¬١) الأستاذدار، ثم الأمير عز الدين أيبك الخزندار، ثم الأمير سيف الدين سلار، ثم الأمير سيف الدين كرد الحاجب، ثم الأمير جمال الدين أقوش الأفرم، ثم الأمير جمال الدين عبد الله السلحدار، ثم الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير وكانوا إذا كتبوا كتبا لسائر النواب يكتب عن ألسنة هؤلاء الأمراء ويحط كل منهم علامته عليه، ثم ينزل الجميع يوم الإثنين ويوم الخميس إلى خدمة الأمير بدر الدين أمير سلاح، ويأكلون على سماطه، ويستشيرونه فيما يفعلونه، فإنه كان هو المشار إليه من الأكابر، وهو الذى سكن الفتنة بينهم فى ذلك الوقت وأشار أن المسلمين لا يسكنون إلا أن تجتمع كلمتهم على ابن أستاذهم، فإنهم مماليك أبيه وأخيه، وهو وارث ملكهم، ومالك عقدهم وحلهم، وقطع من الجميع علائق الطمع، وعرفهم أن حضوره وتملكه عليهم أحق وأولى، وإن كان صغير السن وأنتم تدبرون أمره برأيكم. ثم كتب كتابا من عنده إلى الملك الناصر، وكتابا آخر إلى جمال الدين أقوش نائب الكرك وعرّفه ما اتفق من الوقائع فى مصر وأن يجهز السلطان إلى الحضور لملكه. وكان الأمير عز الدين أيبك الخزندار يجلس مكان النيابة والأمراء دونه. وكتبوا أيضا كتبا لوالدة الملك الناصر وعرفوها بالوقائع وطيبوا خاطرها، فأخذ نائب الكرك الكتب ودخل بها عليها وعرفها مضمونها، فظنت أن هذا مكر من حسام الدين لاجين أراد بذلك إحضار ولدها وقتله، فأبت وامتنعت، ولم تعلم أن الإرادة الإلهية حكمت له بالسعادة الطويلة، ثم إن نائب الكرك قاللها: إن امتناعك عن هذا يورث فسادا كثيرا بين المسلمين، ويوقع فتنا وسفك دماء، وحلف أن هذا الأمر حقيقة ليس فيه مكر ولا خديعة، وما زال بها إلى أن أجابت إليه، وقبلت كلامه، لما كان من سبق إحسانه إليها وإلى ولدها الناصر عند حضورهما إلى الكرك، وكان كل يوم يمد السماط بين يدى الملك الناصر ويقف هو مكان النيابة، وراعى ترتيب المملكة معه مدة إقامته فى الكرك إلى حضور الأمراء بطلبه، ثم شرع فى تجهيزه بما يليق به وسافر صحبته إلى أن وصل إلى مصر، فلما قرب منها ركبت إليه سائر الأمراء ولا قوه، فلما وقع نظره عليهم ترجلوا كلهم وقبلوا الأرض، وتباشروا بقدومه، وكان يوما مشهودا عظيما، ولم يبق فى ذلك اليوم أحد من الأمراء والمقدمين والجند والعامة إلا وقد خرج إليه ولاقاه، وعند طلوعه أجلسوه على التخت، وجلس الأمير بدر الدين أمير سلاح والأمراء الكبار، وكان دخوله يوم السبت الرابع من جمادى الأول من هذه السنة. وفى يوم الإثنين السادس (¬١) من الشهر المذكور حلف له سائر الأمراء، وعليه خلعة الخلافة، (¬٢) وهو ابن أربع عشرة سنة، وزينت القاهرة ومصر، ودقت البشائر. وكان خلو التخت من السلطنة من يوم قتل لاجين إلى يوم حضور الناصرأحدا وأربعين يوما، (¬١) وبقى الأمر شورى بين ثمان أمراء لا ينفذ أمر إلا