بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 1140, entry [367]16,869 chars
سلطنة زين الدين كتبغا المنصورى قال بيبرس فى تاريخه: حسّن الشيطان بآراء من حول المشار إليه من المماليك والصبيان أن يستبد بالسلطنة، ويستقل بالمملكة، فحملوه على ذلك، وألجأوه إلى أن وافقهم على رأيهم، وجلس فى السلطنة وتسمى بالعادل (¬١). وفى نزهة الناظر: كان كتبغا يدخل إلى الخدمة وهو يحترس، وكذلك لاجين وق…
▸ expand full passage (16,869 chars)سلطنة زين الدين كتبغا المنصورى قال بيبرس فى تاريخه: حسّن الشيطان بآراء من حول المشار إليه من المماليك والصبيان أن يستبد بالسلطنة، ويستقل بالمملكة، فحملوه على ذلك، وألجأوه إلى أن وافقهم على رأيهم، وجلس فى السلطنة وتسمى بالعادل (¬١). وفى نزهة الناظر: كان كتبغا يدخل إلى الخدمة وهو يحترس، وكذلك لاجين وقراسنقر، فاتفق فى بعض الأيام أن دخل كتبغا ولاجين قدامه وقراسنقر معه، وكتبغا قد كلم لاجين بكلام فضحك منه وبعض المماليك، فنظره مع جماعة من طاق مطلة [١٠٤] على الدهليز الذى منه دخلوا « … » (¬٢): أى والله يا أشقر يحق لك أن تضحك، قتلت أستاذنا بسيفك، ثم تضحك « ......... » (¬٣) فسمعه لاجين وكتبغا ومن كان قريبا منهما. فنظر كتبغا إلى لاجين وقراسنقر، وكتموا ما سمعوا منه، وبقى فى نفوسهم إلى أن خرجوا من القلعة. ولما « ......... » (¬٤) قراسنقر ولاجين عند كتبغا، وقالوا: يا أمير تحقق أننا وأنت مقتولون مع هؤلاء المماليك لا محالة، وخصوصا قد أركنإليهم السلطان، والخاصكية، وما هم عسى يعملون، وقد فعلنا مع خشدشيتهم كل سوء، وأنت قتلت كبيرهم، وحبست أمراءهم، وعملت معهم كل قبيح حتى سمعت اليوم ما قالوه لنا، ويكفى « ......... » (¬١) هذا القول أن يتبعه فعل فى حقنا، خصوصا بعد دخولنا الخدمة أو خروجنا، وهذا أمر يطول شرحه، أما آن نقوم لبيعتك وتنصب فى الملك وتؤمر جماعة من مماليكك وحاشيتك. فطلبوا الأزرق وبتخاص وتكلموا فى ذلك، فما منهم إلا وقد حسن له هذا ووافقهم عليه. وانفصل مجلسهم على أن يبذل الذهب والفضة للأمراء والأكابر، ويستميلهم إليه، فشرع فى ذلك، وأرسل لكل مقدم ألف دينار، ولبعضهم ألفى دينار، ولما أرسل إلى « ......... » (¬٢) وهى ألفى دينار، قال لمملوكه هذه من أجل إيش، فقال: يا خوند هدية من مملوكك وولدك فتمتم وقال: لا يكون يريد السلطنة، قال له: يا خوند نعوذ بالله. فأقام أياما وهو يستجلب خواطر الأمراء الأكابر، ثم الأمراء الخاصكية والأمراء الجوانية، وهو مع ذلك وحاشيته يحترسون على نفوسهم. ثم اجتمع بأكابر الأمراء وشرع معهم فى « ..... » (¬٣) بأمر المماليك، وما سمعه منهم وما يبلغه عنهم، وشكا شكايات كثيرة، ووقع الاتفاق بينهم على أنهؤلاء جماعة كثيرة فلا يمكن إخراجهم من مصر إلى غيرها، ولكن نفرقهم (¬١) على الأمراء بمصر، كل واحد منهم، طائفة منهم، ثم اتفقوا على الاجتماع بالطواشى المقدم والحسام الأستاذرار، ويتفقون معهما على الدخول إلى السلطان، فدخلوا وشرعوا يعرفون