full passagepage 983, entry [344]15,980 chars
ذكر فتح قلعة الروم (¬٣): والسبب فى ذلك أن « .... » (¬٤) صاحب هذه القلعة « .... » (¬٥) السلطان الملك المنصور صالح « .... » (¬٦) وأكثروا الفساد، وأن التتار لما حصل بينهم حرب عند وفاة ملكهم جاء الكثير منهم إلى قلعة الروم، فاتفقوا مع أهلها على قطع الطريق على المسلمين، وأخذوا منهم أسرى كثيرة، وقطعوا الطر…
▸ expand full passage (15,980 chars)▾ collapse
ذكر فتح قلعة الروم (¬٣): والسبب فى ذلك أن « .... » (¬٤) صاحب هذه القلعة « .... » (¬٥) السلطان الملك المنصور صالح « .... » (¬٦) وأكثروا الفساد، وأن التتار لما حصل بينهم حرب عند وفاة ملكهم جاء الكثير منهم إلى قلعة الروم، فاتفقوا مع أهلها على قطع الطريق على المسلمين، وأخذوا منهم أسرى كثيرة، وقطعوا الطرقات،فأرسل نائب حلب بذلك إلى السلطان، وأنه لم يبق فى دار الإسلام من قلاع الكفر غير هذه القلعة يفتحها « .... » (¬١). ولما وقف السلطان الأشرف على كتابه طلب الأمراء، واستشار بعضهم فى ذلك، فأشاروا كلهم بالعزم إليها وفتحها، فكتب إلى نائب حلب ونائب دمشق بتجهيز سائر الآلات للحصار، وأقام أياما يجهز العساكر، ولما كمل ربيع الخيل فى مصر، خرج السلطان ثامن ربيع الآخر (¬٢)، وصحبته العساكر المصرية، ووزيره ابن سلعوس، ووصل إلى دمشق سادس جمادى الأولى، وكان يوما مشهودا. وحضر إليه فى دمشق صاحب حماة الملك المظفر، ثم استعرض الجيوش وأنفق فيهم أموالا عظيمة، وجمع عساكر مصر والشام، ثم خرج من دمشق يوم الإثنين السادس عشر من جمادى الأولى. وسأل صاحب حماة بيدرا والشجاعى وأكابر الأمراء أن يضيّف السلطان إذا نزل بجهة حماة، فتحدثوا مع السلطان فأجاب إليهم، فلما نزل حماة، وكان صاحب حماة قد سبقه، هيأ له ما يحتاج إليه، ومد له سماطا بالميدان، فدخل السلطان والأمراء والجند وغيرهم، وجلس السلطان على رأس السماط، وخدم الملك المظفر، وأراد أن يأخذ شيشنى (¬٣) فمنعه السلطان من ذلك، وبقى واقفا علىرأس السماط، وحلف أنه لا يجلس حتى يفرغ السلطان، وصنع أحواض سكر وليمون، وأحواض سكر وسويق، وأحواض أقسما، وأحواض [٤١] قمز، واحتفل احتفالا عظيما. وقال صاحب نزهة الناظر: أخبرنى علم الدين الطيبرسى أنه سأل مباشرى صاحب حماة عن أمر هذا المهم، فأخبره صارم الدين أستاذ داره أنه ذبح فى ذلك اليوم ألف رأس ومائتى رأس من الغنم، ومائة فرس، وثمانين بقرة، وعمل ألف صحن من الحلواء. وقال ابن كثير (¬١): وصل السلطان إلى حماة وضرب دهليزه عند ساقية سلمية، ومدّ له الملك المظفر سماطا عظيما بالميدان، ونصب خيما يليق بنزول السلطان، فنزل السلطان بالميدان، وبسط بين يدى فرسه عدة كبيرة من الشقق الفاخرة، ثم دخل الأشرف دار الملك المظفر بمدينة حماة، فبسط له الملك بين يدى فرسه بسطا ثانيا، وقعد السلطان بالدار، ثم دخل