بهم ولا يخرج مرسوم إلا [١٧٧] بخطهم أجمعين وهم: بيبرس، وسلار، وأيبك الخزندار، وعبد الله السلحدار، وبكتمر أمير جندار، (¬٢) والحسام أستاذ الدار، وأقوش الأفرم، وكرد الحاجب. وقال بيبرس فى تاريخه: ولما استقر الناصر بالقلعة المحروسة استدعى الأمراء الكبار، فحضروا بين يديه، وهم الأمراء المذكورون، وقال: وبيبرس الدوادار مدون هذه الآثار، فوقع اتفاق الآراء؛ واجتماع الأمراء على أن يستقر الأمير سيف الدين سلار نائب السلطنة، والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير أستاذ الدار، والأمير بكتمر جندار، والأمير سيف الدين قطلوبك حاجبا، والأمير شمس الدين الأعسر وزيرا، وفوضت نيابة السلطنة بدمشق الى الأمير جمال الدين أقوش الأفرم، وأرسل الأمير سيف الدين كرد الى الحصون نائبا؛ وأفرج عن الأمير شمس الدين قراسنقر الجوكندار من الاعتقال وأعاده الى ما كان عليه من الإمرة، وأنفق فى العساكر نفقة عامة، فسرت به الخاصة والعامة (¬٣).وفى نزهة الناظر: أرسل الأمير سيف الدين كرد الحاجب نائبا بطرابلس، عوضا عن الأمير عز الدين الموصلى بحكم وفاته، واستقر سيف الدين قطلوبك حاجبا، عوضا عن كرد، وكان ممن تأمر بدمشق فأخرجه لاجين إلى حلب ثم عاد الى مصر واستقر فيها. قال: ثم اتفق الحال على كتب الكتب الى سائر النواب الشامية والحلبية وسائر الممالك، وسيروا بها الأمير علاء الدين مغلطاى الدمشقى، ثم اجتمع رأيهم على الافراج عن الأمراء المسجونين وهم: شمس الدين قراسنقر، والأمير سنقر الأعسر، والأمير عز الدين أيبك الحموى، ورسموا أن يكون قراسنقر نائب الصبيبة وأعمالها؛ وولوا فخر الدين بن الخليلى وزيرا؛ ثم بعد أيام قليلة عزلوه؛ وولوا سنقر الأعسر فى شهر رمضان. ولما وصل الأمير جمال الدين أقوش الى دمشق أفرج عن الأمير سيف الدين جاغان الحسامى وولاه البر. ووصل كتاب نائب حلب بوصول الأمراء إلى البلاد؛ وفى خدمتهم أمراء المغل. وذكر ابن كثير أن الأمراء الذين قفزوا إلى قازان إنما كان فى أول هذه السنة، وإنما نحن ذكرناهم فى السنة الماضية نحو ما ذكره بيبرس فى تاريخه (¬١).وقال ابن كثير: جاءت الكتب إلى نائب الشام سيف الدين قفجق فوجدوه قد قفز (¬١) خوفا من غائلة لاجين، فسارت البرد وراءه (¬٢) فلم يدركوه إلا وقد اجتمع (¬٣) بالمغول عند رأس العين [من أعمال ماردين] (¬٤)، وتفارط الحال [ولا قوة إلا بالله] (¬٥). وكان الذى شمر العزم وراءهم ليردهم الأمير سيف الدين بلغاق، وقام بأعباء البلد لغيبة النائب (¬٦) نائب القلعة الأمير (¬٧) علم الدين أرجواش، والأمير سيف الدين جاغان، (¬٨) واحتاطوا على من كان له اختصاص بتلك الدولة، فكان منهم جمال الدين يوسف الرومى محتسب البلد وناظر المارستان، ثم أطلق بعد مدة وأعيد إلى وظائفه، واحتيط أيضا على سيف الدين جاغان، وحسام الدين لاجين والى