بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 700, entry [271]6,621 chars
ذكر تجهيز السلطان للسّفر إلى الشّام: ولما تواترت الأخبار لمجئ التتار، ومال سنقر الأشقر إلى الصلح والإنقياد والرجوع عما هو فيه، تأهّب السلطان الملك المنصور للسفر إلى جهة الشام، وفوض السلطنة لولىّ عهده ولده الملك الصالح علاء الدين علىّ (¬٢)، وذلك بعد أن جمع الأمراء الكبار، وعرض عليهم تفويض السلطنة إلي…
▸ expand full passage (6,621 chars)ذكر تجهيز السلطان للسّفر إلى الشّام: ولما تواترت الأخبار لمجئ التتار، ومال سنقر الأشقر إلى الصلح والإنقياد والرجوع عما هو فيه، تأهّب السلطان الملك المنصور للسفر إلى جهة الشام، وفوض السلطنة لولىّ عهده ولده الملك الصالح علاء الدين علىّ (¬٢)، وذلك بعد أن جمع الأمراء الكبار، وعرض عليهم تفويض السلطنة إليه، والكل رضوا بذلك، وفرحوا على ذلك، واتفقت آراؤهم عليه، فعند ذلك ركب بشعار السلطنة (¬٣)، وشقّ المدينة، وطلع القلعة، وجلس على مرتبته، وكتب له تقليد شريف نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم، [وبه أثق] (¬٤). الحمد لله الذى شرّف [سرير] (¬٥) الملك بعليه، وحاطه منه بوصيّه، وعضد منصوره بولاية عهد مهديّه، وأسمى حاتم جوده بمكارم حازها بسبق عديّه، وأبهجخير الآباء بخير (¬١) الأبناء بمن يسمو أبيه (¬٢) منه تشريف الخلق أبيّه، وغدّى روضه بمتابعة وسميّه ومسارعة وليّه، نحمده على نعمه التى جمعت إلى الزهر الثمر، وأضافت إلى نور الشمس هداية القمر، وداركت بالبحر وباركت فى النهر، وأجملت المبتدأ وأحسنت الخبر، وجمعت فى لذاذة الأوقات وطيبها بين رقّة (¬٣) الآصال ورقّة البكر، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تلبس الألسنة منها فى كلّ ساعة جديدا، وتتفيّأ منها ظلاّ مديدا، ويستقرب منها من الآمال ما يراه سرابا (¬٤) بعيدا، ونصلى على سيدنا محمد الذى طهّر الله به هذه الأمة من الأدناس، وجعلها بهدايته زاكية الغراس، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين منهم من فهم حسن استخلافه (¬٥) بالأمر له بالصلاة بالناس، ومنهم من بنى الله به قواعد الدين وجعله [٦٥٩] موطّد الأساس، ومنهم من جهّز العسرة وواسى بماله حين الضّراء والبأس، ومنهم من قال عنه ﷺ: «لأعطينّ الراية غدا رجلا يحبّه الله ورسوله ويحبّ الله ورسوله» فحسن الالتماس بذلك الاقتباس، وزاد فى شرفه بأن طهّر أهل بيته وأذهب عنهم الأرجاس، صلاة لا تزال تردد تردّد الأنفاس، ولا تبرح فى الإناء حسنة الإيناس.