full passagepage 1796, entry [1254]22,335 chars
العباس بن مِرْدَاس السُّلَمي العباس بن مِرْدَاس السُّلَمي"شاعر حُنَيْن"، من الشخصيات البارزة في بني سُلَيْم في الجاهلية والإسلام، هو فارس وشاعر ومن أسرة مرموقة في قومه، وفي يوم حوزة كان شابًّا في مقتبل العمر متميزًا بالحسن، والحسنْ في فتيان بني سُلَيْم صفة مشهورة، وأبوه مِرْدَاس وأمه الخنساء أشهر شو…
▸ expand full passage (22,335 chars)▾ collapse
العباس بن مِرْدَاس السُّلَمي العباس بن مِرْدَاس السُّلَمي"شاعر حُنَيْن"، من الشخصيات البارزة في بني سُلَيْم في الجاهلية والإسلام، هو فارس وشاعر ومن أسرة مرموقة في قومه، وفي يوم حوزة كان شابًّا في مقتبل العمر متميزًا بالحسن، والحسنْ في فتيان بني سُلَيْم صفة مشهورة، وأبوه مِرْدَاس وأمه الخنساء أشهر شواعر العرب، وأبعدها صيتًا في الحسب والنسب والأدب. وأمه مخضرمة أدركت طرفًا من الجاهلية وأدركت الإسلام، وأسلمت وحسن إسلامها، وهو مثلها في هذه الشمائل. وقيل: بل أمه هند بنت سِنَّة بن سنان بن جارية بن عبد السُّلَمية ولدت (يزيد ذا الرمحين، وهُريمًا، وسراقة، وأنسًا، وهبيرة، وعباسًا) بني مِرْدَاس بن أبي عامر السُّلَمي (¬٢). كان لوالد العباس الذي هو "مِرْدَاسِ" صنم اسمه ضماد أو ضِمار (¬٣)، ولما حضرت الوفاة مرداسًا أوصى (العباسَ) به وبعبادته والقيام عليه، فجعل العباس يأتيه في كلّ يوم وليلة مُرّة، فلما ظهر أمر رسول الله ﷺ قال العباس: (سمعت صوتًا في جوف الليل راعني، فوثبت إلى ضماد فإذا الصوت في جوفه يقول:قل للقبائل من سُلَيْم كلها … هلك الأنيِسُ وعاش أهلُ المسجد إن الذي ورث النبوة والهدى … بَعْدَ ابْنِ مريم من قُرَيْشٍ مُهتدي أوْدَى الضِّماد وكان يُعْبَد مرّة … قبل الكتاب إلى النَّبِيِّ "محمد" قال: فكتمت النّاس ذلك، فلم أُحَدِّتْ به أحدًا، حتى انقضت غزوة الأحزاب، فبينما أنا في إبلي في طرف العقيق، وأنا نائم، إذ سمعت صوتًا شديدًا، فرفعت رأسي، فإذا أنا برجل على حيالي، بعمامة، يقول: (إن النور الذي وقع بين الإثنين وليلة الثلاثاء، مع صاحب الناقة العضباء، في ديار بني أخي العنقاء)، فأجابه طائف عن شماله لا أبصره، فقال: بَشِّرِ الجن وأجناسها، إن وضعت المطيُّ أحلامها، ووكفت السماء أحراسها، أن بعض السوق أنفاسها). قال العباس: "فوثبت مذعورًا، وعرفتُ أن محمدًا رسول الله ﷺ مُصطْفىً، فركبتُ فرسي وسرتُ حتى انتهيتُ إليه، فَبَايَعْتُه وأسلمتُ، وانصرفتُ إلى ضماد فأحرقته بالنار". وقصة الهاتف الذي سمعه العباس بن مِرْدَاس من جوف الصنم، وقصة الهاتف الآخر الذي سمعه ولم يره، فيما بعد، مُبَشِّرين برسالة محمد ﷺ، تتفق كلتا القصتين