بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 885, entry [327]5,986 chars
ذكر وفاة السلطان الملك المنصور قلاون (¬١) ابن عبد الله التركى الصالحى النجمى الألفى توفى فى المخيم بمسجد التبر ظاهر القاهرة يوم (¬٢) السبت السادس من ذى القعدة من هذه السنة، وسببه أنه لما نزل موكبه بالدهليز (¬٣) لحقه من نهاره جريان الجوف بالإسهال، واشتد به المرض وهو بالخيام، ولم يلبث إلا خمسة أيام وت…
▸ expand full passage (5,986 chars)ذكر وفاة السلطان الملك المنصور قلاون (¬١) ابن عبد الله التركى الصالحى النجمى الألفى توفى فى المخيم بمسجد التبر ظاهر القاهرة يوم (¬٢) السبت السادس من ذى القعدة من هذه السنة، وسببه أنه لما نزل موكبه بالدهليز (¬٣) لحقه من نهاره جريان الجوف بالإسهال، واشتد به المرض وهو بالخيام، ولم يلبث إلا خمسة أيام وتوفى إلى رحمة الله، كذا ذكره بيبرس فى كتابه اللطائف. وقال النويرى: ابتداء مرضه فى العشر الأواخر من شوال بعد نزوله فى الدهليز فى المكان المذكور، وتزايد به المرض حتى توفى فى التاريخ المذكور. وقال غيره: وجد السلطان فى جسده توعكا ليلة نزوله من القلعة، ودخل الأمراء عليه، فدعوا له، وتزايد به الألم، وصار ولده الأشرف كل يوم ينزل من القلعة فيقيم عنده إلى ما بعد العصر، ثم يرجع ويبيت فى القلعة، فيقى علىذلك من العشر الأخير من شوال إلى العشر الأول من ذى القعدة وألمه يتزايد، وكان الأمراء يدخلون عليه، ويقعدون عنده (¬١) فلما زاد ألمه منع الأمير طرنطاى (¬٢) - أتابك العساكر - الأمراء من الدخول عليه، فصار يدخل عليه بمفرده (¬٣) ويخرج بالسلام للأمراء، فلما قوى به المرض [٣] اجتمع كبار مماليكه الأمراء مثل كتبغا وأيبك الخازندار وغيرهما عند الأمير طرنطاى، وأفاضوا بينهم الأمر «والرأى وقالوا لطرنطاى: أنت تعلم (¬٤)» أمرك مع الأشرف، وبغضه فيك، والأمر صائر إليه، والسلطان «ما بقى فيه رجوة، وتعلم (¬٥)» أيضا ما بينك وبين الشجاعى من البغضاء، وهو قاتلك بلا محالة «وينجر الأمر إلينا، وما يخّلى منا (¬٦)» أحدا، فخذ لنفسك قبل استحكام الأمر، فسكت ساعة، وقال: والله «العظيم لا يسمع أنى خنت (¬٧)» أستاذى، ولا ولده من بعده، ولا عملت فتنة «بين المسلمين، وإذا صار (¬٨)» الأمر إليه، فإن رضينى كنت مملوكه، وإن قتلنى كنت مظلوما، وكل مقضى كائن (¬٩).وكان طرنطاى قد عرّف الجمدارية الذين حول السلطان أنه إذا عرض عليه عارض يعرّفوه. فلما تزايد به المرض، وظهر منه ما يدل على الموت يدخل إليه، فأعلموه بذلك، فدخل عليه، فوجده فى النزع، فقعد عند رأسه حتى توفى إلى رحمة الله، وغمّضه، وقصد المماليك أن يصيحوا ويبكوا، فمنعهم من ذلك، وقال لهم: اكتموا أمره. وقعد على عادته بباب الدهليز، وحضر الأمراء فأعطاهم دستورا، وأسرّ لسنقر الأشقر بالجلوس بمفرده، فلما ذهب الأمراء أخبره بموت السلطان، واستشاره فيما يفعله. فقال له: مهما اخترت تعمل فنحن بين يديك، فقال له: قم إلى خيمتك، والمقضى كائن. فما تضاحى النهار حتى وقع الصوت بين الخيم بموت السلطان، وذلك يوم السبت السادس من ذى القعدة. وعند ذلك ركب طرنطاى، وطلب الحجاب، وأمرهم أن يعرفوا الأمراء أن يركب كل أمير ويقف مكانه، ولا يتعدّاه حفظا لأحوالهم، ثم طلب الطواشى مرشد، مقدم المماليك السلطانية، ورسم له أن يركب وصحبته المماليك السلطانية، وأن يكونوا مع ولد السلطان بالقلعة. فركب الطواشى، وركبت المماليك معه، وتوجهوا إلى القلعة، فوافوا الأشرف خليل وهو نازل من القلعة، وعرفه الطواشى بموت السلطان، فرجع إلى القلعة. وأقام الأمير طرنطاى هناك إلى المغرب، حتى شالوا الخزانة، والأطلاب جميعها وأرسلهم إلى القلعة، ثم حمل السلطان فى تابوت إلى أن أدخل القلعة،وظل بالقصر فى قاعته الكبرى حتى غسّل ودفن بتربته ببين القصرين (¬١). ودفن بتربته يوم العاشر من ذى القعدة بمدرسته المذكورة (¬٢) التى ليس بمصر ولا