بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 1184, entry [371]4,533 chars
ذكر اتفاق الأمراء على خلع السلطان: وكان السبب لذلك أمورا منها تقديم السلطان الأويراتية لكونهم من جنسه، ومنها عدم التفات السلطان إلى كلام الأمراء الكبار، ومنها تطاول مماليكه على الناس وخصوصا على الأمراء بالإساءة وقلة الأدب، فشرعت الأمراء عند ذلك فى التدبير على خلعه، وانتهزوا الفرصة فى هذه السفرة، واج…
▸ expand full passage (4,533 chars)ذكر اتفاق الأمراء على خلع السلطان: وكان السبب لذلك أمورا منها تقديم السلطان الأويراتية لكونهم من جنسه، ومنها عدم التفات السلطان إلى كلام الأمراء الكبار، ومنها تطاول مماليكه على الناس وخصوصا على الأمراء بالإساءة وقلة الأدب، فشرعت الأمراء عند ذلك فى التدبير على خلعه، وانتهزوا الفرصة فى هذه السفرة، واجتمع الأمير حسام الدين لاجين بالأمير سيف الدين بهادر الحاجب وغيره، واستوثق بعضهم بالبعض باليمين، وكذلك قراسنقر وبقية الأمراء، فصار كل منهم يخلو بأمير أو بخشداشه إلى أن وصل الأمر إلى البيسرى والأمير قفجاق، فاتفقوا كلهم على خلعه من غير قتله، وقصدوا مجرّد خلعه عن المسلمين وإزالة ما نالهم من الضرر والفناء والغلاء وقلة الوفاء من النيل والمظالم من مماليكه والتفاته إلى جهة الوافدين من الأويراتية، ووقع اتفاقهم على ذلك عند خروجه من دمشق وقبل دخوله إلى مصر. وكان خروجه من دمشق فى العشر الأول من محرم السنة الآتية، وما وصل إلى منزلة العوجاء إلا وقد اجتمعت قلوب سائر الأمراء على خلعه من الملك وتفريق حاشيته، فحين وصلوا إلى العوجاء ونزلوا، ونزل السلطان، ركبوا،فأول ما ركب نائب السلطان والحاج بهادر الحاجب ونشر كل منهما سنجقه، وكان بقى العلامة بينهم، فعند ذلك ركب الأمير قفجاق وقراسنقر وبيسرى وسائر الأمراء، وأول ما اصطلى بنار الحرب الأمير حسام الدين لاجين نائب السلطنة، ولم يكن له همة غير مخيم الأمير بدر الدين بكتوت الأزرق - لما كان يعلم من قوته وشدته - وكان مشهورا بالفروسية فخشى عاقبة أمره فجعله قصده، ثم لما ساق إلى خيمته سمع الأزرق وقوع الصوت وهيجان الخيل، فنهض عند ذلك من خيمته ينظر ما ذاك، فرأى موكب لاجين قد أقبلت، ورأى الخيل قد أدركته، وأنه ليس له مهلة أن يعتد وما قدر إلا على فرسه، فركب وأخذ شطفته التى يعتادها، [١٢٢] فأدركته الخيل، وبقى لا يدرى يقصد من، واحتاطوا به، وضربه مملوك يسمى طيبرس ويلقب بوجه الحسب، وكان من جلة المماليك السلطانية الذين فرقهم كتبغا على الأمراء، وكان المذكور وقع للأمير حسام الدين لاجين، ولما ضربه بالسيف حل عاتقه فوقع على الأرض قتيلا وكانت خيمته مجاورة لخيمة بتخاص، فلما رأى الغلبة فى مخيم الأزرق أراد أن يركب فلم يمهلوه فقتل على باب مخيمه. وأما السلطان فإنه قد كان تخلف وجلس مع بعض خاصكيته، فسمع الطبلخاناة والغلبة أمر من يكشف الخبر، فرجع وقد اختبل مما رآه، فنهض السلطان بنفسه فنظر، وإذا الخيل قد أقبلت، وسناجق الأمراء قد نشرت، وكان