بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 896, entry [329]3,073 chars
ذكر سلطنة الأشرف خليل ابن المنصور قلاون لما توفى المنصور بالوطاق كما ذكرنا، وقف الأمير حسام الدين طرنطاى المنصورى بنفسه، فنقله إلى القلعة والخزائن معه بسرعة، وأمر الولاة والنوّاب بحفظ الشوارع والأبواب، ونادى مناديه بأن من تفوّه بما لا يعنيه حلّ (¬١) به ما لا يرضيه، وأصبح الملك الأشرف متحكما مستقلا، …
▸ expand full passage (3,073 chars)ذكر سلطنة الأشرف خليل ابن المنصور قلاون لما توفى المنصور بالوطاق كما ذكرنا، وقف الأمير حسام الدين طرنطاى المنصورى بنفسه، فنقله إلى القلعة والخزائن معه بسرعة، وأمر الولاة والنوّاب بحفظ الشوارع والأبواب، ونادى مناديه بأن من تفوّه بما لا يعنيه حلّ (¬١) به ما لا يرضيه، وأصبح الملك الأشرف متحكما مستقلا، لم يختلف فيه اثنان، ولا تحرّكت شفة ولا لسان، وكان والده ﵀ لمّا احتضر استدعاه إلى الوطاق، [واستدناه وهو فى السباق (¬٢)]، وأوصاه بأن يحفظ مماليكه ويحافظ عليهم، ويبالغ فى الإحسان إليهم، ويستمرّ بهم على اقطاعاتهم ووظائفهم بمصر والشام، ويهتم بمصالحهم كل الاهتمام (¬٣).وكان مماليك والده لهم العمال والنواب بالأعمال، فأطاعوه جميعا، فكانوا دعائم بنيانه، وقواعد أركانه. وكان جلوسه فى السلطنة فى سابع ذى القعدة من هذه السنة، وكان صبيحة وفاة والده يوم الأحد، ودخلت عليه الأمراء، وقبّلوا الأرض بين يديه، ثم استحلفهم جميعا، ووقف الأمير حسام الدين طرنطاى مع الأمراء (¬١)، فطلبه وقرّبة، وطيب خاطره، واستقرّبه على نيابته، وخلع عليه، وخلع على الشجاعى وولاّه الوزارة. وقيل: إن الشجاعى تولى الوزارة فى سابع عشر ذى الحجة. وأرسل البرد إلى البلاد والأقاليم بوفاة والده، واستقراره فى دست المملكة، وخلع على سائر الأمراء والمقدمين وأعيان الدولة، وركب بشعار السلطنة (¬٢) يوم الجمعة الثانى عشر من ذى القعدة، والعساكر فى خدمته، من القلعة إلى الميدان الأسود (¬٣)، ثم طلع إلى تخته (¬٤) مسرورا. ثم أرسل وراء الخليفة الحاكم، وأرسل له مركوبا وخلعة، فلبس وركب المركوب من موضعه، وكان ساكنا فى البرج (¬٥)، ومشى الأمراء والقضاة فى خدمتهإلى باب الجامع، واجتمع بالسلطان، وكان الأمير بيدرا والشجاعى تلقياه من باب الجامع، ودخل فى محفل عظيم إلى المقصورة عند السلطان، فنهض إليه وعانقه، وأجلسه إلى جانبه، واشتغل به إلى أن استحقت الخطبة، فسأله أن يصعد المنبر ويخطب، فما أمكنه المخالفة (¬١)، وصعد المنبر، واستفتح الخطبة، فقال: الحمد لله الذى أقام لآل عباس ملكا ظهيرا، وجعل لهم سلطانا نصيرا، واختصر فى الخطبة، ودعى للسلطان وللمسلمين، وعند نزوله امتنع أن يصلى إماما، فصلّى الخطيب، ولما فرغوا من الصلاة أخذ السلطان بيده وأكرمه، ورسم أن يخلى له مكان بالكبش (¬٢) يسكن فيه هو وعائلته، وأطلق له رواتب كثيرة، وكان يوما مشهودا. ولما كانت الجمعة الثانية، ركب إلى القلعة، وجلس مع السلطان فى المقصورة إلى وقت الخطبة، فصعد المنبر وخطب، فقال: الحمد لله الذى جعل من لدنا سلطانا نصيرا، وكان فضل الله به على الإمامة فضلا كبيرا، سبّب أسباب النصر والظفر، وقرّب أمر الفتوحات بخير زمان كان ينظر؛ والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير البشر، وعلى آله وصحبه [٧] صلاة متوالية فى العشيّاتوالبكر، اعلموا وفقكم الله يا أنجاد الإسلام وحماته، ويا شجعانه وكماته، إن الله سهّل لكم نصرا عزيزا فانتهزوا فرصه، واجعلوا فى أيام هذا السلطان بشارة تقصّ على البلاد والعباد أحسن قصصه، واخلصوا النيات فى الجهاد، وتعاونوا على ميعاد الظفر بالوفاء، ﴿(إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ ١)﴾، اللهم أوزعنى أن أشكر نعمتك التى أنعمت بها علىّ وعلى والدىّ، وأجب اللهم دعائى فى المحسن للإسلام وإلىّ، وهو السلطان الملك الأشرف الذى سخّرت له تأثيرات الفلك، فاجعله اللهمّ مالكا حيث ما سلك، وامنحه بنصرك إياه تفتح عليه ممالك الأرض وأبوابها، واجعل دار الإسلام دار السّلام ومنابر الخلافة بها، وانصر اللهم جنده، وانجز له وعده، وارض عن والده السلطان الأجل الملك المنصور الذى جاهد فى الكفار جهده، وجعل الملائكة الكرام فى تأييده جنده، ثم دعى للسلطان وللمسلمين، ونزل وأمّ بالناس وصلّى.