السلطان أن هؤلاء يقصدون الفتنة بين المسلمين، وإراقة الدماء، فيسمع العدو بذلك فيطمع فى الملك. فقال السلطان: مهما أشرتم به هو المصلحة فافعلوا ما تختارون. فخرجت الأمراء والخاصكية صحبة كتبغا، فجلسوا على باب القلة، وطلبوا الطواشى المقدم، وصاروا يدعون طبقة بعد طبقة، فأى من حضر كتب اسمه واسم الأمير الذى يرسم له بهم، فيقوم [كل (¬٢)] واحد ويقبل الأرض ويأخذ ما يخصه منهم، وينزل وهم قدامه إلى منزله. وكتبوا باسم البيسرى مائه مملوك، وكذلك لكل أمير من الأمراء الكبار مائه مملوك، وسبعين مملوك وستين، وخمسين، ولكل أمير عشرة عشرة، وما دون ذلك، وبقيت منهم جماعة فأنزلوهم إلى المدينة، ثم سيّروا منهم جماعة إلى قلعة الكرك، وأقاموا ثلاثة أيام يفعلون ذلك إلى أن استوفوا الكل، واطمأن قلب كتبغا والأمراء، وأمنوا من جهتهم. وبعد أيام حضر مملوك نائب حلب وصحبته بعض القصاد وأخبر أن السلطان بيدو - ملك المغول - لما قتل كيخاتو، ملك البلاد كلها، وأطمعته نفسه فى الدخول بعساكره إلى الشام ليملكها، بسبب ما بلغه [١٠٥] من أخبار مصرومن اختلاف أمرائها وعساكرها، وأنه ليس فيهم كبير يرجع إليه، وأن سلطانهم صغير السن، وأنه قد سير وراء سائر أمراء المغول وجنده، وهو على تجهيز أمره للركوب. فكان هذا الأمر لكتبغا ولأصحابه أحب ما يكون، فطلبوا سائر الأمراء وجلس السلطان وأمراء المشورة وسمعوا ما قاله القصاد وكتاب نائب حلب. وبعد قيامهم أخذ كتبغا مع لاجين وقراسنقر فى أمره، واتفقوا على أن يسعوا فى أمر السلطنة لأجل صغر السلطان، وأن العدو ثقيل، والعسكر تحتاج إلى تدبير ونفقات، فصار لاجين وقراسنقر فى هذا الكلام مع سائر الأمراء وأعيان العسكر وأرباب الدولة. قال صاحب النزهة: ذكر لى علاء الدين مغلطاى مملوك البيسرى أن أستاذه لما بلغ إليه هذا الأمر وسمعه من الأمراء، قال لى با مغلطاى: عمل والله كتبغا على السلطنة ولعب بعقله لاجين وقراسنقر، قال: فقلت له يا خوند: أنتم توافقونه على ذلك. قال لى: نحتاج أن نوافقه لأن شوكته قويت، واستمال الحاج بهادر والأمراء، ولا بد له من هذا الأمر، وإلا فلا تسكن الفتن، على أنه ما يقيم فى السلطنة إلا قليلا. وما زال الأمر بينهم إلى أن وافقته سائر الأمراء، وكل ذلك بتعظيم كتبغا والأمراء الذين معه أمر العدوّ وحضوره، وأثبتوا ذلك أيضا فى ذهن السلطان، وأجمع رأى الأمراء على أن يطلبوا زمّام الآدر الشريفة ويعرفوه أنهم اختاروا أن يجتمعوا بأم السلطان ويعرفوها بالقضية، وكان هذا من رأى أمير سلاح حتى تعرف هى السبب الموجب لخلع ولدها من السلطنة تطيببا لقلبها؛ فطلبوا عندذلك الزّمام وعرفوه بأن يعلم أم السلطان بالأمر الذى عقدوه، فدخل الزمام واستأذن أم السلطان، فأذنت لهم فحضروا إلى باب الستارة، وبعثوا السلام إليها، وعرفوها أن العدو قاصد بلاد الشام ومعه عسكر عظيم، وذلك لما سمع بوقوع الفتن فى مصر من قتل السلطان والأمراء واختلافهم، وأن سلطانهم صغير، وقد أطمعه ذلك، وأن المسلمين فى ألم عظيم بهذا السبب، وقد