البر، وأدخلا القلعة (¬٩). وقدم الأمير جمال الدين أقوش الأفرم نائبا على دمشق، فدخلها يوم الأربعاء - قبل العصر - الثانى والعشرين من جمادى الأولى [١٧٨]، وكان هروب شمس الدين قفجق ومن معه من الأمراء يوم الثلاثاء الثامن من ربيع الآخر (¬١٠) سنة ثمان وتسعين وستمائة، وكانوا فى خمسمائة فارس، وتوجهوا نحو الفرات،فتبعهم الأمير عز الدين بن « ...... » (¬١)؛ والملك الأوحد ليرجعوهم، فلم يقدروا على رضاهم، فرجعوا، ثم توجه أيدغدى شقير وكجكن من حلب ليدركوهم فوجدوهم قد قطعوا الفرات، وأدركوا بعض أثقالهم فأخذوها ورجعوا، فلما بلغوا رأس عين التقاهم بولاى فى ألف فارس من المغل وأكرمهم وأحسن نزلهم، وكذلك التقاهم صاحب ماردين فأكرمهم وقدم لهم تقادم خوفا منهم أن يبلغوا قازان أنه كان يكاتب صاحب مصر، وأتموا السير حتى عبروا الموصل، ثم توجهوا إلى قازان، وهو مقيم بالأردو من أرض شبت من أعمال واسط، فلقيهم وأكرمهم، وأنعم على كل أمير منهم بعشرة آلاف دينار صرف الدينار عشرة دراهم، وأنعم على مماليكهم كل نفر بألف ومائتى درهم، والمماليك الصغار والغلمان كل نفر بستمائة درهم، وأعطى قفجق همذان فلم يأخذها، كما ذكرنا. وقال بيبرس فى تاريخه: لما قدم الملك الناصر أشرقت الدنيا بطلعته، وفرحت الخلائق برجعته، وقال الدهر بلسان حاله لا بلسان مقاله: قد رجع الحق إلى نصابه … وأنت من دون الورى أولى ما كنت إلاّ كالسيف سلّته … يد ثم أعادته إلى قرابه ثم أنفق فى العساكر نفقة عامة، فهو حقيق بقول القائل: الناصر الملك العالى المنار إذا … أهل الفخار سموا للمجد والجود الواهب المال لم تعلق بساحته … إلا بعدّ الأيادى (¬٢) غير معدودالسابق الوعد بالحسنى يقدمها … فما يحضّ على إنجاز موعود المشترى بالندى الحمد الثمين فقد … أضحى بكل لسان عين محمود (¬١) المشرق الوجه فى ظلماء قاتمة … والمغدق الجود فى شهباء جارود الثابت الحزم فى دهياء مظلمة … والثاقب العزم فى صمّاء صيخود ترب العلى ابن أبيه سطوة وندى … أبو الوفود أخو الغر المناجيد أغر يعرب فى أفعال نائله ال … حسنى ويعرب عن طيب المواليد زاكى المغارس نهاب الفوارس وهّ … اب النفائس ما شئت بتعريد ماضى العزائم غفار الجرائم عفّ … ار الكرائم وضّاح النواجيد يجود بالأعوجيات الجياد وبالب … يض الحداد وبالسمر الأماليد وبالظبى والظباء الآنسات وبالب … زل الهجان وبالمهرية القود يا ابن الأولى ملكوا الدنيا فامطرها … نداهم الغمر عهدا غير معهود [١٧٩] وأوسعوا العدل أقصاها فمهّدها … ولم تكن قبلهم دانت لتمهيد أحييت يا ابن الشهيد الملك مفخرة … فيا رضى والد عن خير مولود وشدت (¬٢) … بيت قلاون فعشت له فى ظل ملك على الآفاق ممدود أعدت للدولة الغراء بهجتها … فاملك كملك سليمان بن داود أشرقت كالشمس فى أبراج رفعتها … فكان عودك عيدا أيّما عيد (¬٣)وفى