بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 163, entry [59]4,519 chars
ذكر أخذ هلاون بن طلو خان بن جنكز خان مدينة بغداد وقتله الخليفة المستعصم بالله: وفى أول هذه السنة قصد هلاون بعساكر التتار بغداد، وسار إليها فنازلها، وكان معه من المقدّمين الأكابر: كوكك نوين، وألكان نوين، وكتبغا نوين، وقد غان نوين، وهلاجو نوين، ومر كديه نوين، وصغون حاق، ومن الملوك داود ملك الكرج بجيشه…
▸ expand full passage (4,519 chars)ذكر أخذ هلاون بن طلو خان بن جنكز خان مدينة بغداد وقتله الخليفة المستعصم بالله: وفى أول هذه السنة قصد هلاون بعساكر التتار بغداد، وسار إليها فنازلها، وكان معه من المقدّمين الأكابر: كوكك نوين، وألكان نوين، وكتبغا نوين، وقد غان نوين، وهلاجو نوين، ومر كديه نوين، وصغون حاق، ومن الملوك داود ملك الكرج بجيشه، وأرسل إلى بيجو يستدعيه ليشهد هو ومن معه المحاصرة ويستكثرهم فى المحاصرة، فلما وصل إليه الرسول أزمع التأخير واستشار الأمراء الذين معه فى ذلك، وهم: أرسلان جوبان، وصرمون نوين، وانكراث، فأبوا إلا التوجّه إلى هلاون، فاضطرّه الأمر إلى المسير إليه، إلا أنهأرسل يخبر هلاون بأنّ جمعا كثيرا من القراسلية (¬١) والأكراد والياروقية قد جمعوا لهم فى الطرقات، ومقدمهم شرف الدين بن بلاش، وأنهم أخذوا عليهم المضيق، وسدّوا دونهم الطريق، ولا سبيل لهم إلى الخروج [٣٩١] من حدود ديار بكر، وقصد بيجو بذلك المدافعة؛ إذ لم يجد سبيلا إلى الممانعة، فجهز هلاون تومانين (¬٢) من التوامين الذى صحبته، أحدهما: مقدّمه قدغان، والآخر: كتبغا نوين ليفتحا الطرقات لهم، ويزيحا عنها الأكراد وغيرهم، وفى أثناء ذلك أتقع الأكراد (¬٣) والقراسل وقعة عظيمة، وجفل (¬٤) منهم أهل أرزنجان، وتحصّنوا بجبل أرزن سور، فلما وصل التتار إلى أرزنجان تسلّموها، وحاصروا كماخ (¬٥)، وكسروا الأكراد، وسبوا منهم وقتلوا، وأقام قدغان وكتبغا حتى وصل إليهم بيجو وخجا نوين ومن معهما، وتوجهوا جميعا إلى هلاون، فنزل بيجو ومن معه بالجانب الغربى من بغداد، وهلاون ومن معه بالجانب الشرقى، وحاصروا بغداد أشدّ الحصار.ولما أحاطوا بها، وخيّموا حولها، خرج إليهم عسكرها بعدد وعدده، وحشده ومدده، صحبة مجاهد الدين أيبك الدوادار الصغير (¬١)، وكان له شأن عظيم، وقدر جسيم، وكان مقدّما على عشرة آلاف فارس، فندبه الخليقة لقتال التتار، وكان فى مقدمتهم صغون حاق بتمانه، فلما التقى المسلمون معهم كانت الكسرة على التتار، فولّوا الأدبار، وتبعهم الدوادار، سحابة ذلك النهار، وقتلوا منهم خلقا كثيرا، وجما غفيرا. وحجز بينهم الليل، فكفّت المسلمون الذين معتقدين أنهم قد استظهروا، ولأعدائهم قهروا، فلما أصبحوا لم يشعروا إلا وقد تراجع التتار إليهم، وحملوا عليهم، فكسروهم وهزموهم، لأن أكثرهم كان قد تسّلل فى الليل إلى المدينة موقنا بالنصرة. فلما تمت هذه الكسرة، ولّى المنهزمون ليرجعوا إلى بغداد، فحال بينهم وبينها بثق انبثق فى تلك الليلة، وساحت منه مياه دجلة، وشملت الطرق والمسالك، وأدركت العسكر، فأغرقت بعضهم هنالك. وقتل التتار مجاهد الدين أيبك الدوادار وولده أسد الدين، وكان مقدّما على خمسة آلاف فارس، وسليمان بن برجم (¬٢) أمير علم الخليفة، وجماعة من الأمراء البغاددة، وأعيان العسكر، وأسروا خلقا.