جفلت أهل البلاد، ونحن قد عزمنا على الخروج وإخراج العساكر والملتقى بهذا العدو، ونحن إذا خرجنا بالسلطان نخاف عليه من جهة السفر، وعند الملتقى أيضا، لأنه صغير السن، وأيضا ليس له حرمة فى عين العدو، وهذا الأمر يحتاج إلى رجل كبير يدبر أمر المملكة، ويقيم ترتيب الملوك المتقدمة، ويكون له حرمة وسمعة فى البلاد. وتكلموا من هذا القبيل كلاما كثيرا وهى تسمع جميع ما يقولون، فعلمت بمقاصدهم، ثم كان جوابها: إذا خلعتم ابنى فمن تولوه؟ قالوا: نولى مملوكه الأمير زين كتبغا، هو مملوك السلطان، وهو أحق أن يحفظ ابن أستاذه وبيت أستاذه وهو نائب عنه إلى أن يلتقى هذا العدو، فإن فتح الله تعالى وكسر العدوّ وحضرنا إلى مصر رجع الملك إلى السلطان، ويكون هو على نيابته، وإن كان غير ذلك فالأمر لله تعالى، فوافقتهم على قصدهم، وقالت: هو ولدكم فالذى ترونه مصلحة لكم وللمسلمين افعلوه، وإن عملتم معنا خيرا [١٠٦] خلونى وولدى نروح عنكم وافتصلوا أنتم ودبروا ملككم كيف ما أردتم، فأخذوا فى تطييب خاطرها، وحسنوا القول معها. (١) هكذا بالأصل: والمقصود: استقلوا بالأمر.وخرجوا من عندها وشرعوا فى تجهيز أمرهم، وأصبحوا نهار الأربعاء العاشر من محرم هذه السنة، فخلعوا السلطان الناصر محمد بن قلاون، وكانت مدة سلطنته فى هذه المدة سنة إلا أياما قليلة. ثم عقدوا بالسلطنة للأمير زين الذين كتبغا فى هذا اليوم، وركب من دار النيابة على فرس النوبة (¬١)، ومشيت سائر الأمراء وأرباب الوظائف فى خدمته إلى أن دخل باب القلعة وجلس على تخت الملك، ثم شاور الأمراء فيمن يكون نائب السلطنة فوقع الاتفاق على الأمير لاجين المنصورى، واستمر بالحاج بهادر أمير حاجب على عادته، والأمير عز الدين الأفرم أمير جندار. وفى يوم الخميس ثانى يوم السلطنة طلب سائر الأمراء وخلع عليهم. وفى يوم الجمعة خطب له على سائر المنابر، ولقب نفسه بالملك العادل، وكتب إلى سائر النواب بالاستمرار، وسفر سطلمش بن (¬٢) صلغاى إلى نائب الشام الأمير عز الدين الحموى؛ وسفر الأمير طقجى إلى حماة وحلب، وسفر أمير عمر إلى طرابلس وبها الأمير عز الدين أيبك المنصورى. وبعث إلى والدة السلطان بالشام فطيب خاطرها، وأهدى إليها شيئا كثيرا ورتب لها ولولدها جميع ما يحتاجون إليه من الكلف.ثم شرع فيما يصلح أمر دولته، ومسك جماعة من الأمراء، وأمّر جماعة من مماليكه « … (¬١)» وممن يلوذ به، وعين طبلخاناه لسطلمش بن صلغاى، وكان هو ممن اعتنى بدولته، وأمر أيضا ناصر الدين بن طرنطاى، وابن الحاج طيبرس، وابن أمير سلاح، وابن كتبغا الذى يسمى (¬٢) أنص، وجماعة من مماليكه مثل بتخاص ورتبه أستاذ الدار، وبكتوت الأزرق، وغرلو (¬٣)، وتكلان (¬٤)، وغيرهم نحو عشرين مملوكا، وأفرج عن الأمير قفجق، وعبد الله السلحدار، ونورى، وقبلاى، وأمير عمر، وجماعة من الذين كانوا قبضوا، وعزل الصاحب تاج الدين بن حنا عن الوزارة، وولى القاضى فخر الدين بن الخليلى، وعزل علم الدين الصوابى الجاشنكير من ولاية القاهرة، وولى عوضه شمس