الحمام وخرج، وجلس على جانب العاصى، ثم راح إلى الطيارة التى على سور باب الثقفى المعروفة بالطيارة الحمراء، فقعد فيها، ثم توجه من حماة وصاحب حماة وعمه فى خدمته إلى المشهد، ثم إلى الحمام والزرقاء بالبرية، فصاد شيئا كثيرا من الغزلان وحمر الوحش. وأما العساكر فسارت على السكة إلى حلب، ثم وصل السلطان إلى حلب فى اليوم الثانى والعشرين (¬٢) من جمادى الأولى، وأقام فيها أياما، ثم توجه منها إلى قلعة الروم، وخرج من حلب فى اليوم الرابع من جمادى الآخرة ووصل إلى قلعةالروم ونازلها فى العشر الأول من جمادى الآخرة (¬١)، ونصب عليها المناجيق، وهى ثلاثة وعشرون منجنيقا، أحديها عند الدهليز الشريف، والأخرى فوق جبل يسامت القلعة المذكورة وعنده الملك المظفر صاحب حماة، وكان كلما رمى الحجر فأصاب ضربت كوساته وفعرت بوقاته، والأخرى عند علم الدين سنجر الشجاعى نائب دمشق، وكان ترتيب الرمى بهذه المناجيق أن كل أمير من الأمراء يرمى يوما وليلة، والأمير علم الدين الشجاعى أقام برجا من خشب تعلوه قبة ولبّده كله وحصّنه من يمينه وشماله، وعمل فى داخلهم الرجالة فصاروا يقاتلون من داخله، وأقام العسكر عليها عشرين يوما، ولم ينل السلطان منها طائلا، وكان لا يصل إليها غير منجنيق واحد، فكان حجره يصل إلى السور، فإذا دق فيه يفتت حجره، وأجمع الأمراء على أن يزحفوا ويوصلوا النقّابين إلى السور، فركب السلطان بنفسه والأمراء، وتكفل نائب الشام ونائب حلب بالنقّابين، وكانوا نحوا من ثمانين حجّارا بالمعاول، ودخلوا فى الزحافات، وزحف العسكر جميعه، وكان يوما عظيما، وكان فى القلعة رجال لا يعرفون شى غير القتال، فقاتلوا فى ذلك اليوم قتالا عظيما، ونال المسلمين منهم شئ عظيم. قال صاحب نزهة الناظر: بلغنى عن الشجاعى أنه قتل له فى ذلك اليوم ثلاث رءوس من الخيل، وجرحت جماعة كثيرة من مماليكه، وكذلك نائب حلب، وتفرقت الأمراء والأكابر حول القلعة، ورموا بسهام كثيرة حتى أشغلوهم عن جهة النقابين، وما برحوا إلى أن أوصلوهم إلى الأسوار وملكوها، وشرعت النقابون بالمعاول فيها فلم تؤثر المعاول فى الحجر شيئا، ووجد المسلمون من ذلك مشقة كثيرة، ولما ضايق المسلمون عليهم اجتهدوا اجتهادا عظيما.وكانوا قد كتبوا إلى صاحب سيس أن يسير إليهم نجدة، فوصل فى ذلك الوقت جماعة من عرب آل مهنّى، وأخبروا السلطان أنهم رأوا نحوا من [٤٢] تومان من المغول وقد عدّوا الفرات، وهم قاصدون العسكر، فسمع أهل القلعة بذلك، فضربوا ناقوسهم، وأظهروا الفرح. فعند ذلك رجع السلطان مع الأمراء إلى الدهليز، وضربوا مشورة فى أمرهم، فأسر السلطان لبيدرا نائبه أن يقول: نرحل ونرجع إليها فى العام القابل. فقال بيدرا ذلك للأمراء، وقال: قد ضجر السلطان من أمر هذه القلعة، ومن كثرة الأمطار والثلوج والبرد العظيم، وأيضا بلغه أمر المغول، فاختار أن يرجع، فسكت الأمراء، ثم قال السلطان: ما تتكلمون وما تقولون فى كلام الأمير بيدرا؟ فقال له الأمير ركن الدين الجالق (¬١): يا خوند ما جرت عادة ولا سمعنا أن سلطانا ينزل بعسكره على بلد ويحاصره أياما ويرجع عنه إلا بسبب يقتضى ذلك. وقال الأمير لاجين: والله يا خوند لو هلكنا بأجمعنا ما نرجع إلا بفتح هذه القلعة سيما وقد قتل من المسلمين جماعة، ولم يعجبه كلامه، ثم التفت بيدرا إلى الأمير شمس الدين سنقر الأشقر وقال له: ما رأيك نقيم أو نرحل؟ فالتفت إليه التفات المغضب وقال: يا أمير، الحرب لعب الصغار، من قتل منا ومن خرج حتى نرحل من القلعة، ثم قال له السلطان، وقد حصل فى نفسه من كلامه حنق عظيم: كيف يكون العمل مع هذا العدو الذى قد تعدى الفرات؟ فقال: إن رسم السلطان لى أركب وصحبتى بعض الأمراء وألاقى هذا العدوّ، فنرجو من الله النصر عليه أو الموت فى سبيل الله، فالسلطان يكون مقيما بالعسكر والحصار يكون مستمرا ولايشمت بنا العدو، فإذا سمعت الناس أن سلطان مصر وعساكرها نزلوا على قلعة، ثم رحلوا عنها ماذا يقولون؟ والله نموت جميعا خير من هذه السمعة. فعند ذلك عينوا سنقر الأشقر والأمير بدر الدين بكتاش الفخرى أمير سلاح وأضافوا لهما أمراء ومقدار ألفى فارس وصحبتهم آل مهنى وآل فضل وآل مرى وبنو كلاب وأمراء التركمان، فتجهزوا وساروا وجدوا فى سيرهم إلى أن بلغوا الفرات، فلم يجدوا أحدا، ولا ظهر لهم راكب ولا راجل، وكان حقيقة ما ذكره العرب أن صاحب سيس لما كتب إليه أهل القلعة وطلبوا منه النجدة علم أنه عاجز عن ذلك ولكن احتال فى ذلك حيلة، فطلب ثلاثة من أمراء الأرمن وجرد معهم خمسة آلاف فارس من الأرمن، وألبس جميعهم لبس المغول، وجعل على رؤوسهم السراقوجات التى يركب بها المغول، وجعل لهم رايات وطبول على زى عسكر المغول، وأمرهم أن ينزلوا على بر الفرات ويعدوه إذا لم يصادفوا عسكرا هناك، ويكونوا على حذر عظيم ويتراءوا لأهل البلاد والعرب حتى يظنون أنهم مغول، ويصل أخبارهم إلى العسكر فيقع فى نفوسهم أن عسكر المغول قد حضروا لنصرتهم فيرجعون عن حصارهم، فساروا على هذه الهيئة وفعلوا ما قال لهم صاحبهم. ورآهم بعض العرب فأخبروا عسكر السلطان بذلك، ثم لما أرسل السلطان من ذكرنا من عسكره وبلغ خبرهم إلى الأرمن أخذوا حذرهم منهم، فرجعوا خائبين خاسرين [٤٣] وجاء الخبر بذلك إلى السلطان، ثم فى عقيبه جاء العسكر المجردون، فقوى بذلك عزم المسلمين على القتال والحصار، وتفرقوا على القلعة كتائب ومواكب، واستعملوا المعاول فى أسوارها، ولم يزالوا على ذلك إلى أن جاء نصر الله والفتح.