بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 1003, entry [347]5,399 chars
ذكر خروج السلطان من دمشق وتوجهه إلى الديار المصرية: كان خروجه من دمشق فى عاشر شوال يوم الإثنين (¬١)، ودخل مصر يوم الأربعاء الثانى من ذى القعدة؛ ودخلها فى أبهة عظيمة، وأحضر صحبته قراسنقر المنصورى وجعله مقدما على المماليك السلطانية. قال ابن كثير: ولما استقر السلطان فى القلعة قبض على الأمير سنقر الأشقر…
▸ expand full passage (5,399 chars)ذكر خروج السلطان من دمشق وتوجهه إلى الديار المصرية: كان خروجه من دمشق فى عاشر شوال يوم الإثنين (¬١)، ودخل مصر يوم الأربعاء الثانى من ذى القعدة؛ ودخلها فى أبهة عظيمة، وأحضر صحبته قراسنقر المنصورى وجعله مقدما على المماليك السلطانية. قال ابن كثير: ولما استقر السلطان فى القلعة قبض على الأمير سنقر الأشقر (¬٢) وعجل بإعدامه، وأذاقه كأس حمامه، وقبض على الأمير سيف الدين جرمك الناصرى وأعدمه، هو وطقصو خشداشه، وكانت وفاة هؤلاء الثلاثة فى وقت معا، وقصد إعدام حسام الدين لاجين فسلم الله نفسه لأمر كان فى طى الغيب على ما سنذكره إن شاء الله تعالى، وكان هذا فى أواخر ذى القعدة (¬٣).وكان السلطان استحضر (¬١) سنقر الأشقر وطقصو فعاقبهما فاعترفا بأنهما أرادا قتله، فسألهما عن لاجين فقالا: لم يكن معنا ولا علم له بهذا، فخنقهما وأطلقه بعد ما كان الوتر فى حلقه «وكانت له مدة لا بد منها (¬٢)» وقد ملك بعد ذلك كما سنذكره (¬٣). وذكر فى نزهة الناظر: أن مسك سنقر الأشقر ومن معه كان والسلطان فى دمشق، وأن السبب فى مسكه ما صدر منه والسلطان وعسكره محاصرون قلعة الروم، وهو أن السلطان لما استشار الأمراء هناك فى الرجوع عن قلعة الروم حين بلغه وصول التتار كان آخر كلام سنقر الأشقر هذا للأمير بيدرا: الحرب، هو لعب الصغار (¬٤)، فأثرت هذه الكلمة فى نفس السلطان أثرا كبيرا، وصار إذا جلس مع بيدرا والخاصكية يقول لبيدرا: سمعت قول سنقر الأشقر الحرب هو لعب الصغار، ما كان هذا القول لك، بل كان لى، يقول لك ويسمعنى، ولما دخل دمشق وأرسل بيدرا إلى جبال كسروان كما ذكرنا وجرى ما جرى، ثم عادوا إلى دمشق، شرع السلطان يباكت الأمراء ويقبح عليهم فعلهم، والتفت إلى بيبرس الجالق وقال: ما أسمع يقولون إلا البحرية فعلوا كذا وصنعوا كذا وفشارات كثيرة وما رأينا منهم شيئا. فقال الجالق: بالله يا خوند خلّ عنك ذكر البحرية وقد بقينا كلنا على آخر نفس، وما بقى لنا غير الراحة والقعود فى بيوتنا وينتفع الشبان بأخبازنا، فالتفت إليه السلطان وهو مغضبوقال: إذا أخذت خبزك وأعطيته لغيرك من يمنعنى أو أخاف من أحد، وإنما أنتم ما تتركون فشاركم، كلما يتكلم أحد تقولون: لو كانت البحرية؛ وكان يتكلم بذلك ويشير إلى سنقر الأشقر. فأخذ سنقر الأشقر من كلامه فى قلبه أمرا عظيما، فأجابه على الفور، فقال يا خوند: كم تذكر البحرية، ما رأى السلطان البحرية إلا إذا ركب واحد منهم فرسه ما يقدر على ركوبه إلا بمعونة خمسة أنفس وكذا إذا نزل، وكان أحدهم إذا أخذ فى يده رمحا ما كان أحد يقدر على مقابلته، فاليوم إذا أخذ بيده سوطا ترعد يده [٥٠] وإن رفعه ما يقدر على أن يضرب به فرسه. وكان أمير سلاح حاضرا فى المجلس، فرأى أن وجه السلطان قد تغير لونه من كلام سنقر الأشقر، وأسرع فى قوله: يا خوند والله لا البحرية ولا غيرهم، فكل عسكر مصر والشام اليوم يدعون بحياتك وطول عمرك حتى تعيش لهم طويلا فيعيشون فى ظلك وخيرك، فسكن ما بالسلطان عند ذلك. ولما تفرقوا من عند السلطان وجاء كل أحد منزله قال شهاب الدين صمغار ولد سنقر الأشقر له: يا خوند أنت تعرف أن هذا السلطان شاب حاد النفس مدل بسلطنته، فلأىّ شئ تجاوبه كل وقت، وما كان يضرك لو سكت عن الجواب عما سمعت، فقال بعد أن نظر إليه طويلا: ما قلت له هذا القول إلا لعلمى بما فى نفسه منى ومن غيرى من يوم كنا نازلين على قلعة الروم واستشار الأمراء فى الرجوع لأجل المغولى، وكل وقت يحدث هذا الحديث بين مماليكه ويسبنى، فالموت خير من مثل هذه الحياة النجسة، ثم بكى بكاء شديدا.