بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 1216, entry [375]9,651 chars
ذكر سلطنة لاجين المنصورى قال بيبرس فى تاريخه: فى المحرم من هذه السنة اتفق الأمراء - وهم بمنزلة العوجاء [بعد مفر كتبغا (¬١)]- على سلطنة لاجين المنصورى، فأقاموه ولقبوه بالمنصور، وشرطوا عليه شروطا فالتزمها، منها: أن يكون كأحدهم لا ينفرد برأى عنهم، ولا يبسط يد أحد من مماليكه فيهم. وكان الأعيان الحاضرون …
▸ expand full passage (9,651 chars)ذكر سلطنة لاجين المنصورى قال بيبرس فى تاريخه: فى المحرم من هذه السنة اتفق الأمراء - وهم بمنزلة العوجاء [بعد مفر كتبغا (¬١)]- على سلطنة لاجين المنصورى، فأقاموه ولقبوه بالمنصور، وشرطوا عليه شروطا فالتزمها، منها: أن يكون كأحدهم لا ينفرد برأى عنهم، ولا يبسط يد أحد من مماليكه فيهم. وكان الأعيان الحاضرون فى هذه المشورة والمتفقون على هذه الصورة: الأمير بدر الدين بيسرى الشمسى، والأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى، والأمير سيف الدين قفجق، (¬٢) والأمير سيف الدين بهادر الحاج أمير حاجب، والأمير سيف الدين كرد، والأمير حسام الدين لاجين الرومى أستاذ الدار، والأمير بدر الدين بكتاش الفخرى أمير سلاح، والأمير عز الدين أيبك الخزندار والأمير جمال الدين أقوش الموصلى، والأمير مبارز الدين أمير شكار؛ والأمير سيف الدين بكتمر السلحدار، والأمير سيف الدين سلار، وسيف الدين طقجى، (¬٣) وسيف الدين كرجى، وعز الدين طقطاى، وسيف الدين برلطاى، وغيرهم. ولما حلف لهم على ما شرطوه، وعاهدهم على ما طلبوه، قال له الأمير قفجاق: نخشى أنك إذا جلست فى المنصب تنسى هذا التقرير، وتقدم الصغيرمن مماليك على الكبير، وتخول منكوتمر مملوكك فى التحكيم والتدبير، فتصل، وكرر الحلف أنه لا يفعل، وعند ذلك حلفوا له، ورحلوا نحو الديار المصرية. فلما وصل إلى القلعة واستقر قراره رتب الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى نائبا، والأمير سيف الدين بهادر الحاج حاجبا، والأمير سيف الدين سلار أستاذ الدار، والأمير سيف الدين بكتمر السلحدار أمير جاندار، (¬١) واستمر الصاحب فخر الدين بن الخليلى بالوزارة برهة ثم عزله بالأمير شمس الدين سنقر المعروف بالأعسر، ورتب فى نيابة السلطنة بدمشق سيف الدين قفجاق، (¬٢) وتوجه إليها، ودخلها فى السادس عشر من ربيع الأول منها. قال ابن كثير (¬٣): ثم دخلت سنة ست وتسعين وستمائة والخليفة الحاكم العباسى وسلطان البلاد العادل زين الدين كتبغا، وهو فى نواحى حمص يتصيد، ومعه نائب الديار المصرية حسام الدين لاجين السلحدار المنصورى وأكابر الأمراء ونائب دمشق الأمير سيف الدين غرلو العادلى، ولما كان يوم الأربعاء ثانى المحرم دخل العادل إلى دمشق ضحى من نواحى حمص، وصلى الجمعة بالمقصورة، وزار قبر هود ﵇، وصلى عنده، وأخذ من الناس قصصهم بيده، وجلس بدار العدل يوم السبت، ووقع على القصص هو ووزيره فخر الدين بن الخليلى، ثم حضر السلطان دار العدل يوم الثلاثاء، ثم صلى الجمعة بالمقصورة يوم الجمعة،ثم صعد فى هذا اليوم إلى مغارة الدم