ففتحت بالسيف يوم السبت الحادى عشر من رجب من هذه السنة، فطلع إليها المسلمون ومكنوا السيوف من الأرمن، ولم يرحموا كبيرها ولا صغيرها ولا كهلها ولا شابها، ونهبوا ذراريهم، وذلك لأنهم ما وجدوا بها كسبا طائلا مثل عادة القلاع والحصون، ولم يكن لهم باع كثير، وإنما كانوا مقاتلة، فبذلك حنقت العسكر عليهم، ووضعوا فيهم السيوف بلا رحمة ولا شفقة، وأخذوا منها نحو ثلاثمائة أسير، فأحضروهم إلى مصر، واعتصم كيثاغيكوس خليفة الأرمن (¬١) المقيم بها فى القلة (¬٢)، وعنده بعض من هرب من القلعة، فرسم السلطان أنّ يرمى عليهم بالمنجنيق، فلما وتروه ليرمى عليهم طلبوا الأمان من السلطان فلم يؤمنهم إلا على أرواحهم خاصة وأن يكونوا أسرى، فأجابوا إلى ذلك، وأخذ كيثاغيكوس وجميع من كان بقلة القلعة أسرى عن آخرهم. وأمر السلطان أن يمحى عنها سمة الرومية ولا يسميها أحد بتلك الاسمية؛ بل تسمى قلعة المسلمين الأشرفية. ثم رتب السلطان سنجر الشجاعى لعمارتها وتحصين قلعتها وترتيب ما يعود على مصالحها، وأمر أن يخرب ربضها ويبعد عنها. وفى نزهة الناظر: وما رحل السلطان عنها حتى رتب فيها نائبا وهو الأمير جمال الدين أقشى العارضى، وذلك بعد ما قبض على الأمير عز الدين الموصلى بسبب أنه رسم له أن يكون نائبا بها، فأبى ذلك، فقبض عليه، ورتب جمال الدين المذكور، وأقام فى يومه فى القلعة الخليلية.ونظم بعض كتاب الدرج: فديتك من حصن منيع جنابه … تطهرت من بعد النجاسة والشرك وقد صرت تدعى بالخليلين دائما … خليل إله العرش والبطل الترك وكان المسلمون رأوا فى إقامتهم على هذه القلعة أمورا صعبة كان أكثرها من الزلازل والأمطار والصواعق، واتفق يوما أن الأمير بدر الدين بيدرا كان جالسا وقد تقدم الفراش ليمد السماط بين يديه وإذا بصاعقة قد نزلت بخيمته فنفذت من الخيمة ووقعت على ظهر الفراش فقصمته نصفين ووقع إلى الأرض، ونفر كل من كان واقفا وغاصت الصاعقة فى الأرض، وقام بيدرا وفى قلبه رجفة عظيمة. قال صاحب النزهة: ثم رسم السلطان بكتاب البشارة يكتب إلى مصر (¬١)، فكتب ما نسخته. بسم الله الرحمن الرحيم مبشرة بفتح ما سطرت به الأقلام أعظم بشائره (¬٢)، ولا تفوّهت ألسنة خطباء هذا العصر على المنابر بأفصح من معانيه فى سالف الدهروغابره، وهو البشرى بفتح قلعة الروم، والهناء لكل من رام للإسلام نصرا ببلوغ ما رام وما يروم. وذلك أننا ركبنا من مصر وما زلنا نصل السّرى بالسّير، ونرسل الأعنّة إلى نحوها فتمد الجياد أعناقها مسدّا ينقطع بين قوائمها السّير، واستقبلنا من جبالها كل صعب المرتقى، شاهق لا يلتقى به مسلك ولا يلتقى، فما زالت العزائم الشريفة تسهل حزونه، والشكائم [تفجر (¬١)] بوقع السنابك على أحجاره عيونه، [٤٤] والجياد المطهمة ترتقى مع امتطاط متونها بدروع الحديد متونه، فجعل جبالها دكا، وحاصرها حتى ألحق بها حصن عكا، ولما أراد الله بالفتح الذى أغلق على المغول والأرمن أبواب الصواب، والمنح الذى أضفى على أهل الإيمان والمجاهدين أثواب الثواب، فتحت هذه القلعة بقوة الله ونصره يوم السبت الحادى عشر من شهر رجب، فسبحان من سهل صعبها، وعجل كسبها، ومكن منها ومن أهلها، وجمع ممالك