بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 257, entry [90]3,520 chars
ذكر سلطنة الملك الظّاهر وهو الأسد الضارى بيبرس البندقدارىّ. ولما وصل بيبرس، وهو والجماعة الذين قتلوا الملك المظفر المذكور إلى الدهليز، كان عند الدهليز نائب السلطنة فارس الدين أقطاى المستعرب، وهو الذى كان أتابكا لنور الدين على بن الملك المعزّ أيبك التركمانى بعد الحلبىّ، فلما تسلطن قطز أقرّه على نيابة…
▸ expand full passage (3,520 chars)ذكر سلطنة الملك الظّاهر وهو الأسد الضارى بيبرس البندقدارىّ. ولما وصل بيبرس، وهو والجماعة الذين قتلوا الملك المظفر المذكور إلى الدهليز، كان عند الدهليز نائب السلطنة فارس الدين أقطاى المستعرب، وهو الذى كان أتابكا لنور الدين على بن الملك المعزّ أيبك التركمانى بعد الحلبىّ، فلما تسلطن قطز أقرّه على نيابة السلطنة بالديار المصريّة، فلما وصل بيبرس البندقدارىّ مع الجماعة الذين قتلوه سأله أقطاى المستعرب. وقال: من قتله منكم؟ فقال بيبرس: أنا قتلته. قال أقطاى: ياخوند اجلس فى مرتبة السلطنة مكانه، فجلس واستدعيت العساكر للتحليف، فحلفوا له فى اليوم الذى قتل فيه قطز، [وهو سابع عشر ذى القعدة من هذه السنة، أعنى سنة ثمان وخمسين وستمائة (¬١)] واستقر بيبرس فى السلطنة، وتلقب بالملك القاهر، ثم بعد [٤٤٣] ذلك غيّر لقبه، وتلقّب بالملك الظاهر، لأنه بلغه أن القاهر لقب غير مبارك. وكان بيبرس هذا قد سأل من قطز نيابة حلب، فلم يجبه إليها، ليكون ما قدر الله تعالى، فكأنّ القدر قال له حين سأل نيابة حلب: لا تستعجل فإنك عن قريب تتولى السلطنة، ولما حلف الناس له بالصالحية، ساق فى جماعة من أصحابه وسبق العسكر إلى قلعة الجبل، ففتحت له ودخلها، واستقرّت قدمه فى المملكة.وكانت مصر والقاهرة قد زينتا لقدوم الملك المظفر قطز، فاستمّرت الزينة للملك الظاهر بيبرس البندقدارى (¬١)، فسبحان الله الفعال لما يريد. وقال ابن كثير: ولما قتل الأمراء السلطان المظفر قطز حاروا فيما بينهم لمن يملكون عليهم، وصار كل واحد منهم يخشى غائلة ذلك، وأنه يقتل سريعا (¬٢)، ثم اتفقت كلمتهم على أن بايعوا الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارىّ، ولم يكن من أكابر المقدمين ولكن أرادوا أن يجرّبوا فيه، ولقبوه الملك القاهر، فقال له الوزير: إن هذا اللقب لم يفلح من تلقب به، فقد تلقب به القاهر بن المعتضد، فلم تطل أيامه حتى خلع وسمل، وتلقب به القاهر بن صاحب الموصل، فسمّ فمات (¬٣). قلت: لما قتل الأمير بيدرا السلطان الملك الأشرف خليل بن الملك المنصور قلاون على الطرانة، كما يجئ فى موضعه، تسلطن وتلقب بالملك القاهر، وضربت رقبته من يومه. ولما سمع بيبرس بذلك عدل عن القاهر إلى الملك الظاهر. وقال بيبرس فى تاريخه: استقرّ الملك الظاهر فى السلطنة يوم قتل المظفر وهو يوم السبت السابع عشر من ذى القعدة من هذه السنة (¬٤)، وطلع القلعة سحر يوم الإثنين التاسع عشر منه، وابتدأ بأخلاف الأمراء والأكابر وسائر العساكر والوزراء والحكام وأرباب الوظائف والأقلام على الإختلاف فى مراتبهموطبقاتهم، فحلفوا جميعا، وصرف همته إلى تدبير دولته وتمهيد مملكته واستمالة الخواطر واستجلاب قلوب الأكابر [٤٤٤] والتحيل على من تجب الحيلة عليه، والترغيب لمن تميّله الرغبة إليه، وانقضت هذه السنة ولم يركب موكب السلطنة حتى وكّد الأسباب، وسدّ ما يخاف فتحه من الأبواب (¬١). وقال بيبرس أيضا: لما قتلوا قطز كانت أوائل العسكر قد وصلت إلى المنزلة، ولم يشعروا بما كان، ولا علموا بعدم السلطان، ثم لما نزل الأمراء الذين قتلوه وتشاوروا فيمن يقوم بالأمر وتردّد الكلام بينهم، فمنهم من يظهر الامتناع ومنهم من يأبى الاستماع، فقال لهم الأمير فارس الدين أقطاى الأتابك المستعرب: من هو الذى علاه بسيفه وعاجله أولا بحتفه؟ فقالوا: الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارى. فقال: الضارب الأول أولى، ونحن نراه للملك أهلا، فأجمعوا رأيهم عليه وأجلسوه على الطراحة الملوكيّة، ووقفوا بين يديه، ورأوا أن المصلحة فى السرعة وطلوع القلعة قبل أن يفش الأمر، ويشعر به خوشداشية المظفر وإلزامه، فربما ينتقض ما أبرم أحكامه، فركبوا مسرعين، وساروا سابقين، وقدّموا الأمير عزّ الدين أيدمر الحلّى ليسبقهم إلى القلعة، فيستفتح لهم الأبواب ويستصلح النّواب، فسبق وطلع إليها، وتحدث مع الأمراء المقيمين بها، وأعلمهم أن المظفر قد قتل، والبندقدارىّ قد ملك، ووصل، وأن اتفقوا على الرضى به والحلف له، فاستحلفهم الأيمان المؤكّدة، وقرّر معهم القاعدة، وأقبل الركن البندقدارىّ، فتوقل غارب قلّتها (¬٢)، وتسنّم كاهلذروتها، بغير ممانع يمانعه، ولا معارض يعارضه، ورحل العسكر من تلك المنزلة على الإثر وقد تنسّموا أنفاس الخبر، فوصلوا إلى القاهرة والحل قد استتمّ، والظاهر قد استقرّ له الملك وانتظم (¬١).