وزارها، وتصدق بجملة من المال، ثم خرج بالعساكر المنصورة من دمشق سحرة يوم الثلاثاء الثانى والعشرين من المحرم [١٣٤] وخرج معه الوزير ابن الخليلى، وفى يوم الأربعاء آخر يوم من المحرم منها تحدث الناس بينهم بوقوع تخبيط بين العساكر وتخلف وتشويش، فغلق باب القلعة، وركبت طائفة من الجيش على باب النصر وقوفا. وقال: فلما كان وقت العصر وصل الملك العادل إلى القلعة فى خمسة أو ستة من مماليكه فجاء إليه الأمراء، وحضر ابن جماعة وحسام الدين الحمامى، وجدد تحليف الأمراء فحلفوا له، فخلع عليهم، وأمر بالاحتياط على نواب الأمير لاجين وحواصله، وأقام العادل بالقلعة هذه الأيام (¬١). وكان الخلف الذى وقع بينهم بوادى فحمة (¬٢) يوم الإثنين الثانى والعشرين من محرم هذه السنة، وذلك أن الأمير حسام الدين لاجين قد واطأ جماعة من الأمراء فى الباطن بعزل العادل، ووثق منهم، فأشار على العادل - حين خرجوا من دمشق - أن يستصحب معه الخزانة، وذلك أنه (¬٣) لا يتقوى بها إن رجع إليها، وتكون قوة له (¬٤) فى الطريق على ما قد عزم عليه من الأمور.فلما كانوا بالمكان المذكور قتل لاجين الأمير سيف الدين بتخاص، وبكتوت الأزرق النابلسى، وأخذ الخزانة بين يديه والعدد، وقصد ديار مصر، فلما سمع العادل بذلك خرج من الدهليز، وساق جريدة إلى دمشق، فدخلها كما ذكرنا، وتراجع بعض مماليكه كزين الدين أغلبك (¬١) وغيره. وأقام السلطان بالقلعة لا يخرج منها، وأطلق كثيرا من المكوس، وكتب بذلك تواقيع، وقرئت على الناس، وغلا السعر جدا. ولما دخل لاجين إلى مصر دخلها فى أبهة عظيمة، وتابعه الأمراء، وملك عليهم، وجلس على سرير الملك يوم الجمعة العاشر من صفر، ودقت البشائر، وزينت البلد، وخطب له على المنابر، والقدس، والخليل، والكرك، ونابلس، وصفد، وذهبت إليه طائفة من أمراء دمشق، وقدمت الجريدة من جهة الرحبة صحبة الأمير سيف الدين كجكن، فلم يدخلوا البلد، بل نزلوا بميدان الحصى، (¬٢) وأظهروا مملكة المنصور لاجين صاحب مصر، وركبت إليه الأمراء طائفة بعد طائفة، وفوجا بعد فوج. فقوى أمر المنصور وضعف أمر العادل. فلما رأى انحلال أمره قال للأمراء: هو خشداشى، وأنا وهو شئ واحد، وأنا سامع له مطيع، وأنا أجلس فى أى مكان من القلعة حتى تكاتبوه، وتنظروا ماذا يقول. وجاءت البريدية بالمكاتبات تأمر بالاحتياط على الطرق، وعلى الملك العادل، وبقى الناس فى هرج وأقوال مختلفة، وأبواب المدينة مغلقة سوى باب النصروباب القلعة أيضا، والعامة حول القلعة حتى سقط منهم طائفة فى الخندق، فمات بعضهم. وقد أعلن باسم الملك المنصور لاجين ودقت البشائر بذلك بعد العصر، ودعا له المؤذنون فى سحر ليلة الأحد بجامع دمشق، وتلوا قوله تعالى ﴿(قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ)﴾ (¬١) الآية. وأصبح الناس يوم الأحد فاجتمع القضاة والأمراء، وعزلوا العادل بدار السعادة، وحلفوا للمنصور لاجين، ونودى بذلك فى البلد، وأن يفتح الناس دكاكينهم، واختفى الصاحب شهاب الدين وأخوه زين الدين المحتسب، فعمل الوالى ابن الشهابى حسبة البلد، ثم ظهر زين الدين فباشرها على عادته، وكذلك أخوه شهاب الدين. وسافر الامير سيف الدين أغرلو (¬٢)، وسيف الدين جاغان (¬٣) إلى الديار المصرية يعلمان بوقوع التحليف على ما رسم به. وجاء كتاب السلطان أنه جلس على السرير يوم الجمعة العاشر من صفر، وشق القاهرة فى سادس عشره [١٣٥] فى أبهة الملك، وعليه الخلعة الخليفتية والأمراء بين يديه مشاة، وقد استناب بديار مصر الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى.وخطب بدمشق للمنصور لاجين أول يوم من ربيع الأول، وحضرت القضاة المقصورة، وشمس الدين الأعسر، وكجكن، وأزدمر، (¬١) وجماعة من أمراء دمشق، وتوجه القاضى إمام الدين القزوينى، وحسام الدين الحنفى، وجمال الدين المالكى إلى مصر مطلوبين، وقدم الأمير حسام الدين أستاذدار (¬٢) السلطان وسيف الدين جاغان من جهة السلطان، فحلّف الأمراء ثانية، ودخلوا على العادل إلى القلعة ومعهم بدر الدين أبى جماعة وكجكن فحلفوه أيمانا مؤكدة بعد ما طال بينهم الكلام بالتركى، وذكر فى حلفه أنه راض بما يعينه له من البلدان أى بلد كان، فوقع التعيين بعد اليمين على قلعة صرخد (¬٣). ودخل سيف الدين قفجاق المنصورى على نيابة الشام إلى دمشق بكرة السبت السادس عشر من ربيع الأول ونزل بدار السعادة، عوضا عن سيف الدين اغرلو العادلى، واستقر كتبغا بصرخد، (¬٤) وكتب له منشور إقطاعا له، ولم يتعرض إليه أحد، فسلمت له نفسه وأهله وأولاده ومماليكه وألزامه (¬٥). وفى نزهة الناظر: لما تكمل الدست للاجين فى السلطنة طلب الأمير شمس الدين سنقر الأعسر وأمره أن يركب البريد ويذهب إلى العادل كتبغا فى دمشق،ويجتمع بالأمراء والمقدمين والجند، ويعرفهم أن لاجين تسلطن، وأنهم يحيطون به ولا يمكنوه من الخروج إلى مكان آخر، فلما وصل اجتمع بالأمراء والأكابر وعرفهم بالذى أمر به لاجين، وكان جميعهم يميلون إلى لاجين ويحبونه من أيام نيابته عليهم، فوافوا كلهم متفقين على ما أمر به لاجين، وكان اتفق فى اليوم الثالث من دخول سنقر الأعسر حضور الأمراء الذين كانوا مجردين إلى إلى سيس وفيهم الأمير سيف الدين كجكن، وهو من أمراء الشام، والأمير حسام الدين الأستاذدار، وهو من أمراء مصر، وكان الخبر وافاهم بحمص، وكان الأمير حسام الدين صاحب رأى وتدبير، وكذلك الأمير كجكن واتفق رأيهما مع رأى سنقر الأشقر إلى أن ركبوا ودخلوا إلى العادل وصحبتهم قاضى القضاة ابن جماعة، فلما تلاقوا بكى كتبغا وبكى هؤلاء أيضا، وشرع كتبغا يخبرهم بما وقع من لاجين فى حقه، وشكى من الأمراء أيضا وأظهر شكوى كثيرة، وظهر منه تخضع وذلة حتى رحموه وبكوا بكاء كثيرا، وأخذوا يتلطفون به فى الحديث، ويترققون له، ويظهرون الحزن والتأسف له. ويناسب هذه الحالة قول الشاعر: وعاجز الرأى مضياع لفرصته … حتى إذا تم أمر عاتب القدرا وأخذ الأمير حسام الدين يقول: إن الأيام دول، والله يعطى ملكه من يشاء، وما بقى الأمر إلا دخولك تحت طاعته، وهو خشداشك، فإنكم من بيت واحد، ومماليك أستاذ واحد، وإذا بلغه دخولك فى طاعته فعل معكجميع ما تختاره، ونحن نضمن لك كل ما تقصده، وتكتب إليه، ويأتى الجواب إن شاء الله بما تختاره، فقال: أنا ما