الشام شبيها لها، فإنها تربة ودار حديث ومارستان وقبة ومدرسة للمذاهب الأربعة - كما ذكرنا (¬٣). كان جلوسه على التخت يوم الأحد الحادى والعشرين من شهر رجب (¬٤) سنة ثمان وسبعين وستمائة، فيكون له فى ملكه إحدى عشرة سنة وثلاثة أشهر (¬٥) وأيام، وخلّف من الأولاد الذكور ثلاثة وهم: الملك الأشرف صلاح الدين خليل،والملك الناصر محمد، وأحمد ولد بعد موته (¬١) ومات فى دولة أخيه الأشرف. ومن الإناث بنتين إسم إحديهما: التطمش [وتعرف بدار مختار، وأختها دار عنبر] (¬٢). وكان وسيما جسيما، حسنا، قيّما، تاما، نبيلا، حليما، جميلا، من أحسن الناس صورة وأكثرهم هيبة، تعلوه جلالة وحشمة ووقار، وعليه مهابة وحرمة. وأما جنسه فهو من خالصة القفجاق (¬٣) [٤] من القبيلة المعروفة ببرج أغلى (¬٤). وكان قد اشترى مماليكا كثيرة حتى بلغت عدتهم إثنى عشرة (¬٥) ألفا، وقيل سبعة آلاف وهو الأصح (¬٦)، وكان قد أمرّ منهم ثلاثة آلاف وسبعمائة مملوك من الجراكسة (¬٧)، وأسكنهم فى أبراج القلعة وسمّاهم البرجية، وأقام نوابه فى البلدان من مماليكه الذين أمرهم، وهم الذين غيروا ملابس الأمراء الماضية (¬٨)، ولبسوا أحسنالملابس، لأن فى الدوله الصلاحية (¬١) كانوا يلبسون كلوتات (¬٢) صفرا مضربة بكلبندات (¬٣) بغير شاشات (¬٤)؛ وشعورهم مضفورة دبابيق (¬٥) فى أكياس حرير ملون أصفر وأحمر، وكان فى خواصرهم بنود ملونة، أو بعلبكية عوض الحوائص (¬٦)، وأكمام أقبيتهم (¬٧) ضيقة على زى ملابس الفرنج، وأخفافهم (¬٨) برغالى أو سقامين (¬٩)، ومن فوققماشهم كمرات (¬١) بحلق وإبزيم (¬٢)، وصوالقهم (¬٣) كبار، يتسع كل صولق نصف ويبة (¬٤) أو أكثر، ومنديلهم كبار طوله ثلاثة أذرع، فأبطل المنصور ذلك كله بأحسن منه. وكانت الخلع للأمراء المقدمين الأكابر الخاصة (¬٥)، فخصص السلطان الملك المنصور من الأمراء بلبس [٥] طرد وحش (¬٦)، وهم خشداشيته (¬٧) أربعة أنفس، وهم: سنقر الأشقر (¬٨)، وبيسرى (¬٩)، والأيدمرى (¬١٠)، والأفرم، وباقى الأمراءالخاصكية (¬١)، والبرانيينّ (¬٢) بلبس المروزى، والطبلخانات بالملون، والعشرات بلبس العتابى (¬٣). وكان يباشر أحوال مماليكه بنفسه حتى أنه كان فى غير يوم الخدمة (¬٤) يوضع له كرسى ويخرج أهل كل طبقة إلى الرحبة فيلعبون بالرمح، ولهم معلمون، ثم إذا فرغوا من ذلك يتصارعون إلى الظهر، فإذا صلوا الظهر نزلوا مع الخدام لرمى النشاب، وهذا كان دأبهم دائما، ورزق فيهم السعادة بحسن نيته وحسن تدبيره ورأيه، فلذلك لم تزل السلطنة إلى يومنا هذا فى بيته وحاشيته (¬٥). وله من الفتوحات من القلاع التى بيد الإفرنج: المرقب، وجبلة، واللاذقية، وطرابلس، وأخذ من أولاد الظاهر: الكرك، والشوبك.وأبطل مظالم كثيرة منها: زكاة الدولة (¬١)، كانت تؤخذ من كل من كان عرف عنده مال الزكاة، ولو هلك ماله، أو مات، تؤخذ من ورثته بالضرب والحبس. ومنها ما كان يؤخذ من أهل الذمة عن كل واحد دينار - غير الجالية (¬٢) - برسم نفقات الجند، فأبطله. ومنها ما كان يؤخذ من التجار عند سفر العسكر للغزاة عن كل تاجر دينار، فأبطله. ومنها ما كان يجبى من الناس على قدر معايشهم إذا حضر مبشر بأخذ حصن أو بنصرة المسلمين، فأبطله. ورثاه جماعة من الشعراء، فقال بعضهم أبياتا يرثيه بصدورها ويهنّئ ولده الأشرف بأعجازها: إن أوجع الدهر القلوب وأحزنا … فلقد تدارك بالمسرّة والهنا خطب عظيم جاءنا من بعده … فرح أزال صباحه ظلم العنا (¬٣) بمنية المنصور شاهدنا الرّدى … لكن شهدنا فى ابنه كلّ المنىفلئن أساء الدّهر فيه فإنّه … بالأشرف الملك المؤيّد أحسنا يا راحلا أبكى العيون تركت من … ملأ القلوب مسرة والأعينا أحسنت ثم تركت فينا محسنا … فجزيت خيرا غاب شخصك أم دنا يا سيف (¬١) … دين الله إن فّلتك عن بعض المراد كؤوس حين تحننا (¬٢) أبشر فقد خلّقت بعدك صارما … ما أنفلّ عن نيل المراد ولا انثنى وانعم بمقعدك الكريم فملك من … خلفّته أبدا يزيد تمكّنا (¬٣)