بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 1300, entry [387]6,398 chars
ذكر ترجمة السلطان لاجين (¬١): كان أصله من مماليك السلطان الملك المنصور نور الدين (¬٢) على بن السلطان الملك العز أبيك التركمانى. قال صاحب النزهة: حكى لى بعض الخدام المعزية أن قطز لما كان نائب نور الدين على المذكور أشترى لاجين وهو صغير للسلطان، ثم لما تسلطن قطز والتقى بالتتار على عين جالوت وكسرهم وعاد…
▸ expand full passage (6,398 chars)ذكر ترجمة السلطان لاجين (¬١): كان أصله من مماليك السلطان الملك المنصور نور الدين (¬٢) على بن السلطان الملك العز أبيك التركمانى. قال صاحب النزهة: حكى لى بعض الخدام المعزية أن قطز لما كان نائب نور الدين على المذكور أشترى لاجين وهو صغير للسلطان، ثم لما تسلطن قطز والتقى بالتتار على عين جالوت وكسرهم وعاد إلى الديار المصرية، قتل قريبا من الصالحية وتسلطن بعده الظاهر بيبرس، ولما تسلطن بيبرس شيّع أولاد الملك المعز إلى بلاد الاشكرى وبقيت من جماعته بعض المماليك، وكان لاجين هذا منهم، فشرعوا فى بيعهم، فاشتراه قلاون مع مملوكين آخرين، وبقى عند قلاون إلى أن تسلطن، فجاء إليه تاجره وادعى أنه لم يقبض ثمنه عند بيعه، فنودى عليه ثانيا واشتراه قلاون شراء ثانيا صحيحا بثلاثة آلاف درهم، وكانفى مماليك قلاون مملوك اسمه لاجين وكان من أكابر مماليك قلاون، فلما اشترى لاجين هذا قالوا له: لاجين الصغير، وكان بعضهم يسميه لاجين شقير لأنه كان أشقر أزرق العينين معرق الوجه طويلا، وذكر أنه كان جركسى الجنس، وكان شجاعا مهيبا، موصوفا بالشجاعة والإقدام، وفيه دين وعقل، وكان يلعب بالرمح ويرمى بالنشاب فى غاية الاتقان، وظهرت له أمور من الشجاعة والإقدام فى وقائع كثيرة خصوصا فى نوبة أخذ طرابلس، وكان يصطلى الحرب بنفسه، ومما يدل على إقدامه ركوبه على الملك الأشرف وقتله، ثم ركوبه على السلطان الملك العادل كتبغا وقتل مماليكه. وذكر عن القاضى حسام الدين الحنفى (¬١) أنه لما بلغه تجهيز قازان لغزو بلاد الإسلام شاهده مرارا يصلى ويقف على قدميه ويكشف رأسه ويسأل الله أن يطيل عمره حتى يلتقى مع قازان وجيشه. قال: فقلت له ليلة: يا خوند كيف يكون عزمك إذا صح أمر قازان؟ قال: يا قاضى حسام الدين كنت أختار من عسكر مصر ألفى فارس ممن أعرف فيه النجابة والفروسية، وأصدم قازان حيث كان، ولو كان فى عشرين ألف فارس، ويعطى الله النصر من يشاء، ولكن أنا خائف أن يدركنى الأجل قبل لقائه قال: قلت له: يا خوند الأعمال بالنيات. وذكر فى السلطان أنه لما كان نائبا بالشام كان فى عنفوان شبابه، وكان مشغولا بلذة العيش فى اللهو والشغف بالشراب، وكان يعايش كبراء دمشقورؤسائها، ويتخذ لهم المجالس، وينعم ويهب، وكانت له مكارم كثيرة على أهلها، فلذلك أهل الشام كانوا يحبونه ويتعصبون له. ومن كثرة انهماكه على الشراب واللهو والطرب [١٦٩] بلّغ الشجاعى خبره إلى السلطان الملك المنصور وعرفه أنه هتك حرمة السلطان بسبب معاشرته مع عامة دمشق وانهماكه على الشراب، فغضب السلطان عليه، وعرف الأمير حسام الدين النائب ما نقله الشجاعى عنه، فأخذ حسام الدين يرد عنه ويكذب الشجاعى ويقول: إنه صاحب غرض، ثم أمر السلطان بأن يكتب إليه كتاب، فكتب كتاب فيه توبيخ وتهديد ونهاه عن الشراب والمعاشرة مع أطراف الناس، وكذلك كتب إليه الأمير حسام الدين طرنطاى، فلما وقف على الكتابين قلل ما كان يرتكبه، وصار يقضى كثرة أوقاته فى الركوب إلى الصيد ونحوه، ويغيب فى ركوبه شهرا وشهرين، ويصحب معه الملاهى، وقطع على هذا لذة عظيمة من العيش، ولما كثر عليه العتب من السلطان رجّعه طرنطاى وسدّ خلله إلى أن ترك ذلك كله. وكانت أيامه من أحسن ما تكون من العدل والإحسان إلى الرعايا، وكان دينا خيرا، مشفقا، كثير الصوم والعبادة، وقطع أكثر المكوس، وقال: إن عشت لاتركت مكسا واحدا، ولكن نائبه منكوتمر كان على خلاف ما ذكر، وكان يعمل ما يختاره، فوقع فى دولته الفساد وكان ما كان. وكانت مدة مملكته سنتين وثلاث شهور، وقيل: ثلاث سنين وشهرين، وقيل، ثلاث سنين وستا وعشرين يوما، والأول أصح، (¬١) وكان عمره لما قتلنحو خمسين سنة. وقال صاحب