وأما هؤلاء الثلاثة فإنهم حملوا رءوسهم [٣٩٢] إلى الموصل، ونصبوها على باب المدينة ترهيبا لصاحبها، وتخويفا لأهلها. وارتاع الخليفة أشدّ ارتياع، وأخذت أسبابه فى الانقطاع، وأصبح لا يدرى، وإن كان حازما أقدامه خير أم وراءه، وأغلقت أبواب مدينة بغداد، فأحاط بها التتار وضايقوها بالحصار، فافتتحوها عنوة، ودخلوها غدوة فى العشرين من محرم هذه السنة، فبذلوا فى أهلها المناصل، وأوردوهم من حياض الموت أمرّ المناهل، وأكثروا الأيامى واليتامى والأرامل، ولم يرحموا شيخا كبيرا، ولا طفلا صغيرا (¬١). وفى تاريخ النويرى: وكان سبب ذلك أن وزير الخليفة مؤيد الدين بن العلقمى كان رافضيا، وكان أهل الكرخ روافض (¬٢) فجرت فتنة بين السنة والشيعة ببغداد على جارى عادتهم فى السنة الماضية، فأمر أبو بكر (¬٣) ابن الخليفة وركن الدين الدوادار العساكر، فنهبوا الكرخ، وهتكوا النساء، وركبوا فيهن الفواحش، فعظم ذلك على الوزير ابن العلقمى، وكاتب التتار وأطمعهم فى ملك بغداد، وكان عسكر بغداد مبلغ مائة ألف فارس، فقطعهم المستعصم ليحمل إلى التتار متحصلإقطاعاتهم، وبقى عسكر بغداد دون عشرين ألف فارس، وأرسل ابن العلقمى إلى التتار [أخاه (¬١)] يستدعيهم، فساروا قاصدين بغداد فجرى ما جرى (¬٢). وقال ابن كثير فى تاريخه: وأحاطت التتار بدار الخلافة، يرشقونها بالنشاب (¬٣) من كل جانب، حتى أصيبت جارية كانت تلعب بين يدى الخليفة وتضحكه، وكانت من جملة الحظايا، وكانت مولدة تسمى عرفة، جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها وهى ترقص بين يدى الخليفة، فانزعج الخليفة من ذلك [وفزع فزعا (¬٤)] شديدا، وأحضر السهم الذى أصابها بين يديه، فإذا عليه مكتوب: إذا أراد الله إنفاذ قضائه وقدره (¬٥) سلب ذوى العقول (¬٦) عقولهم، فأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الاحتراز، وكثرت الستائر على دار الخلافة (¬٧)، وكان قدم هلاون بجنوده كلها، وكانوا نحوا من مائتى ألف مقاتل فى ثانى عشر المحرم من هذه [٣٩٣] السنة، وهو شديد الحنق على الخليفة بسبب ما كان ما تقدم من الأمر الذى قدره الله وقضاه، وهو أن هلاون لما كان أول بروزه من همدان متوجها إلى العراق أشار الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمى على الخليفة بأن يبعث إليه بهدايا سنية ليكون ذلك مداراة له عما يريده من قصد بلادهم، فخذل الخليفة عن ذلك دوادارهأيبك وغيره، وقالوا: إن الوزير إنما يريد بهذا مصانعة ملك التتار بما يبعثه إليهم من الأموال، وأشاروا بأن يبعث بشئ يسير، فأرسل شيئا من الهدايا، فاحتقره هلاون، وأرسل إلى الخليفة يطلب منه دواداره المذكور وسليمان شاه، فلم يبعثهما إليه، ولا بالى به حتى أزف قدومه، ووصل إلى بغداد بجنوده الكثيرة الكافرة الفاجرة، فجرى ما جرى (¬١).