الدين الملقب بضلموه الحلبى، وكان واليا بمصر، وتولى مصر شمس الدين بن التكريتى. ثم رسم بتجريد الأمير شمس الدين سنقر البكتوتى، يعرف بالمساح، ومعه أربعة آلاف فارس، وصحبته الأمير حسام الدين الأستاذدار، والأمير شمس الدين نوكيه، والأمير سيف الدين بلبان الحبشى إلى نحو سيس، ليكون سمعة للعدو خروج عسكر مصر. وكتب إلى نائب الشام أن يبعث الأمير سيف الدين كرجى ليمسك الأمير عز الدين أيبك خزندار، نائب طرابلس، وذلك لتوقفه عن اليمين للسلطانكتبغا حين جاءه خبر عزل الناصر وتولية كتبغا ولم يوافق على ذلك حتى حكمت عليه الأمراء، وقالوا: إن كتبغا خشداشك وما هو غريب حتى وافقهم على ذلك الأمر حينئذ، وكان قد بلغ ذلك إلى كتبغا من المقلد له بالنيابة، فبقى فى نفسه من ذلك ما حتى مسكه، فلما مسك قيد وحمل إلى مصر، وحبس بها، وتولى عوضه الأمير عز الدين الموصلى. وقال ابن كثير: وكان عمر العادل يوم توليته نحو خمسين سنة، فإنه من سبى وقعة حمص الأولى التى كانت فى أيام الملك الظاهر بعد وقعة عين جالوت (¬١)، وكان من الغويراتية، وهم طائفة [١٠٧] من التتر (¬٢). وفى يوم الأربعاء مستهل ربيع الأول: ركب الملك العادل كتبغا فى أبهة الملك، وشق القاهرة، ودعى له الناس (¬٣). ومن غريب الاتفاق أن العادل كان قد قبض على عز الدين الموصلى واعتقله ببرج الساقية، واقام ثلاثة وتسعين يوما وأخرجه إلى طرابلس، وقبض على عز الدين أيبك الخازندار من طرابلس واعتقله ببرج الساقية، فأقام ثلاثة وتسعين يوما نظير المدة التى كانت لأيبك الموصلى، وهذا أيبك وذاك أيبك والولاية واحدة ومدة السجن واحدة.وفيها: عزل العادل الحموى عن نيابة دمشق، واستناب مملوكه سيف الدين غرلو. وفيها: قصر النيل بالديار المصرية تقصيرا قلق له الناس، وحصل منه اليأس، فكان النوروز ولم يحصل وفاء ولا تغليق، فاقتضى الحال كسر الخليج بغير تخلبق؟؟؟، وبدل العالم بالاتراح عوضا عن الأفراح والانزعاج بدلا من الابتهاج، فابتدأ الغلاء، فى الغلال، والفناء فى النساء والرجال، وأجدب الوجه الغربى من برقة وأعمالها وما يتاخمها فلم يصبها شئ من الوبل ولا من الطل، ولم يزرع بها ما جل ولا ما قل، فهلك أهلها جوعا وعدما وعطشا من ماء السماء، ثم أعقب حدوث الوباء عقبى السنة الشهباء فساقهم القحط والضر إلى انتجاع ديار مصر، فورد منهم إلى الإسكندرية والبحيرة أمم تتجاوز الإحصاء، وانبثوا فى البلاد، وامتدوا فى الربى والوهاد، وجلبوا الوخم إلى العباد ففشت الأمراض العامة، ومنى الخلق بالطامة، ويلغ سعر القمح بالقاهرة ومصر مائة وخمسين درهما نقرة الأردب، والشعير مائة درهم، والفول والحبوب نحو ذلك، واشتد الأمر، وأكل الناس الميتة جهارا، ولحوم الكلاب والقطط والحمير [نهارا (¬١)]. وقيل: إن بعضهم أكل لحم بعض، وأن إمرأة أكلت ولدها. [وعم الفناء والموتان، وكثر بسائر البلدان حتى أن بعض البلاد التى كانت مشحنة بالرجال والنسوان خلت من ساكنيها، ولم يبق إلا النزر اليسير فيها (¬٢)].