نزهة الناظر: أن السلطان لاجين لما قتل سفّر الأمير سيف الدين بلغاق من جهة الأمراء بمصر يعلمون الأمير سيف الدين قفجق بالوقائع التى جرت، ويعرفون صحته بالأمارات التى بينهم، ولما وصل إلى دمشق وجده قد قفز هو ومن معه إلى نحو الفرات، ولم يخبر أحدا بما حضر حتى وصل إلى حلب فوجد الأمر قد فات، وكان يوم وصوله إلى دمشق يوم سفر قفجق والأمراء من حمص، فلما وصل إلى حلب وقف نائب حلب على الكتب المكتتبة عن الأمراء، وحكى له بلغاق ما اتفق جميعه، ثم طلب بريديا من أكابر البريدية بحلب يعرف ببليان القصاص ووعد له بإمرة إذا أدرك الأمراء وأوقفهم على الكتب التى حضرت من مصر، وأمره أن يلحق بهم ولو دخلوا فى البلاد، فركب المذكور من حلب على طريق الفرات، وساق تلك الليلة إلى بكرة النهار، والتقى بأيدغدى شقير وكجكن وبالوج ومعهم الأمراء الخاصكية وبعض الأمراء المجردين من مصر والشام ممن كان يلوذ يدولتهم، فلما رأوه أراد أن يعرّج عن طريقهم أرسلوا إليه من أحضره، فلما رآه أيدغدى شقير قال له: إلى أين قصدت؟ قال: إلى الأمراء الذين قفزوا لعلى الحق بهم. فقال: من سيرك إليهم؟ قال له: نائب حلب. فقال: لأى سبب؟ فأنكره وقال: ما أعرف غير أنه سيرنى إليهم قال: وأين كتابه إليهم؟ فقال: ما معى كتاب ولكن مشافهة، فأنكر أمره وقال للأمراء الذين معه: والله ما قضية هذا بخير، ثم أشار إلى بعض مماليكه أن يؤجل البريدى ويأخذ جرابه، فلما أخذه فتحه فوجد فيه كتب الأمراء وهم يعرفون قفجق بجميع ما اتفق من قتل لاجين ومنكوتمر وما مجدد من الوقائع، وكتب نائب حلب إليهم بأن الشغل قد انقضى وسألهم الرجوع، وترقق لهم فىالقول، فلما وقفوا على ذلك اتفق رأيهم على أن يطلقوا البريدى من غير الكتب فقال لهم البريدى: إذا قلت لهم هذا الكلام ما يصدقوننى وأردّ خائبا، فاستصوبوا كلامه وأعطوه الكتب، فذهب إلى طريقه. ثم إن أيدغدى شقير شرع فى خلاص نفسه وكيف يكون حاله مع نائب حلب ومع الأمراء، وكان قد أساء على نائب حلب والأمراء المجردين، وعاملهم بالغلظة والكلام الفاحش والحماقة والكبرياء؛ فإن اتفاق منكوتمر كان معه أنه إذا قضى شغل الأمراء ومسك منهم الذين بينوا له مسكهم فيستقر نائبا بحلب، وكذلك كان الاتفاق أيضا مع جاغان فى أمره مع نائب الشام قفجق، فإنه إذا مسك بكتمر السلحدار ومن عينوه بالمسك من الأمراء يكون هو نائب الشام. ولما تحقق أيدغدى وجاغان وقوع الأمر بلاجين ومنكوتمر خشداشيته، ووقفا على كتب الأمراء وكتاب نائب حلب علما أن الأمر قد فات وتحيرا فيما يعملان، ثم قوى أيدغدى شقير عزمه على أن يرجع بمن معه إلى قلعة [١٨٠] تل حمدون ويتحصنون بها، فلم يوافقه على ذلك كجكن وقالوا: نحن بين أمرين: إما أن يفتحوا لنا القلعة أو يأبوا ذلك فنكون قد فرطنا فى أمرنا، والرأى عندى أن نرجع إلى حلب وندخل على نائبها فهو على كل حال ما يرمى جانبنا ويشفع لنا، والذى قضى الله لا بد منه، فانتظم أمرهم على ذلك ورجعوا قاصدين حلب، ولما دخلوا على الأمير سيف الدين النائب أقبل عليهم بإقبال حسن، وأظهر التوجع لهم، وأمر لكل أحد بأن ينزل فى منزلته (¬١).