وكان وقوع المجلس المذكور فى السابع والعشرين من رمضان، ولما دخلت عليه الأمراء ليلة العيد للتهنئة وتقبيل يده، ثم خرجوا، أرسل الشجاعى والحجاب خلفهم، فرجعوا، وأمر عند ذلك بالقبض على سنقر الأشقر وطقصو وطلب لاجين فلم يدركوه، وكان قد سبقهم بالخروج، وقد ذكرنا ما جرى عليه وكيف كان مسكه بعد ذلك، ووقع حياط عظيم يوم العيد، فلم يتهن أحد بالعيد. ومن غريب الأمر أن بعض الخاصكية اعتنى بموفق الدين خطيب حماة وولاه السلطان خطيب دمشق مكان الشيخ عز الدين، واتفق وقوع هذا الحياط، وللموفق صلاة العيد وخطبته، فنظم فيه بعض الدماشقة: خطب الموفق إذ تولى خطبة … شقّ العصى بين الملوك وفرّقا وأظنه إن قال ثانية غدا … دين الأنام وشملهم متمزّقا قلت: موفق الدين هذا هو أبو المعالى محمد (¬١) بن عز الدين محمد بن محمد بن عبد المنعم، وعز الدين هو الإمام العلامة الزاهد العابد القدوة العارف شيخ الطريقة أبو العباس أحمد (¬٢) الفاروثى الواسطى الرفاعى، وكان قد تولى الخطابة بجامع دمشق فى الثانى والعشرين من ربيع الأول من هذه السنة، عوضا عن الشيخ زين الدين بن المرحل بحكم وفاته.وفيها: وصل مملوك نائب حلب إلى القاهرة، وعرف السلطان بأن نائب حلب عند توليته - كما تقدم - جرد عسكرا إلى ناحية ملطية بسبب الغارة، وذلك أن بعض التجار شكا إليه أن جماعة طرحوا عليهم من أهل ملطية، فأخذوا ما معهم، وجعل مقدم المجرّدين الأمير سيف الدين بكتمر الحلبى، فساروا إلى أن وصلوا إلى أرض ملطية وهجموا على ربضها، فوجدوا قد نزل بها تلك الليلة أمير تومان ومعه أربعة آلاف فارس، وكان السبب لحضورهم أن أهل ملطية لما اتفق منهم ما اتفق، علموا أن نائب حلب لا بد أن يجرد إليهم عسكرا، فبعثوا إلى نائب الأردو وعرّفوه بذلك، فسير إليهم هؤلاء، واتفق وصولهم مع وصول عسكر حلب فى تلك الليلة، فلما هجموا رآهم المغول فركبوا إليهم، وكان عسكر حلب ألفا وخمسمائة فارس، فلما رأوا المغول اجتمعوا وتشاوروا ماذا يكون العمل؟ فقال الحلبىّ وكان من أهل الشجاعة والفروسية: أنتم تعلمون أن حلب بعيدة وإذا [٥١] قصد أحد منا أن يهرب يموت فى الطريق ويكون من أهل جهنم، فنقوم ونجتهد، فإن فتح الله لنا ونصرنا على هؤلاء يكون لنا الوجه الأبيض عند الله وعند السلطان والناس، وإن قتلنا فيكون الأجر على الله ونبعث مع الشهداء، وأنا أول من يصدم هؤلاء ونفسى تحدثنى بالنصر، فأجابوه بالسمع والطاعة، فعند ذلك جمعهم طلبا واحدا، فصدمهم صدمة عظيمة، فجاءت طعنة لمقدم المغول من بعض الحلبيين، فوقع إلى الأرض، وولى بقية أصحابه منهزمين، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وأخذوا جمالا كثيرة، وأغناما كثيرة، ورجعوا إلى حلب سالمين ومعهم رءوس القتلى وثلاثون أسيرا من المغول، فكتب النائب بذلك إلى السلطان، فرسم له بالتشريف وكتب له بالشكر والثناء،ورسم لبكتمر الحلبى بإمرة طبلخاناة، وكان أمير عشرة، ووردت بعد ذلك رسل من ملطية ومعهم جميع ما عدم لذلك التاجر، فرسم السلطان بفكاك أسراهم. وفيها: حج بالناس الأمير سيف الدين الباسطى المنصورى.