وأما القاهرة ومصر فإنه كان يموت فيهما كل يوم ألوف، ويبقى الميت مطروحا فى الأزقة والشوارع ملقى على الممرات والقوارع اليوم واليومين لا يوجد من يدفنه، لاشتغال الأحياء بأمواتهم، والسقماء بأمراضهم، هذا وأكثر من يموت يلقون فى حفائر الكيمان بغير غسل ولا أكفان، فتأكلهم الكلاب، ثم أكل الناس الكلاب، ففنيت، وفنى أكثر الدواب، ورسم السلطان بتوزيع الصعاليك والفقراء على الجند والأمراء، فوزعوا بالقاهرة ومصر ليقوموا بهم من أموالهم. هذا كله ذكره بيبرس فى تاريخه فقال: «وكنت إذا ذاك فى الإسكندرية. والصعاليك (¬١)» الذين فيها والواردين إليها وزعوا على الأملياء، والفقراء على الأغنياء، وكنت متوليا أمر توزيعهم على التجار وأرباب المعايش والأيسار، ووظفت على نفسى منهم جماعة، وأجريت عليهم جاريا قام بأودهم إلى أن انقضت المجاعة، وتواصلت الغلال إلى الإسكندرية وتواترت من جزيرة صقلية والقسطنطينية وبلد الفرنجية، حتى أن الواصل إليها شف على ثلاثمائة ألف أردب قمحا، فتماسك أهل الثغر، ووجدوا رفقا بهذا الأمر، وانتهى سعر القمح إلى ثلاثمائة وعشرين درهما ورقا الأردب (¬٢). وقال ابن كثير فى تاريخه: مات فى ذى الحجة بديار مصر نحو من عشرين ألفا (¬٣).وفى نزهة الناظر. وفيها وصل من بلاد برقة جماعة كثيرة، وقد أثر [١٠٨] الجوع فيهم، وشكوا من القحط فى البلاد، وأنه لم ينزل لهم غيث فى تلك السنة، ولا أعشبت أراضيهم، ونشقت الأعين، ولم يجدوا ببلادهم القوت، وهم نحو ثلاثين ألف نفر، وأفنى الجوع والعطش جميع ما كانوا يملكونه من الأغنام والإبل والمواشى، وكذلك الأطفال والنساء، وما سلم من الرجال إلا من كان فى أجله تأخير. ووصل عقيب ذلك كتاب من نائب الشام يخبر أن أيام الوسم الذين يزرعون فيه الأراضى فاتت، ووجدت أهل الشام لذلك مشقة عظيمة إلى أن خرجت المشايخ والصلحاء والفقراء واستغاثوا فلم يسقوا، وأقام الحال على ذلك ثلاثة أيام، ثم نودى فى دمشق أن لا يبقى أحد إلا ويخرج للاستغاثة إلى الله تعالى، فخرج نائب الشام وجميع العسكر، وأن الله تعالى قبل دعاءهم، وأنزل عليهم الغيث. وجاءت الأخبار أيضا من جهة القدس والخليل ﵇ أن الوسم الذى يعتادونه فى أيام زروعهم قد فات أوانه، وانقطع الغيث عن بلادهم، وعن جميع بلاد الساحل، وأن الأعين والآبار قد جفت ولم يبق فيها ماء إلا قليل جدا حتى عين سلوان. وكذلك جف النيل بمصر وتناقص عن زيادته، فتحسن سعر الغلة إلى أن وصل القمح بعد الأربعين إلى سبعين، ثم لطف الله بالوفاء وكسروا الخليج، وبعد الوفاء بلغ النيل إلى سبعة عشرأ صبعا، ثم نزل سريعا، وكسر بحر ابن منجى قبل أجله بثلاثة أيام خشية من النقص، فصار السعر يتزايد كل يوم إلى أن بلغ القمح إلى مائة درهم الأردب، والشعير إلى ستين، والفول إلىخمسين، وبلغ الرطل من اللحم إلى ثلاثة دراهم، وكان راتب البيوت فى ذلك الوقت والجرايات لأرباب الرواتب كل يوم سبعمائة وخمسين أردبا من القمح والشعير، وراتب الحوائج خاناه عشرون ألف رطل من اللحم. وفيها: ورد البريد من الشام يذكر أنه قد وصل