عنده بعض الخبر من ذلك فإن الأمير بدر الدين أمير شكار كان ممن أنشأه السلطان وكبره فى دولته وقربه حتى صار أمير شكاره وصاحب مشورته، وكان من مماليك الخزندار نائب الدولة الظاهرية، وكان صاحب معرفة وتدبير، وكان قد تنسم بعض الخبر عند خروجه من دمشق، وعرف السلطان بذلك وحذره، فلم يعبأ به السلطان، ولم يعتقد صحة ذلك، فلما رأى ما رأى تحققالخبر، فقام ولم يلحق غير لبس شاشه وقباء فوقانى، وركب فرسه (¬١)، وركب معه من مماليكه مقدار عشرين نفسا كانوا قريبين منه، وركب من سلحداريته مملوك له يسمى سيف الدين تكلان، وخرجوا من المخيم وقصدوا نحو دمشق، ولحق أيضا الأمير بدر الدين أمير شكار، وقال له: يا خوند: ما قلت لك، ما سمعت منى، فقال: فات الذى فات، وما لحقوا أن يخرجوا من أطراف الحيم حتى أدركهم لاجين فى موكبه، وسبق إلى السلطان حمدان بن صلغاى، وكان ممن أحسن إليه العادل فى دولته، فلم يمكنه أمير شكار. وصاح عليه، وقال: ويلك هذا جزاؤه منك، فرجع عنه، وقصد موكب لاجين الإدراك بالسلطان، فمنعهم من ذلك وقال: ما قصدنا غير خلعه وهو خشداشى وبينى وبينه أيمان، ما أخونه فى نفسه، غير أنكم إن أردتم فألحقوا بمماليكه، وبقى يسوق على مهله، فرجع إليه مملوك العادل تكلان السلحدار، وأراد أن يهجم على لاجين ويشغله عن أستاذه أو يقتله أو يموت، فرآه لاجين وقد عرج نحوه، فتقدم فأدركه وضربه بالسيف، فجرحه فى وجهه، وضرب هو أيضا لاجين، فجرح فرسه، ثم ضربه لاجين فى ثلاث مواضع وجرح فرسه فى أماكن عديدة، فوقع الفرس على الأرض ووقع تكلان، فقصدوا قتله، ومنعهم لاجين، وأمر بأن يحمل فحملوه، وهو مثخن بالجراحات، وقال: مثل هذا المملوك إذا قاتل عن أستاذه ما ينبغى أن يقتل. ووقعت النهبة فى الوطاق، وما جاء المغرب حتى رجعت الأمراء بأطلابها وسكنت الحال، ورجعوا إلى مخيمهم ونزلوا، وأخذت حاشية كتبغا فىالهزيمة، واستمر كتبغا سائقا إلى أن وصل إلى دمشق ومعه عشرون مملوكا، ودخل دار السعادة فى السحر، واجتمع بمملوكه أغرلو نائب الشام، وأخبره ما اتفق له مع لاجين نائبه والحاج بهادر، وكيف غدروا به بعد الوثوق بهم. وبلغ أهل دمشق حضوره [١٢٣] وعلموا أنه ما جاء على هذه الهيئة إلا لأمر حصل. وكان قد وقع فى نفوسهم له من الكره لأجل مصادرته إياهم، واجتمع على باب سعادة خلق كثير. ورأى أغرلو أن السكوت فى هذا الموقف يؤول إلى الفساد، فاقتضى رأيه طلب الأمراء والمقدمين، فحضروا، وطلب القضاة أيضا فحضروا، وعرفهم بما وقع من لاجين فى حق السلطان، وأنه ما اختار أن يعمل فتنة، ولا يسفك دما، وأنه قصدهم لما يعلم فيهم خيرا، ثم قال لهم: هل أنتم على اليمين التى حلفتم، وأنكم رضيتم بسلطنتى، أو أنتم أيضا غدرتم، فقالوا: نحن ما حلفنا لغيرك وما رضينا سلطانا غيرك، فقدموا المصحف وحلفوا له ثانيا بأنهم باقون على أيمانهم لا ينقضون ولا يغدرون. ثم أسرع السلطان فى تفريق الأموال والنفقات فى الجند، وقدر فى نفسه أن يملك دمشق ويستمر سلطانا بها، ويستخدم عساكرها، كما فعل من تقدمه.