وفيها: اتفق بمصر مطر عظيم، وجاء عقبيه سيل لم يعهد بمصر مثله، ونزل من صوب المقطم إلى القرافة وأفسد تربا كثيرة ومقابر ودورا وأملاكا، وعم سائر القرافة، وكذلك نزل من الجبل إلى أن وصل الى باب النصر وأفسد تربا ودورا كانت معمورة مجاورة للترب. وفيها: قتل أقطاجى (¬١) بن طشتمر ابن بنت نوغيه بمدينة كفا، وذلك أن نوغيه جده لما كسر الملك طقطا (¬٢) استولى على البلاد، فأرسل ابن بنته [الأمير أقطاجى هذا] (¬٣) الى بلاد قرم ليجبى المال المقرر على أهلها لأنه وهبا له، فسار اليها ومعه أمير يسمى الطبرس بن قينو وعسكره مقدار أربعة آلاف فارس، فدخل الى كفا وهى مدينة الفرنج الجنوية بين اسطنبول وبين القرم، وطالب أهلها بمال فضيفوه وقدموا اليه شيئا من المأكول وخمرا للمشروب، فأكل وشرب الخمر وحكم عليه السكر، فوثبوا عليه وقتلوه، وبلغ خبر مقتله نوغيه جده، فأرسل عسكرا كثيفا إلى قرم صحبة ماجى أحد أمرائه فنهبوها وأحرقوها، وفتكوا من القرم جماعة وسبوا من كان فيها من تجار المسلمين والفرنج، وأخذوا أموالهم، ونهبوا صار، وكرمان، وقرق ايدى، وكرج (¬٤) وغيرها.وفيها: قتل أباجى بن قرمشى وأخوه قراجين، وهؤلاء أولاد قرمشى كانوا ثلاثة إخوة من كبار المقدمين وأصحاب التوامين ببلد الشمال، وكانوا يضاهون نوغيه فى المنزلة والتقدم وعدّة العسكر، وكانوا قد اتفقوا معه على حرب طقطا، وشهدوه معه وعاضدوه فيه، فلما استقام لنوغيه الأمر تحكمت أولاده وهم جكا وتكا وطراى، ولم يحصل لأولاد قرمشى ما كانوا يؤملونه منهم، فوقع بينهم، وقصدوا الانفراد عنهم، وهم أباجى وقراجين وينجى، ومالوا إلى طقطا، فبلغ ذلك نوغيه وأولاده، فجرد أولاده وهم الثلاثة المذكورون ليردوهم ويمنعوهم من الإنحياز إلى طقطا، والتقى الجمعان واقتتلوا يومهم ذلك، وحجز بينهم الليل، فباتوا على تعبئتهم، فلما جن الليل هرب من عسكر أولاد قرمشى أمير يسمى قطغو مقدم ألف فارس، وانحاز إلى أولاد نوغيه، فأصبحوا وقد فقدوه هو وطائفته، فلم يتقدم أحد من الفريقين لحرب الآخر. فلما كان المساء أضرم أولاد قرمشى نارا وأزمعوا الرجوع، فأرسل إليهم أولاد نوغيه ولاطفوهم وخدعوهم وقالوا لهم: ما الحاجة إلى الخلف والحرب ونحن أقرباء وألزام، والأولى ترك الشنان وتقرير الصلح كما كان، واستمالوا ينجى وهو الأصغر، فمال إليهم، وسألوه يلاطف أخويه ويسألهم فى الموادعة والمسالمة، فعاد إلى أباجى أخيه وأبلغه مقالتهم ولا طفه فى الاجتماع [١٨١] بهم، فانقاد إلى كلامه وتوجه بنفسه إليهم. وأما قراجين أخوه فانه كان أثبتهم جأشا، وكان متوليا