الإسلام شملها. وكان ذلك بخط شهاب الدين محمود، ونظم للسلطان يهنئه: لك الراية الصفراء يقدمها النصر … فمن كيقباذ إن رآها وكيخسرو إذا خفقت فى الأفق هدّت بنودها … دعائم (¬٢) واستعلى الهدى وانجلى الثغر (¬٣) وإن يمنّت نحو العدى سار نحوها … كتائب خطر دوحها البيض والسمر (¬٤)كأنّ مثار النقع ليل وخفقها … بروق وأنت البدر والفلك الحتر بذل لها عزم (¬١) … فلولا مهابة كستها (¬٢) الحيا جاءتك تسعى ولا مهر صرفت إليها عزمة (¬٣) … لو صرفتها إلى البحر لاستولى على مدّه الجزر (¬٤) ولما سبقت البشارة إلى مصر فرحت العالم، وكتب الجواب يستأذنون على عمل قلاع وزينة، كما كانت العادة بذلك عند مثل هذه القضية. وكان السلطان لما دخل دمشق سأله أهلها أن يصوم رمضان عندهم، وذلك لما فى قلوبهم من المحبة الأكيدة، ورأى السلطان أيضا طيبة دمشق ونزهها، قصد الإقامة بها، فكتب الجواب إلى مصر أن يمنع العمل للقلاع فإن السلطان عزم على أن يصوم رمضان بدمشق. وكان الصاحب شمس الدين - عند دخول السلطان دمشق - اقترح على أهلها ببسط الشقق تحت قوائم الخيل من سائر الأصناف، كما اقترح ذلك على المصريين، ولم يقترح أحد غيره قبله، فصار عادة إلى الآن، وكتب بذلك على أهل دمشق كل أحد بقدر حاله وقدر منزلته، ولما بسطوا الشقق وأخذها أرباب الوظائف من السلحدارية والطبردارية وغيرهم أخذها الوزير عنهم وجمعها منهم، وعوضهم منها شيئا يسيرا، ثم ألزم كل من بسط شيئا أن يأخذه ويحمل ثمنه إليه، فوقفت جماعة منهم بين يدى السلطان واستغاثوا بجماعة من الحرافيش والعوام، فاستغاثوا إليه، وأنهوا ضررا بذلك، وكان وقوفهم فى سوق الخيل والسلطان راكب،فرسم السلطان للحاجب أن كل من باسمه شئ يأخذه ولا يعطى للوزير شيئا، وطلب الوزير وأنكر عليه ذلك. وقال بيبرس فى تاريخه: ولما كنا فى شدة الحصار والقتال والمضايقة والنزال أشرفت علينا من البر الشرقى طائفة من التتر لائحة من بين الجبال، فرسم السلطان لتجريد جماعة من العساكر صحبة بعض الأمراء الأكابر لكشف الخبر وقص الأثر وحسم مادة من ظهر من التتر، فجرد أربعة مقدمى الألوف ومضافيهم منهم الأمير بدر الدين بكتاش أمير سلاح وكنت من مضافيه، والأمير ركن الدين طقصو الناصرى، والأمير سيف الدين بلبان الحلبى، والأمير حسام الدين لاجين السلحدار المنصورى، فسرنا جميا سيرا [٤٥] عنيفا، وعبرنا الفرات من مخاضة شميصاط (¬١)، وسرنا فى البر الشرقى عامة الليل والنهار، وقصصنا الآثار فلم نجد أحدا من التتار، فعدنا فى الحال وحضرنا إلى المنازلة والقتال حتى افتتحنا قلعة الروم، وبلغ السلطان منها ما كان يروم. ولقد اتفق فيما بعد وصول الأمير سيف الدين (¬٢) جنكلى بن البابا أحد أمراء التتار إلى الديار المصرية، فأخبرنى أنه كان فى تلك السرية وأنها كانت زهاء على عشرة آلاف فارس صحبة مقدم يسمى نيتمش (¬٣)، وكانت قد جاءت تلتمس فرصة وتطلب من المسلمين غرة. قال المذكور: فلما شاهدنا كثرة العساكر وعظمتها أيقنا أن لا قبل لنا بها، فرجعنا على أعقابنا وسرنا مجدين إلى مقامنا (¬٤).