بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 940, entry [338]6,021 chars
ذكر القبض على أرجواش (¬١) متولى قلعة دمشق: وكان السبب لذلك أنه كان من المماليك المنصورية، معروفا، بينهم بالفروسية والشجاعة، وكان قد أصيب بسهم فى عينه، فبقى بفرد عين، وكان لا يعرف له مزح ولا لعب، ولم يكن أحد من خشداشيته يقدر على المزح معه، وكانوا عرّفوا الأشرف خلقه ووسوسة طبعه وتفرده عن الناس، وحكوا …
▸ expand full passage (6,021 chars)ذكر القبض على أرجواش (¬١) متولى قلعة دمشق: وكان السبب لذلك أنه كان من المماليك المنصورية، معروفا، بينهم بالفروسية والشجاعة، وكان قد أصيب بسهم فى عينه، فبقى بفرد عين، وكان لا يعرف له مزح ولا لعب، ولم يكن أحد من خشداشيته يقدر على المزح معه، وكانوا عرّفوا الأشرف خلقه ووسوسة طبعه وتفرده عن الناس، وحكوا له عنه حكايات، وكان يوما واقفا بين يدى السلطان، فأراد السلطان أن يفتح معه باب المزح، فأشار إلى أحد من خاصكيته أن يقف خلف أرجواش ويدس يده فى مخرجه؛ ففعل ذلك، فالتفت إليه أرجواش ولكمه وأرمى كلوتته، وحط يدهفى قائم سيفه، فصاح السلطان عليه، وبدا عليه الضحك، فقال له: ويلك، تلكم مملوكى: ماذا فعل بك؟ فقال: نحن ما تعودنا بشئ من ذلك ولا رأيناه، ولكن صرنا فى آخر زماننا مسخرة، فغضب السلطان من ذلك غضبا شديدا (¬١)، ورسم بأخذ سيفه، وضربه ضربا مؤلما، ورسم بالحوطة على موجوده، واعتقل بالقلعة، وحملوا من خزانته نحو سبعين ألف درهم وثلاثة آلاف دينار، وباعوا سلاحه وقماشه إلى أن تكمل جميعه مائتين وستين ألف درهم (¬٢). ثم لما عزم السلطان على السفر إلى مصر [٢٣]. . (¬٣)[٢٥] خلائق لا يحصى عددهم، ولم يبق أحد فى المدينة إلا وقد أخذ جانبا للتفرج منه، فلما وصل السلطان إلى المدرسة المنصورية ترجل وطلع إلى قبر الشهيد، فوجد هناك القضاة وسائر أرباب الوظائف من الفقهاء والعلماء والقراء والمؤذنين، وتلقوه بالدعاء، وشرعوا فى القراءة بين يديه، ثم أخذوا فى الدعاء له ولوالده الشهيد، ولما فرغوا من القراءة والدعاء قام ابن العنبرى (¬١) الواعظ وصعد المنبر، وكان قد رتب قصيدة يذكر فيها أمر الغزاة والجهاد فى سبيل الله، فلم يرزق فيها سعادة، ولا فتح عليه منها فتوح، وأول ما تكلم بعد قراءته القراءة قال: زر والديك وقف على قبريهما … فكأننى بك قد نقلت إليهما وكان السلطان ذكيا، ففهم معنى شعره، فما وصل إلى آخر البيت حتى نهض السلطان قائما، وسائر الناس معه، والتفت إلى بيدرا كالمغضب بسببه، وقال: ما لقى هذا غير هذا القول!! فقال له بيدرا: يا خوند هذا الرجل ما فى الدنيا مثله فى الوعظ، ولكن ما رزقه الله سعادة فى هذا الوقت، ثم ركب السلطان من المدرسة إلى أن خرج من باب زويلة، وسائر الأمراء فى خدمته، ولم يكن أحد راكبا غير الأمير بدر الدين أمير سلاح، وعند خروجه من الباب مسك عنان الفرس، ورسم للأمراء بالركوب، ومشت الخاصكية إلى القلعة. وعند استقراره خلع على الأمير بدر الدين بيدرا نائب السلطنة، وعلى الصاحب شمس الدين ابن سلعوس وسيّر له ألف دينار.ولما وصل السلطان القلعة نثر على السلطان الذهب والفضة، وعلى الأمراء الماورد من جانبى الناس. ويقال: ما مرّ السلطان على قلعة من تلك القلاع إلا ونثر عليه الذهب والفضة، ولما بلغ بين القصرين عند دار البيسرى (¬١) - وكان البيسرى (¬٢) معتقلا - وقف مملوكه مغلطاى ومعه أولاد أستاذه، وعمل بأرقابهم (¬٣) مناديل، وعند ما عاينوا السلطان قبلوا الأرض جميعهم، وكانوا ست بنين، وكان مملوكهم مغلطاى قد تحدث مع الأمراء فى الشفاعة فى مخدومه، ولما رآهم السلطان قال: من هم هؤلاء؟ قالوا: ياخوند هؤلاء مماليكك أولاد البيسرى، وتحدثت الأمراء، فقال السلطان: طيبوا قلوبكم، الساعة أخرجه لكم، ثم لما طلع القلعة أمر بإخراجه (¬٤)، وأرسل إليه تشريفا إلى السجن صحبة الأمير عز الدين الأفرم أمير جاندار والأمير بغدى الدوادار (¬٥)، ورسم له أن يلبس التشريف ويدخل إليه،فامتنع من ذلك والتزم يمينا أن لا يدخل عند السلطان إلا فى قيده ولباسه الذى كان عليه فى السجن، فدخل على هذه الهيئة، ففك قيده بين يديه، ثم لبس التشريف وباس الأرض؛ فتلقاه السلطان أحسن ملتقى وأكرمه وطيب خاطره، وأمر له بإقطاعه التى كانت بيده تقدمة ألف وزاده عليها منية بنى خصيب، وكتب منشوره (¬١) وحمل إليه فى كيس أطلس، وهذه نسخته: الحمد لله على نعمه الكاملة، ومراحمه الشاملة، وعواطفه التى أضحت بها بدور الإسلام بازغة غير آفلة، أحمده حمدا يعيد سالف النعم، والكرم الذى خصّ وعم. وبعد: فإنّ أحق من عومل بالجميل، [وبلغ (¬٢)] من مكارم هذه الدولة القاهرة الرجاء (¬٣) والتأميل، ومن إذا ذكرت أبطال الإسلام كان أول مذكور، [٢٦] وإذا وصفت الشجعان كان إمام كل شجاع مشهور، وإذا تزيّنت سماء الملك بأنجم كان بدرها المنير، وإذا عدّ أولوا الأمر كان أول مشير (¬٤)، وكم تجملت فيه المواكب بأعلى قدر، وترتبت المراتب به لأنه بدر، وهو المقر الأشرف العالى البدرى بيسرى الشمسى الصالحى العجمى الملكى الأشرفى، فهو الموصوف بهذهالأوصاف والمدح، والمعروف بهذه المكارم والمنح، فلذلك رسم أن يفرج عنه فى هذه الساعة من غير تأخير (¬١). وكان له نهار عظيم بالمدينة لأنه نزل والمدينة مزينة، وفرحت الناس به، وكان فى الاعتقال عشر سنين وأشهرا، ولما نزل إلى بيته أرسل له السلطان أربعين فرسا منها عشرون أكديشيا (¬٢)، وأمر لسائر الأمراء أن يقدموا له، فقدموا له، وحظى عند السلطان حتى [كان (¬٣)] لا يفارقه السلطان ويخلو به، ويحدثه فى سائر أموره: هزله وجده، وصار يوالى عليه الإنعام فى كل وقت (¬٤). ونظمت شعراء كثيرون فى فتح السلطان هذه القلاع، فمن ذلك ما نظمه شهاب الدين محمود: الحمد لله ذلّت (¬٥) … دولة الصلب وعزّ بالقول (¬٦) دين المصطفى العربىهذا الذى كانت الآمال لو طلبت … رؤياه فى اليوم لاستحيت من الطلب ما بعد عكا وقد هدّت قواعدها … فى البحر للشرك عند (¬١) الدين من أرب كم رامها ورماها قبله ملك … جمّ الجيوش فلم يظفر ولم يصب (¬٢) لم ترض همته إلا الذى قصدت … هجر عنها (¬٣) ملوك العجم والعرب فأصبحت وهى فى بحرين مائلة … ما بين مضطرم النار (¬٤) ومضطرب جيش من الترك ترك الحرب عندهم … عار وراحتهم ضرب من الوصب وأطلع الله جيش النصر فانتشرت (¬٥) … طلائع النصر (¬٦) بين السمر والقضب أجرت إلى البحر بحرا من دمائهم … فراح كالراح إذ عرّفاه (¬٧) كالحبب (¬٨) بشراك يا ملك الدنيا لقد شرفت … بك الممالك واستعلت على الرتب (¬٩) لقيتها (¬١٠) … باصلاح الدين الدين معتقدا فإنّ ظنّ صلاح الدين لم يخبأدركت ثأر صلاح الدين إذ عصيت … عنه لسر (¬١) طواه الله فى الكتب (¬٢) وفى هذين البيتين إشارة إلى أن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب لما نازل عكا وحاصرها طمع فى أخذها لأنه كان وقف على كتاب يذكر فيه أن السلطان صلاح الدين يفتح عكا ويخرّبها ولا تعمر بعده، فنزل عليها وحاصرها وتسلمها يوم الجمعة فى شهر جمادى الأولى (¬٣) من سنة « ...... » (¬٤) ورحل عنها بعد ما صارت فى ملكه وقصد أن يخربها، فحصل له عارض وأقامت أياما قليلة ورجعت الإفرنج إليها وأخذوها (¬٥)، فصارت فى أيديهم، ثم أخذها صلاح الدين الملك الأشرف وأخربها وجعلها دكا. وأنشد أبى غانم (¬٦) بيتين عند فتح عكا فى هذا المعنى وهما: مليكان قد لقّبا بالصّلاح … فهذا خليل وهذا (¬٧) يوسففيوسف لا شك فى فضله … ولكن خليل هو الأشرف (¬١) [٢٧] ومن نظم شمس الدين ابن الصائغ (¬٢): يا أشرف الدنيا تهنّ فإنه … فتح سواك بمثله لم يحلم أشبهت معتصم الخلافة (¬٣) … همة فالروم منك (¬٤) ديارها لم تعصم قاتلت (¬٥) … بلق جيوشهم (¬٦) بسوابق غرّ عليها الريح (¬٧) لم تتقدّم كم رعتها بسواد ليل أليل … وصدمتها (¬٨) ببياض يوم أيوم وأعدتها للمسلمين ولم يكن … منهم يرى التطهير (¬٩) إلا بالدّم فالجمعة الغرّاء كان صباحها … وجه الزمان بمثله لم يرقم (¬١٠)