مع ثبوت وجود العالم غير المنظور - بالنسبة لأبصارنا نحن البشر - وآيةُ ذلك أن هنا في افاقنا وفي أجوائنا ملايين المخلوقات الصغرى جدًّا، التي لا نراها نحن البشر بأبصارنا المجردة، وقد ظلت أُلوفَ السنين مجهولة الوجود لدى بني الإنسان قاطبة مع شدة التصاقها بأجسامهم وأبصارهم وشدة تأثيرها الإيجابي والسلبي على ص حتهم وفي مآكلهم ومشاربهم، فلما هيأت المقادير لبعض بني الإنسان أن يخترعوا "المجاهر المُكبِّرةَ" أبصروا هذا العالم المتموج واستكشفوا وجوده بالوسائط المجهرية التي اخترعوها والتي بَصَّرتهم به من كثب، جعد جهل مطبق بوجودها وحيويتها يتصاعد في القدم إلى أجيال البشرية الأولى، ويقاس على وجود هذه المخلوقات الصغرى "الذَّرَّةُ" التي بدأت في عصرنا الحديث تفعل الأفاعيل الكبرى" وهي لا تُرى بالعين المجردة، وما كان يتحقق وجودها وعظم مفعولها قبل استكشاف الأجهزة التي تجليها وتؤثر في كيانها، ومثلها هذه الكهرباء أيضًا التي تعطينا النور المتوهج وتقوم بشتى الأفعال، فوجود عوالم غير منظورة لنانحن البشر واختفاؤها عن حواسنا ومدركاتنا لا ينافي وجودها ولا يقتضي عدم وجودها، وأعني بهذه العوالم الخفية من مُحَسَّاتنا البصرية: الملائكة والجن، وما جاز على المثل - من ناحية الاختفاء عن أبصارنَا مع ثبوت الوجود - يجوز على المماثل، وما دامت الجراثيم قد ثبت وجودها على أرضنا وثبتت حياتها معنا وحولنا وفوقنا وتحتنا، وثبت أننا كنا في جهل مطبق حيال وجودها وتكاثرها المريع على سطح الأرض مع أنَّها حيوان مثلنا، فبالأحرى أن يثبت لدينا وجود الملائكة والجن، برغم عدم رؤية أبصارنا لها، إذ عدم رؤيتنا للجراثيم والذرة والكهرباء ثبت أنه لا ينهض دليلًا على عدم وجودها، بل ثبت أنه قام دليلًا على عدم وجودها، وما ينطبق على الجراثيم الحيوانية المائجة حولنا ينطبق على ما هو أبلغ منها شفوفًا وروحانية وخفاءً عن الأبصار البشرية، وما صنعته أيدي النّاس وعقولهم من الآلات هو الذي كشف لهم بأخَرَةٍ عالم الجراثيم الصغير الكبير الخطير، فالملائكة والجن أشف كيانًا من الجراثيم وأعمق استتارًا من الجراثيم عن العيون وعن وسائل الإدراك البشرية المادية؛ ولذلك يراهم صفوة الخَلْق من الأنبياء، ويرى الجِنَّ ذوو الشفافية الروحانية وبالمناسبات إذا تشكلوا بأشكال غير أشكالهم الطبعية المبالغة الشفوف والاحتجاب. وعباس بن مِرْدَاس لا يوجد سبب مادي أو أدبي يدعوه إلى اختلاق هذه القصة، فإنه إذا أراد، آمن بالرسول ﷺ لمجرد تصديقه برسالته، كما فعل كثير غيره من مشركي العرب الذين ضربوا بالشرك والوثنية عرض الحائط جهارًا نهارًا، ورفضوا عبادة الأصنام بإصرار وحماسة ودخلوا في الإسلام