النزهة: حكى لى بيجان مملوك الأمير شمس الدين قراسنقر حكاية غريبة اتفقت لأستاذه مع السلطان لاجين، وهى أنهما بعد قتل الأشرف خليل بن قلاون لما هربا ودخلا القاهرة، واختفى كل منهما فى مكان، فاختفى شمس الدين قراسنقر فى حارة بهاء الدين، واختفى لاجين فى مأذنة جامع ابن طولون - على ما ذكرنا فيما مضى (¬١) - رأى قراسنقر مناما عظيما فى حق لاجين، فلما أجتمعا وهما مختفيان قال له قراسنقر: يا أشقر والله لقد رأيت رؤيا عظيمة، ولكن أخاف إذا قصصتها عليك تطمعك نفسك وتغير نيتك وتغدر بى. فقال لاجين: لا يكون ذلك إن شاء الله، فآخر الأمر أحضرا مصحفا شريفا وتحالفا، وأكّدا اليمين أن أحدهما لا يخون الآخر؛ ثم شرع قراسنقر فقص المنام وقال: رأيتك راكبا وبين يديك خيول معقودة الأذناب مضفورة المعارف، (¬٢) مجللة الأرقاب (¬٣) على عادة مراكيب الملوك. قال: ثم نزلت وجلست على منبر وأنت لابس حلة الخلافة، وطلبتنى فأجلستنى بالقرب منك على ثالث الدرجات، وشرعت فى الحديث معى، ثم رفصتنى برجلك، فوقعت من المنبر، فاستيقظت عند وقوعى: وهذا يدل على قربى منك، ثم يجرى علىّ أمر من جهتك، ثم قال: يا أشقر النحس أنا والله حلفت وحلفتك فما أدرى هل تثبت على يمينك أم لا؟وبقى الأمر على هذا إلى أن تسلطن لاجين واستناب قراسنقر، ثم قبض عليه؛ ولكن أخلى له مكانا فى بعض القاعات وأكرمه فى محبسه؛ وأوصى أن تعمل له أطعمة مفتخرة، ولا نقطع من عنده فاكهة، ولا حلاوة، وكل ما يختاره من الأشياء المستطرفة، [١٧٠] والمراسلات بينهما لا تنقطع، وكل وقت كان قراسنقر يسير إليه ويذكر له المنام المذكور ويسأل منه أن يجعل بشارة المنام الإفراج عنه وإرساله إلى أى مكان يشاء السلطان، وفى أثناء ذلك كان يذكّره الأيمان المؤكدة بينهما، وكان السلطان كلما سمع من ذلك تبسم ويبعث إليه السلام ويقول له: ما بقى إلا قليل. وتمادى الأمر على ذلك إلى ليلة الجمعة التى قتل فيها السلطان، فأرسل إليه السلطان السلام ومعه فاكهة، وقال للرسول: قل للامير شمس الدين إنى اشتهيت بسلة بلحم قديد، ولا آكلها إن شاء الله إلا وأنت معى، فلما سمع قراسنقر بذلك استبشر وفرح غاية الفرح، ولما كانت ليلة قتله أرسل إليه بسلة مطبوخة، واعتذر بأنه صائم ولا يمكنه أن يفطر على بسلة، وفى الجمعة الأخرى تكون عندى إن شاء الله، فلما سمع قراسنقر ذلك أرسل إليه إنى منتظر لرؤيته ولو ساعة واحدة أو بكلمة واحدة، فإن فى خاطرى أن أراه قبل الموت، ولما سمع السلطان ذلك تبسم وقال للقاصد: اذهب إليه وسلم عليه، وعرفه أنه لا يجمعنى وإياه إلا يوم القيامة، فلما ورد إلى قراسنقر ذلك قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، وقتل السلطان فى تلك الليلة. وحكى مجد الدين الحرمى وكيل بيت المال (¬١) قال: كان السلطان متزوجاببنت الملك الظاهر [بيبرس] (¬١)، وكانت دينة عفيفة، فحكت أنها رأت فى المنام ليلة الخميس قبل قتل السلطان بليلة كأن السلطان جالس فى المكان الذى قتل فيه، وكان عدة غربان سود على أعلى المكان، وقد نزل منهم غراب فضرب عمامة السلطان فرماها عن رأسه وهو يقول: كرجى كرجى مرتين، فلما أصبحت ذكرت ذلك للسلطان وقالت له: أقم الليلة عندنا، فقال: ماتم إلا ما يقدره الله تعالى. ذكر هذا النويرىّ فى تاريخه (¬٢). وذكر صاحب النزهة: أن زوجة السلطان أرسلت خادمها وراء علاء الدين ابن الأنصارى، وكان له علم فى تفسير المنامات، لأجل تفسير رؤيا رأته. فقال علاء الدين: إنى ضعيف لا أقدر على الطلوع إلى القلعة، ولكن قل لها: تكتب المنام فى الورقة وأنا أرد الجواب عنها، فعاد الخادم إلى الخاتون وأخبرها بذلك، فأرسلت إليه ورقة مكتوب فيها أن الخاتون رأت السلطان جالسا وهى إلى جانبه وإذا بطائر يشبه العقاب انقض عليه واختطف فخذه الأيسر وطار به إلى أن طلع من دور القاعة، وطائر آخر قاعد على خشب دور القاعة فى حلية الغراب وهو يصيح كرجى كرجى كرجى ثلاث مرات، فلما وقف عليها علاء الدين قال: أيها الخادم هذا لا يفسر إلا بعد ثلاث جمع. قال: وقصدت بذلك التسويف إلى أن تنقضى إما ثلاثة أيام أو ثلاث جمع أو ثلاث شهور، وعلمت أنه يظهر سر منامها عن قريب، فوقع قتله ثانى ليلة (¬٣) الرؤيا.