قلت: هذا الذى ذكره بيبرس يخالفه ما ذكره صاحب نزهة الناظر، ولكن الأصح ما ذكره بيبرس لأنه صاحب الواقعة: إذا قالت حذام فصدّقوها … فإن القول ما قالت حذام (¬١) واعلم أن قلعة الروم هذه كانت فتحت أيام الصحابة رضى الله عنهم فى خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه صلحا، واستمر بها أهلها، لأن الصحابة أبقوا كنائس كثيرة على أن يؤدوا الجزية ويطالعوا المسلمين بالأحوال. ذكر ذلك البلاذرىّ وغيره. وذكر صاحب حماة فى مختصر تاريخه الذى سماه: الحدائق والعيون: أن السلطان نور الدين الشهيد توجه إليها فى سنة تسع وستين وخمسمائة، فتقبل خليفة الأرمن بحمل خمسمائة ألف درهم على سبيل الجزية، فرجع. واسمها بالأرمنية هروم كلين، وتفسيره بالعربى قلعة الروم، وكانت هذه القلعة كرسىّ مملكة الأرمن وبها خليفتهم واسمه الكيثاغيكوس، وكان قد عدّى المائة سنة، وكانت فى حكم التتار ولهم بها شحنة، أسر فى جملة الأسرى، وكان بها على المسلمين أعظم نصرة. وصفتها: أنها كانت قديما ثلاث قلاع صوامع على سن جبل بين جبال، ثم حصنها الأرمن بأسوار قد احتفل بانيها بتشييدها غاية الاحتفال، ما رمقها طرف إلا بهت لعلوّها وسها، ولا تأملها متأمل إلا وطن شرفاتها الأنجم وقلتها السهى.وهى من أحصن القلاع وأعظمها فى الارتفاع والامتناع، ولا يتوصل إليها إلا من طريق صعبة المرتقى لا يستطيع الفارس سلوكها، وبحر الفرات جار من تحتها، ولا منزلة لمن ينازلها (¬١) إلا فى لحفها (¬٢). وهى بين عقاب صعاب كما قال الشاعر: عقاب بها كل العقاب ومحجر … كأنى أمشى فوقه بالمحاجر ويدور بها نهر يسمى نهر مرزبان، وبيوت أهلها مغاير منقورة فى الجبل محكمة الصنعة. وذكر فى بعض التواريخ: أن المثال الشريف ورد إلى الأمير عز الدين أيبك الخازندار نائب السلطنة بمصر فى الغيبة على يد الأميران السلاح دار وأقوش الموصلى الحاجب فى بكرة الإثنين العشرين من رجب الفرد، وهو من إملاء القاضى فتح الدين بن عبد الظاهر، وهذه نسخته (¬٣): ﷽ أدام الله نعمة المجلس العالى الأميرى العزى، ولا برحت متلوة عليه آيات التأييد، واردة إليه بشائر ظفرنا التى يتجمل بحملها البريد، قادمة عليها التهانى، كم لحمائم الحمد فى أفانينها من تغريد، تبشره بفتح ما خطر على بال أحد أنه يكون، ولا أن صعبه يهون، ولا أن نيله على غير عزائمنا الشريفة يقرب ولا فى الوهم، ولا أن الحظوظ تبلغ فيه من مرامها [٤٦] سهما، ولا أن الخطوب ترامى مراميه بسهم، وذلك لبعد مداه، وقوة قومه بالنفار المخذولين الذى تكفأأكف عداه، وهو فتح قلعة الروم الذى بلغ كل من رمى من الأعداء بنصل النصر ما يروم، وفتح على التتار والأرمن أبوابا