وآمنوا برسالة محمد ﷺ بمجرد إيمان قلوبهم وعقولهم بها وبه، ولا حاجة مطلقًا ولا ضرورة ملجئة لعباس إلى أن يخالق قصة وهمية خيالية لإسلامه كهذه القصة، وقد آمن برسالة محمد ﷺ أكابر السُّلميين وغيرهم دون وقوع قصص كهذه لهم. هذا، وتمضي بنا قصة إسلام العباس بن مِرْدَاس، فتفيدنا بأنه كانت تحته "حبيبة بنت الضحَّاك بن سفيان السُّلَمي" أحد بني رعل، وقد خرج العباس حتى انتهى إلى إبله، وهو يريد النَّبِيّ ﷺ فبات بها، فلمَا أصبح دعا براعيه فأوصاه بإبله، وقال له: (من سألك عني فحدثه أني لحقت بيثرب، ولا أحسبني إن شاء الله تعالى إلَّا آتيا محمدًا وكائنًا معه، فإني أرجو أن تكون برحمة من الله ونور،فإن كان خيرًا لَمْ أُسبَقْ إليه، وإن كان شرًا أبصرته لخزلته - لخذلته - إلخ). ثم سار إلى النَّبِيّ، وانتهى الراعي نحو إبله فأتي امرأته حبيبة السُّلَمية، فأخبرها بالذي كان من أمر زوجها العباس، ومسيره إلى النَّبِيّ ﷺ، فقامت فقوضت بيتها ولحقت بأهلها (¬١). وقد ذكرنا فيما سلف أن العباس شاعر، والشاعر مرهف الشعور، يسجل بريشة شاعريته، عواطفه وانفعالاته وأحواله الفكرية والنفسية والاجتماعية، ولهذا لا غرو أن نرى العباس بن مِرْدَاس يسجل لنا بشعره قصة دخوله في الإسلام من أولها إلى آخرها، ووجود القصة في شعره مما يؤكد وقوعها وأنها ليست من صنع الرواة، قال: لَعْمَرِيَ إني يوم أجْعلُ جاهدًا … "ضمادًا" لرب العالمين مشاركًا وتركي رسولَ الله، والأوسُ حوله … أولئك أنصار له، ما أولئكا كتارِكِ سَهْلِ الأرض والحَزنِ يبتغي … لَيَسْلُكَ في غيب الأمور المسالكا فآمنتُ باللّه الذي أنا عبده … وخالفتُ من أمسى يريد الممالكا ووجهتُ وجهي نحو مكة قاصدًا … وتابعتُ بين الأخشبين المُبَاركَا نبيٌّ أتانا بعد عيسى بناطق … من الحق فيه الفصل منه كذلكا أمينًا على الفرقان أوَّل شافع … وآخِرَ مبعوثٍ يُجيبُ الملائكا تَلَافَى عُرَا الإسلام بعد انفصامها … فَأحْكَمَها حتى أقام المناسكا رأيْتُكَ يا خير البرية كلها … تَوَسَّطْتَ في القربى من المجد مالكا سبقتهمُ بالمجد والجود والعلا … وبالغاية القصوى تَفُوتُ السَّنابِكا فأنت المصُفَّى من قريش إذا … غلاصِمُها تُبْقِي القرومَ الفْوَارِكا وكان قدوم العباس بن مِرْدَاس على النَّبِيّ في المدينة وهو يريد المسير إلى مكة لفتحها، فواعده رسول الله ﷺ قديدًا، وقال: (القنا أنت وقومك بقُديد) فلما نزلرسول الله ﷺ، قُدَيْدًا وهو ذاهب لَقِيَهُ - في رواية عباسُ بن مِرْدَاس في ألف من بني سُلَيْم، وفي ذلك يقول: بَلِّغْ عبَّاد الله أن محمدًا … رسولُ الإله راشدًا أين يَمَّمَا دعا قومه واستنصر الله ربه … فأصبح قد وافي الإله وأنعمَا