وبعد: فإن خير من شرفت مراتب السلطنة بحلوله، وفوقت ملابس التحكيم لقبوله، ومن يزهى مطالع الملك بإشراقه، وتتبادر الممالك مذعنة لاستحقاقه، ومن يزدهى به ملك منصوره، نصره الله، موطده وولى عهده، مكنه الله بأبيه، ومن يتشّرف إيوان عظمة إن غاب والده فى مصلحة الإسلام، فهو صدره، وإن حضر فهو ثانيه، ومن يتحمل غاب الإيالة منه بخير شبل كفل ليثا، ويتكمل غوث الأمة بخير وابل خلف غيثا، ومن ألهم الأخلاق الملوكية وأوتى حكمها صبيّا، ومن خصّصته أدعية الأبّوة الشريفة بصالحها ولم يكن بدعائها شقيّا، ومن ترفّعت (¬١) به هضبة الملك حتى أمسى مكانها عليّا، ومن هو أحقّ بأن ينجب الأمل فيه وينجح، وأولى بأن يتلى له أخلفنى فى قومى وأصلح، ومن هو بكل خير ملىّ، ومن إذا فوّضت إليه أمور المسلمين كان أشرف من لأمورهم يلى، ومن يتحقق من والده الماضى الغرار ومن اسمه العالى المنار أن لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا على. ولما كان المقام العالى الولدى السلطانى الملكى الصالحىّ العلائى عضد الله به الدين، وجمع إذعان كل مؤمن على إيجاب طاعته لمباشرة أمور المسلمين، حتى يصبح وهو صالح المؤمنين، هو المرجوّ لتدبير هذه الأمور، والمأمول لمصالح البلاد والثغور، والمدّخر من النصر لشفاء ما فى الصدور، والذى تشهد الفراسة لأبيه وله بالتحكم أليس الحاكم أبو على هو المنصور، فلذلك اقتضت الرحمة والشفقة على الأمة أن ينصب لهم ولىّ عهد يتمسكون من الفضل بعروة كرمه، ويسعونبعد التطواف بكعبة أبيه لحرمه، ويقتطفون أزاهر العدل [٦٦٠] وثمار الجود من قلمه وكلمه، وتستسعد الأمّة منه بالملك الصالح الذى تقسم الأنوار بجبينه وتقسم المبارّ من كراماته وكرمه. فلذلك خرج الأمر العالى المولوى السلطانى الملكى المنصورىّ أخدمه الله القدر، ولا زالت الممالك تتباهى منه ومن ولىّ عهده بالشمس والقمر، أن يفوّض إليه ولاية العهد، وكفالة السلطنة الشريفة، ولاية تامّة عامّة شاملة كاملة جامعة وازعة قاطعة ساطعة شريفة منيفة عطوفة رءوفة لطيفة عفيفة فى سائر أقاليم (¬١) الممالك الشريفة، وعساكرها وجندها، وتركمانها وأكرادها، ونوابها وولاتها، وأكابرها وأصاغرها، ورعاياها ورعاتها، وحكامها وقضاتها وسارحها وسانحها، بالديار المصرية وثغورها وأقايمها وبلادها، وما احتوت عليه، والمملكة الحجازية وما احتوت عليه، ومملكة النوبة وما احتوت عليه، والفتوحات الصفديّة، والفتوحات الإسلاميّة الساحليّة وما احتوت عليه، والممالك الشاميّة وحصونها وقلاعها ومدنها وأقاليمها وبلادها، والمملكة الحمصيّة، [والمملكة الحصنية] (¬٢) الإكراديّة والجبلبّة وفتوحاتها، والمملكة الحلبيّة وثغورها وبلادها وما احتوت عليه، والمملكة الفراتيّة وما احتوت عليه، وسائر القلاع الإسلامية برّا وبحرا، سهلا ووعرا، شاما ومصرا، يمنا وحجازا، شرقا وغربا، بعدا وقربا، وأن يلقى إليهمقاليد الأمور فى هذه الممالك الشريفة، وأن تستخلفه سلطنة والده - خلّد الله دولته - لمشاهد الأمّة منه فى وقت واحد سلطانا وخليفة، ولاية [و] (¬١) استخلافا، تسندهما الرّواة، وتترنّم بهما الحداة، وتعيهما الأسماع، وتنطق بهما الأفواه، وتفويضا يعلن لكافة الأمم، ولكل ربّ سيف وقلم، ولكل ذى علم