إلى الفرات بالرحبة من عسكر التتار تقدير عشرة آلاف بيت (¬١) بحريمهم وأولادهم ومواشيهم، وأنهم من عسكر بيدو، ولما انكسر بيدو خافوا من قازان وقصدوا بلاد الإسلام راغبين فى الإسلام، وأن المقدم عليهم أمير يسمى طرغاى، وهو زوج بنت هلاون، ومعه أميران يسمى أحدهما ككتاى والآخر أركاون، فأرسل الملك العادل إلى علم الدين الدوادارى بأن يتوجه إلى لقائهم لأنهم من جنسه، فتوجه الدوادارى من دمشق عاشر ربيع الأول، ثم توجه بعده سنقر الأعسر. ولما كان يوم الإثنين الثالث عشر (¬٢) من ربيع الأول: عاد سنقر الأعسر إلى دمشق وصحبته من مقدميهم وأعيانهم مائة فارس وثلاثة عشر فارسا، وخرج لملتقاهم نائب السلطنة، واحتفل الناس لدخولهم، وأنزلوهم بالقصر الأبلق، وأقاموا بدمشق إلى السابع من ربيع الآخر، ثم حضر الأمير حاج سيف الدين بهادر يستدعيهم إلى الأبواب الشريفة، فتوجهوا صحبة شمس الدين سنقر الأعسر، ثم ورد مرسوم للدوادارى أن ينزل ببقيتهم فى الساحل فى أرض عثليث، فعبر بهمعلى دمشق من على المرج، ولم يمكن أحدا منهم من الدخول إلى دمشق (¬١). وأما قضية بيدو، فإنه ملك بعد مقتل كيخاتو بن أبغا بن هلاون بن طلو بن جنكزخان، وكان كيخاتو ملك التتار بالعراقين، فأساء [١٠٩] السيرة، وتعرّض إلى أولاد التتار ونسوانهم، وأفحش فى الفساد فيهم، فنقموا عليه وشكوا إلى بيدو ابن عمه، وهو بيدو بن طرغاى بن هلاون، ما يلقون منه، فاتفقوا على إعدامه وتعجيل جمامه، فوثب عليه بيدو وطرغاى وبستاى وخجك، فعلم بما هموا به، ففرّ من الأردو هاربا، للنجاة طالبا، وتوجه إلى نحو كرجستان لائذا، فأدركه الهلاك وقتل بمقام بيلا سوار من أعمال موغان فى ربيع الآخر من هذه السنة، فكانت مملكته ثلاث سنين وشهورا (¬٢). وفى جمادى الأولى منها: استقر بيدو فى المملكة بعد هلاك كيخاتو، وكان قازان بن أرغون بن أبغا بن هلاون بخراسان وصحبته نوروز أتابكه، فحسن له قصد بيدو ومحاربته، وانتزاع الملك منه، فجمعا وحشدا وحضرا من خراسان لحرب بيدو، وسار بيدو فى عساكره إليهما، فلما تراءى الجمعان تبين لقازان أن جمعه لا يفى بلقائه، فراسله بالإذعان وعامله بالملاطفة وحلاوة اللسان، فاتفقا على الصلح، فاصطلحا، وعاد قازان راجعا إلى خراسان، وأقام نوروز عند بيدو، فإنه منعه من الرجوع صحبة قازان لكيلا يتفقا عليه وينفذا إليه، فاغتنم نوروز الفرصة مدة إقامته عند بيدو واستمال جماعة من الأمراء لقازان، واستوثق منهم أنه متى دنا انحازوا إليه وتركوا بيدو وخامروا عليه، فبلغ الخبر بذلك لقازان،فتجهز للمسير من خراسان، وبلغ بيدو خبره فأوجس خيفة منه، وذكر ذلك لنوروز. فقال له: أنا أكفيك أمره وأدفع عنك شره، ومتى وجهتنى إليه ثنيت عليك عزيمته، وفرقت جماعته، وأرسلته إليك مربوطا، فاستحلفه أنه لا يخون فى عهده إذا فصل من عنده، ثم سرحه فسار إلى خراسان، وأخبر قازان كل ما كان، وخرجا معا لقصد بيدو، وسارا طالبين الأردو، وأرسل نوروز إليه قدرا مربوطا فى عدل، وقال: قد وفيت بما قلت لك، وأرسلت قزان (¬١) إليك مربوطا بالوثاق، ولم أغير ما وقع به الميثاق، فغضب بيدو لرسالته، وتبين له مكره به من مقالته، وسار للقائه، فالتقى الجمعان بنواحى همدان، فخامر أمراء بيدو عليه وانحازوا إلى قازان، فاستظهر بهم وقوى بسببهم، ولم يكن لبيدو بهم إلا الفرار وسلوك الأوعار، فلحقوه بنواحى همدان فقتلوه، وكانت مملكته ثمانية شهور، ومقتله فى ذى الحجة من هذه السنة. وفى ذى الحجة: ملك قازان (¬٢) بن أرغون بن هلاون، واستقر فى السلطنة، وترك أخاه خربندا مقيما بخراسان، واستقر نوروز (¬٣) أتابك العساكر ومدبر المملكة إلى أن كان منه ما سنذكره (¬٤) إن شاء الله تعالى. وقال ابن كثير: ولما تملك قازان على التتار فى هذه السنة أسلم وأظهر الإسلام [على يد الأمير نوزون ﵀، ودخلت التتار أو أكثرهم فى الإسلام (¬٥)]،ونثر الذهب والفضة واللؤلؤ على رءوس الناس يوم إسلامه وتسمى بمحمود، وشهد الجمعة والخطبة، وخرّب كنائس كثيرة، وضرب عليهم الجزية، وردّ مظالم كثيرة ببغداد وغيرها من البلاد وظهرت السّبح والهيا كل مع التتار (¬١). وفى بعض التواريخ: أن إسلام قازان كان على يد الشيخ صدر الدين ابن حمويه الجوينى (¬٢). وفيه أيضا: أن بيدو لما انكسر لحق بالكرج وكان قد تنصر. [١١٠] وفيها: أنعم على الملك الأوحد (¬٣) بن الملك الزاهر بن أسد الدين صاحب حمص بإمرة بدمشق، وهو أول أمير تأمر بطبلخاناة من بنى أيوب فى دولة الترك، وكان نائب الشام كتب فيه إلى السلطان وعرف فى كتابه كبر أهل البيت الذى هو منه وتقدّمه فى السنّ وجودته وديانته. وفيها: بلغ النيل إلى ستة عشر ذراعا وسبع عشرة أصبعا. وفيها حج بالناس الملك المجاهد أنص بن الملك العادل كتبغا وأهل بيته، وتصدقوا بصدقات كثيرة فى الحرمين. وفى نزهة الناظر: لما حج أنص هذا أرسل إلى الشريف أبى نمى صاحب مكة شرفها الله عشرين ألف درهم إنعاما عليه، وأنعم على أولاده بعشرة آلافدرهم، وأنه طول الطريق معه روايا وأصعان مملوءة سكرا وسويقا وأقسما ومشروبا كثيرا، وأبيعت العلبة من الحلواء فى الطريق بدرهمين، والرطل السكر بدرهم ونصف، وكان معه من سائر الأصناف، وخلع على جميع من صحبه من الأمراء والمماليك والجند وسائر من صحبه. وقال صاحب التاريخ: حكى لى خازن الداره أن جملة أنعامه على الأمير سيف الدين طقجى مائة وستون ألف درهم، وكان من جملتها بذلة كلها زركش وقباء تترى فيه ألف دينار، وكانت تفرقته على الغلمان والصعاليك ثمانين ألف درهم، وأخبر أنه أصلح بين الخليفة أبى العباس أحمد وبين الشريف أبى نمى صاحب مكة، لأنه وقع بينهما كلام ومشاجرة والركب واقف بجميع الأمراء، وبلغ من أمرهما إلى أن قال أبو نمى للخليفة: من أنت؟ ومن يقال لك؟ ومن أبوك؟ أما تستحى إذا ذكرت نسبك مع نسبى، ثم شرع يقول: أنا فلان بن فلان إلى أن أذهل الواقفين، ولم يقدر الخليفة بعده على الجواب: بل تمثل يقول: نسب كان عليه من شمس الضحى … نور ومن فلق الصباح عمودا ولم يزل الملك المجاهد يرضّى الشريف والأمير طقجى معه إلى أن اصطلحا وطابت خواطرهما.