عشية وَاعَدْنَا قُدَيْدًا "محمدًا" … يؤم بها أمرًا من الله مُحكمَا حلفتُ يمينًا برَّةً لمحمد … فأوفيته ألفًا من الخيل مُعلمًا سرايا براها الله وهو أميرها … يؤم بها في الدين من كان أظلمَا على الخيل مشدودًا عليها دُرُعنَا … وخَيْلًا كدَّفاعِ اللواتي عرمرمَا أطعناكَ حتى أسلمَ النّاسُ كلهم … وحتي صَبَحْنَا الخيلَ أهْل يَلَمْلَمَا وسار العباس وقومه إلى فتح مكة ثم إلى حُنَيْن مع رسول الله ﷺ، وقسم الرسول غنائم هَوَازِن، فأكثر العطايا لأهل مكة وأجزل لهم القسم ولغيرهم ممن خرج إلى حُنَيْن، حتى إنه كان يعطي الرجل الواحد مائة ناقة والآخر ألف شاة، وزوي كثيرًا من القسم عن أصحابه، فأعطى الأقرع بن حابس من تميم، وعُيينة بن حصن الفزاري من غَطَفَان، والعباس بن مِرْدَاس، عطايا فضل فيها عُيينة والأقرع على العباس، فتأثر العباس من ذلك، وما سكت على تأثره؛ لأنه كان مؤمنًا صادق الإيمان يكاشف الرسول بدخيلة نفسه، وقد جاءه وأنشده: كانت رزايا تلافَيْتُها … بكري على المُهْر في الأجْرع وإيقاظي الحيَّ أن يْرقُدوا … إذا هَجعَ القوم لَمْ أهجع فأصبح نَهْبي ونَهْب العُبَـ … ـــــيْد (¬١) بين عُيينة والأقْرعَ وقد كنتُ في الحرب ذا تدراءٍ … فلم أُعْطَ شيئًا ولم أُمْنَعِ وما كان حِصْنٌ ولا حَابس … يفوقان مِرْداس في مُجْمَع وما كنْتُ دون امرىْ منهما … ومن تَضَعِ اليوم لا يُرْفَع فبلغ قوله رسول الله ﷺ فدعاه، فقال له: أنت القائل: أصبح نهبي ونهب العبيـ … ـــد بين الأقرع وعُيينةفقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لَمْ يقل ذلك، ولا والله ما أنت بشاعر، ولا ينبغي لك الشعر وما أنت براوية، قال: فكيف؟ قال: فأنشده أبو بكر ﵁، فقال الرسول ﷺ: هما سواء، لا يضرك بأيهما بدأت: بالأقرع أم بعيينة. وقال رسول الله: اقطعوا عني لسانه، وأمر بأن يعطوه من الشَّاءِ والنَّعَمِ ما يرضيه، ليمسك، فأُعْطِيَ (¬١)، وهكذا كان العباس من المؤلفة قلوبهم. ويقول عبد البديع صقر: إن العباس بن مِرْدَاس وُلِدَ في عهد النَّبِيّ ﷺ (¬٢)، ولم أر هذا القول لغيره فيما لديّض من المراجع، فإنها تكتفي بأن تقول: إنه مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، وأسلم. ومن رأيي أنه إذا كان قول عبد البديع صقر مطابقًا للواقع فلابد أن يكون مولد العباس في الحقبة التي سبقت البعثة النبوية إما بقليل أو أكثر من القليل، وذلك لأننا نعرفُ العباس بن مِرْدَاس، وهو فارس وشاعر في عام فتح مكة، ونعرفه قبل ذلك بطلًا معلمًا خاض المعارك مع خُفاف بن ندبة السُّلَمي، وقال في حروبه معه شعرًا نشرنا شيئًا منه، وعام الفتح هو السنة الثامنة للهجرة - بين الفتح ومولد