وعلم، بما قاله ﷺ لسميّه، رضى الله عنه، حين أولاه من الفخار ما أولاه، من كنت مولاه، فعلىّ مولاه، فلا ملك إقليم إلا وهذا الخطاب يصله ويوصله، ولا زعيم جيش إلا وهذا التفويض يسعه ويشمله، ولا إقليم إلا وكل من به يقبله ويقبّله، ويتمثّل بين يديه ويمتثله، ولا منبر إلا وخطبته تتلو فرقان هذا [٦٦١] التقدّم وترتّله. وأما الوصايا فقد لقّنا (¬٢) ولدنا وولىّ عهدنا منها ما انطبع فى صفاء ذهنه وسرت تغذيته فى نماء غصنه، ولا بدّ من لوامع وصايا للتبرك بها فى هذا التقليد الشريف تنير، وجوامع يصير الخبر بها حيث تصير، وودائع تنبئك بها يا ولدنا، أعزّنا الله ببقائك، ولا ينبئك مثل خبير. فاتق الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وانصر الشرع فإنك إذا نصرته نصرك الله على عدا الدين وعداك، وأفض العدل مخاطبا وكاتبا حتى تستبق إلى الإيعاز به لسانك ويمناك، وامر بالمعروف وأنه عن المنكر عالما أنه ليس يخاطبغدا بين يدى الله تعالى عن ذلك سوانا وسواك، وأنه نفسك عن الهوى حتى لا يراك حيث نهاك، وحط الرعيّة، ومر النواب بحملهم على القضايا المرعيّة، وأقم الحدود وجنّد الجنود، وأبعثها برّا وبحرا من الغزو إلى كلّ مقام محمود، واحفظ الثغور، ولاحظ الأمور، وازدد بالاسترشاد بآرائنا نورا على نور، وأمراء الإسلام الأكابر وزعماؤه، فهم بالجهاد والذبّ عن العباد أصفياء الله وأحبّاؤه، فضاعف لهم الحرمة والإحسان، واعلم أن الله قد اصطفانا على العالمين وإنّما القوم إخوان، لا سيّما أولى السعى الناجح، والرأى الراجح، ومن إذا فخروا بنسبة صالحيّة قيل لهم نعم السلف الصالح، فشاورهم فى الأمر، وحاورهم فى مهمات البلاد فى كل سرّ وجهر، وكذلك غيرهم من أكابر الأمراء الذين من بقايا الدول: وذخائر الملوك الأول، أجرهم هذا المجرى، واشرح لهم بالإحسان صدرا، وجيوش الإسلام هم البنان والبنيان (¬١) فوال إليهم الامتنان، واجعل محبتك فى قلوبهم بإحسانك إليهم حسنة المربّى، وطاعتك فى عقائدهم وقد شغفتها (¬٢) حبّا ليصبحوا لك بحسن نظرك إليهم طوعا، وليخصّك كل جنس من التقرّب إليك بالمناصحة نوعا، والبلاد وأهلها فهى وهم عندك الوديعة، فاجعل أوامرك بها بصيرة ومنهم سميعة، وأما غير ذلك من الوصايا فسنخلك منها بما نشأمعك توأما، ويلقّنك من آياتها محكما فمحكما، [٦٦٢] والله تعالى ينمى؟؟؟ هلالك حتى يوصله إلى درجة الإبدار، ويغدّى غصنك حتى تراه قد أينع بأحسن الأزهار وأينع الثمار، ويرزق سعادة سلطاننا الذى نعتّ به تبرّكا،ويلهمك الاعتضاد بشيعته والأستنان بسنته حتى تصبح لتمسّكنا بذلك متمسّكا، ويجعل الرعيّة بك فى أمن وأمان وعدل وإحسان حتى لا تخشى سوءا ولا تخاف دركا (¬١). وقرئ هذا التقليد فى الإيوان الكاملىّ بالقلعة، وأفيضت الخلع على الأمراء والمقدّمين والوزراء والمتعمّمين، وانقضى المجلس من قراءته والناس قد عجلوا بالدعاء الصالح للمنصور والصالح.