من البلاء، كان هذا لحصن على حافة الفرات قفلها المربح، وبطليعة كيدهم جواده الملجم المسرج، لأنه فى برّ الشام على جانب الفرات، والتتار المخذولون به حافون، وحوله صافون، ونافسهم عليها منا أشرف سلطان، جعل جبلها دكا، وحاصرها حصارا ألحقها بعكا، ونصبنا عليها عدة مناجيق تنقض حجارتها انقضاض النسور، وتقتنص الأرواح من الأجسام وإن ضرب بينها وبينهم سور، وتفترس أبراجها بصقور صخور افتراس الأسد الهصور، هذا والنقوب تسرى فى بدناتها سريان الخيال، وإن كانت جفونها المسهدة وعمدها الممدّدة، وحفظها المجندة، ورواسيها على جبل الفرات موطدة، وقد خندقوا عليها خندقا جرى فيه الفرات من جانب ونهر مرزبان من جانب، ووضعها واضعها على رأس جبل يزاحم الجوزاء بالمناكب، وصفح صرحها الممرد فكأنه عرش لها على الماء، وإذا رامها رائيها اشتبهت عليه بأنجم السماء، وما زالت المضايقة «تنقص من حبلها أطرافه، وتستدر بحيلها آخر الطرف وتقطع» (¬١)، بمسائل جلاد مقاودها وحلالها خلافه، ويورد عليها من سهامها كل إيراد لا تجاوب إلا بالتسليم، ويقضى عليها بكل حكم لا يقابل موته إلا بالتحكيم. ولما أذن الله بالفتح الذى أغلق على الأرمن والتتار أبواب الصواب، والمنح الذى أضفى على أهل الإيمان من المجاهدين أبواب الثواب، فتحت هذه القلعة بقوة الله ونصره فى يوم السبت حادى عشر رجب الفرد.والمجلس السامى يأخذ حظه من هذه البشرى التى بشرت بها ملائكة السماء ملك البسيطة وسلطان الأرض، وتكاثر على شكرها كل من أرضى الله طاعته وأغضب من لم يرض من ذوى الإلحاد، ومن حاد الله له حاد، وممن ينتظر من هذه الانفار إنجاز الإلحاد، فإنه بفتح هذه القلعة وتوقلها وحيازة ثغرها ومعقلها تحقق من سيحون وجيحون أنهم بعد فتح باب العراق تكسر أقفالها هذه القلعة، لا يرجون (¬١) أنهم ينجون، وما يكون بعد هذا الفتح إن شاء الله إلا فتح المشرق والروم، وملك البلاد من مغرب الشمس إلى ملك مطلع الإشراق، والله يؤيده ويعضده، وكتب فى يوم الفتح المبارك سنة إحدى وتسعين حسب المرسوم الشريف. وقال بيبرس فى تاريخه: واجتهد الأمير علم الدين الشجاعى «فى فتح هذه القلعة» (¬٢) اجتهادا عظيما، وعمل سلسلة عظيمة وعلقها قريبا من شراريف القلعة، وطرفها واصل إلى أسفل الربض، فكانت الجند يستمسكون بها ويصعدون فيها، فارتقى فيها جماعة من العسكر وفيهم شخص (¬٣) من أوشاقية الأمير بدر الدين أمير سلاح يسمى اقجبا، فقاتل قتالا شديدا وأبلى بلاء حميدا، والسلطان ينظر إليه، والعسكر يثنون عليه، فرسم له بتشريف وامرة، فسأل امير سلاح أن تكون الإمرة لولده محمد، فأعطى إقطاعا وطبلخاناة، ثم تتابعت العساكر فى تلك السلسلة فكانت حيلة إلى القصد موصلة، فملكوا القلعة، [وطلعتهاالسناجق بسرعة، وقتل من وجد فيها من المقاتلة، وسبى النسوة والعائلة، ووجد بها بطرك الأرمن فأخذ أسيرا (¬١).].