الرسول ﷺ حقبة من الزمن هي واحد وستون عامًا، فإذا كان عباس بن مِرْدَاس ولد في حياة الرسول فمولده - على ما نقدر - في العقد الثاني من عمره ﷺ، ومعنى هذا أنه كان وقت البعثة شابا مكتمل الشباب، وسنه حول العشرين عامًا، وعندما كان الفتح وهو بعد البعثة بواحد وعشرين عامًا كان في آخر أيام شبابه، فهو يومئذ يقف على عتبة الكهولة والنضج، ونحن نراه قبل الفتح زوجًا لحبيبة السُّلَمية التي لَمْ ترضَ عن تحوله إلى الإسلام، فارتحلت عنه وهجرته مفارقة له، ونحن نراه قبل الفتح ذا خيل وإبل ولأنْعَامِهِ راعٍ خاص بها، كما نراه قبل إسلامه سادنًا للصنم الذي كان والده يرعاه وقد أوصاه به وبعبادته بعد وفاته ففعل، ومن كان كذلك لابد أن يكون رجلًا يتحمل المسئوليات ويؤثل الأموال ويعهد إليه بالمهام؛ ونحن نرى أن الحرب التي نشبت بينه وبين خُفاف، نشبت بعد البعثة النبوية وقبل فتح مكة، وقد كانت رحاها تدور بينهما قبل إسلامه وقبل إسلامخصمه وابن عمه: خُفاف بن ندبة، ولا يقوم بأعباء حرب كهذه إلَّا رجلٌ قوي البِنْيَةِ مكتمل الشباب والفتوة: وظل العباس بن مِرْدَاس على بداوته - بعد الإسلام - كان أليف الفيافي، فلم يسكن بعد إسلامه مكة ولا المدينة، ولم يُقِمْ في أي بلد إقامة دائمة، وكان إذا حضر إحدى غزوات النَّبِيّ ﷺ لا يلبث أن يعود بعدها إلى مضارب قومه في قلب البادية، يستنشق نسيمها العليل، ويأنس بنغمات طيورها البرية، ويرتاح إلى عشبها وأشجارها، ويهفو إلى صحوها وغيمها، ويغرم بصحاراها وجبالها وأوديتها، وقالوا: إنه قدم البصرة مع من قدموا إليها من قومه بعد تمصيرها في خلافة عمر بن الخطاب، ولكنه لَمْ يتخذها موطنًا، كما اتخذها غيره من بني عمومته، بل إنه عاد لسكني البادية التي تخفق الأرواح في أبياتها الشَّعَرَيَّة أو الجِلْدِيَّة، وكان منزله بالعقيق مما يلي سفوان. وقد حرَّم على نفسه الخمر وهو في الجاهلية، وهذه مزية نفسية تدلنا على أنَّه كان لبيبًا وذا رأي قويم في بعض الأمور الضارة أو النافعة للصحة العامة والخاصة، وللمروءة والكرامة الإنسانية، فالخمر أُمُّ الخبائث وشُرْبُها يؤدي إلى ارتكاب المحرمات الأخرى؛ لأنَّها تسلب عقْلَ العاقل وكرامة الكريم ولُبَّ اللبيب، وقليل هم الذين حرموها على أنفسهم من عرب الجاهلية في الفترة الأخيرة، لشفوف أذهانهم وانجلاء بصائرهم وتفهمهم لعواقبها الوخيمة على الفرد والمجتمع. توفي العباس بن مِرْدَاس في الشام سنة ١٦ هـ وله من الأولاد: جاهمة أو جلهمة وله صحبة، وأُبيٌّ، وسعيد. ومن ذرية جاهمةَ، عبدُ الملك وهارون ابنا حبيب، ومن ذرية سعيد، بكار بن أحمد بن عبد الله بن سعيد المُحدِّث العابد، مات بمصر. خصائص شعره يمتاز