بقيت أريد غير سلامة رأسى وولدى وأهلى، وحيث اختار أن أكون فيه [١٣٦] يعلمنى بذلك، ويبعث عائلتى، وأنتم تعلمون ما عملت مع هذا الرجل من أول الزمان إلى آخره، وأقل ما يكون أن أكون أنا وعائلتى فى الحياة مستورين، فتوجعوا كلهم من كلامه وشكايته، ثم أحضروا سائر القضاة وخلع نفسه من الملك، فحلف وحلفوا كلهم، وكان ذلك اليوم يوم الجمعة، فخطب باسمه (¬١) ودعى له وقرأ رئيس المؤذنين ﴿(قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ)﴾ (¬٢) الآية، فتناكب الناس وضجوا بالدعاء للملك المنصور لما سبق لهم من المحبة له. وفى ذلك اليوم انحط سعر الغلة عشرة دراهم من الغرارة، وكان زاد السعر يوم دخول العادل، وكذا زادت أسعار بقية الأشياء، ثم رجعت إلى ما كانت عليه، ثم أخلوا مكانا لكتبغا فى القلعة ورسموا على أغرلو مملوكه وجميع حاشيته، ثم كتبوا إلى المنصور بجميع ما وقع عليه الاتفاق، وسألوه فى آخر الكلام قبول الشفاعة فى كتبغا، وأنه خشداشه على كل حال، وأنه أذعن لطاعته، وكان أول من حلف له عند وصول الخبر، وأرسلوا نسخة اليمين أيضا. فلما بلغ إليه ذلك فرح، وعرف الأمراء، وقرأ الكتاب عليهم، ثم قال: كتبغا ما له ذنب، ولولا مماليكه ما جرى عليه شئ من ذلك، ولكن الأمور بتقدير الله تعالى، ثم كتب له تقليدا بنيابة صرخد، وكتب إلى الأمراء بدمشقأنه أجاب إلى سؤالهم، وأرسل التقليد مع مملوك له يسمى جاغان، وبعث معه أيضا تقليد الوزارة لتقى الدين توبة، وكان ممن يلوذ بخدمته، وأمر بحضور الأمير علم الدين الدويدارى وصحبته القاضى حسام الدين الحنفى، وأمر لإمام الدين القزوينى بقضاء دمشق، عوضا عن ابن جماعة، واستقر ابن جماعة خطيبا وناظر الأوقاف. وخلع على الأمير سيف الدين قفجاق واستقر نائب دمشق، وعلى الأمير شمس الدين قراسنقر واستقر نائب السلطان بمصر، وأمر لقفجاق أن يروح على البريد، وتقدم قدامه جاغان بالتقاليد، وخلع على الأمير سيف الدين الحاج بهادر أمير حاجب على عادته، وعلى الأمير سيف الدين بكتمر السلحدار واستقر أمير جاندار، وخلع على الأمير سيف الدين سلار واستقر أستاذ الدار، عوضا عن بتخاص. وتباشرت الناس بسلطنته، وانحطت الأسعار، وكثر الجلب، ورجع كل شئ إلى ما كان عليه، وتواترت الغلال من الأقاليم، وكثرت المواشى، والفواكه، والسلطان أيضا شرع فى الإحسان للرعية والجند والأمراء، وأمر بتجهيز النفقات، وأخذ فى تأمير مماليكه، فأمّر منكوتمر، وجاغان، وبهادر المعزى، وبهادر الجوكندار، وسيف الدين بيدو، وأيدغدى شعير، وسيف الدين بالوج، وجمال الدين أقوش الرومى، وغيرهم من الطبلخانات والعشرات، وأفرج عن الملك المجاهد وخلع عليه، وشفع هو عنده فى مملوك أبيه علاء الدين قطلوبوس، فقبل شفاعته، وخلع عليه، ورسم بنزوله دار والده المجاورة لدار الملك المنصور، وطلب بعد ذلك الصاحب فخر الدين ابن الخليلىوأمره أن لا يظلم أحدا، ولا يجور على الناس، ولا يرمى عليهم رماية، ولا يفعل شيئا إلا بما يقتضيه الشرع الشريف، ويسلك الطريق الحميدة، ثم خلع عليه، [١٣٧] وكذلك أمر لناصر الدين الشيخى الشادّ وشرط عليه ما شرط على الوزير.