تدبير العسكر، ولم يتوجه مع أخيه، فراسلوا والدته فى توجهه، فأشارت إليه بالتوجه وتقرير الصلح، فتوجه، فلما حصل الأخوان أباجى وقراجين عند أولاد نوغيه قتلوهما، وشعرينجى بذلك فلم يعاود إليهم، بل نجا بنفسه، ونهب أولاد نوغيه تمانات أباجى وأخيه، وأتوا على أكثرهم قتلا وأسرا ونهبا، فقويت شوكتهم وكثرت عساكرهم وانبسطت أيديهم، واستظهروا حتى على أبيهم (¬١). وفيها: تواترت الأخبار بحركة التتار وقصدهم بلاد الشام، فجرد السلطان، وبرّزوا الدهليز والخيام، وكان خروجه من قلعة الجبل فى الرابع والعشرين من ذى الحجة (¬٢). قال بيبرس فى تاريخه: وأقمت بالقلعة نائبا، (¬٣) وانقضت هذه السنة المباركة. وكان السبب لتحرك قازان وعبوره إلى البلاد ما تقدم ذكره من الغارة التى وقعت على ماردين فى شهر رمضان من عسكر الشام، وكانوا أفسدوا فيها فسادا عظيما. قال صاحب النزهة: أخبرنى من حضرها أنهم كانوا يأخذون الولد من حجر أمه، والولد من كف أبيه، وكم من حرة كشفوا سترها، وكم من بكر أخرجوها من خدرها، وسفكوا دماء كثيرة، وكان صاحب ماردين على بعض أبراج القلعة يشاهد ذلك، ولما انفصل أمر الغارة ركب صاحب ماردين إلى قازان واستصحب معه ما يليق لملك مثله، وكان رجلا معظما عند المغول وسائر ملوكها فلما وصل إليه قربه وأكرمه، وعرفه صاحب ماردين ما اتفق من سلطان مصر وعسكر حلب، وما صنعوه فى بلاده، وبكى بين يديه، فتوجع له قازان وسائرالخواتين وأكابر المغول، وصار قازان يكرر ويقول: هذا فعلوه فى شهر رمضان! وأين الإسلام مع هؤلاء القوم؟ وأخذ يتعجب من فعلهم فإنه كان قريب العهد بالإسلام، فعند ذلك طلب قازان من القضاة والعلماء بتبريز وعرفهم بما صنعوا من الفسق وشرب الخمر فى شهر رمضان، وسألهم أن يفتوه فى أمر قتالهم أو الغارة على بلاد الشام، فأجابوا بأن مثل هذا لا يثبت بكلام فرد شخص وخصوصا فى مثل ذلك، وربما يكون لهم جواب فى ذلك، فشرعوا فى البحث فى هذا الأمر إلى أن اتفق رأيهم أن يسيروا رسلا إلى صاحب مصر ويذكرون له ما وقع من هذا الأمر فى مثل هذا الشهر الشريف، وما ارتكبوه من المعاصى، وطيبوا خاطر صاحب ماردين ووعدوا له بنصرته والقيام فى حقه وردوه إلى بلده مكرما، ثم اتفق بعد ذلك دخول قفجق نائب الشام بمن معه من الأمراء إلى بلادهم، ولما اجتمعوا بقازان حرضوه على العبور إلى بلاد الشام، وكان عنده عزم من ذلك فقوى عزمه على ذلك، وكتب إلى سائر النواب والولاة بتجهيز العساكر إلى أردو، وتواترت الأخبار بذلك فى مصر، واجتمعت الأمراء، وأمروا للعسكر بتجهيزهم؛ وكتبوا الكتب بتجهيز الإقامات فى المنازل، وما انسلخ شهر ذى الحجة من السنة المذكورة إلا والعسكر قد خيمت، ثم رحلوا وأرسلوا الرد إلى نائب الشام بأخذ الأهبة والتجهيز للسلطان، ولما وصلت العساكر إلى غزة أقاموا أياما ينتظرون ما يرد من الأخبار.