شعر عباس بن مِرْدَاس بالطراوة والطلاوة مع الوضوح، ومع أنه بدوي موغل في البداوة أليف صحراء ووهاد ونجود، ورب سيف وخَوَّاض معارك، فإن شعره الذي بين أيدينا كان رطبًا سلسًا خفيف الروح، لا تجد فيه شيئًا منجفاف البداوة، ولا شيئًا من عنجهية الجاهلية، ويمكن أن نشبهه في هذه الناحية بالنابغة الذبياني من غَطَفَان، مع الاختلاف بينهما في سعة الأفق، وفي أن النابغة قد يقول من الشعر ما لا يختلف عن أضرابه في كزازة اللفظ وجهامة التعبير بعض الأحيان. وفي ديوان شعره شواهد واضحة على هذا المسلك الجاهلي الماثل في كثير من الشعر العربي الجاهلي، إلى جانب شعره الرطب السمح الجميل. ونحن نتحدث هنا (خاصة) عن شعر عباس بن مِرْدَاس قبل إسلامه، أما شعره بعد الإسلام فقد صقلته تعابير الإسلام، وصقله وهذَّبه الإسلام، ومصطلحاته الرائعة الجديدة على دنيا العرب وحياتهم. نماذج من شعره الجاهلي كان قيس بن شيبة السُّلَمي من رهط العباس بن مِرْدَاس باع بمكة متاعًا من أُبَيٍّ بن خلف القرشي، فلواه وذهب بحقه، فاستجار برجل من بني جُمَح فلم يُجِرْهُ، فقال قيس: يا آل قصي كيف هذا في الحرم … وحرمة البيت وأخلاق الكرم! أُظلم لا يُمنع عني من ظلم فبلغ العباس بن مِرْدَاس قوله، فقال: إن كان جارك لَمْ تنفعك ذمته … وقد شربت بكأس الذل أنفاسا فَأتِ البيوت وكن من أهلها صَدَدًا … لا تلق نادمهم فُحشًا ولا بأسا وثم كن بفِنِاءِ البيت معتصمًا … تلق ابن حرب وتلق المرء عباسا قَرْمَيْ قريش وحَلًا في ذؤابتها … بالمجد والحزم ما عاشا وما ساسا ساقي الحجيج وهذا يا سر فلج … والمجد يورث أخماسًا وأسداسا (¬١) ويبدو أن قيسًا أخذ بنصيحة عباس بن مِرْدَاس فرد العباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن حرب عليه ماله، وكان ذلك سَبَب حلف الفضول الذي قام على رد المظالم.وقال العباس بن مِرْدَاس يهجو خُفاف بن دبة السُّلَمي، وطالما تلاحيا وتهاجيا وتقاتلا في جاهليتهما: أراني كلما قاربت قومي … نَأوا عَنِّي وقَطْعُهُمُ شديدُ سَئِمْتُ عتابهم فصفحتُ عنهم … وقلتُ: لعل حلمهمُ يعودُ وعَلَّ الله يمكن من خُفَافٍ … فأسقيه التي عنها يحيدُ بما اكتسبت يداه وجَرَّ فينا … من الشحنا التي ليست تبيدُ فإنِّي لو يؤدبني خُفَافٌ … وعَوْفٌ والقلوب لها وقودُ وإني لا أزال أريد خيرًا … وعند الله من نعم مزيدُ فضاقت بي صدورهم وغُصَّتْ … حُلُوقٌ ما يبض لها وريدُ متى أبعدْ فشرهمُ قريب … وإن أقْرُبُ فَوُدَّهُمُ بعيدُ أقول لهمْ وقد لهجوا بشتمي … ترقوا يا بني عوف وزيدوا فما شتمي بنافع حَيِّ عَوْف … ولا مثلي بضائره الوعيد فما أدري وما يدريه عَوفٌ … أينفعني الهبوط أم الصعود؟ أتجعلني سَرَاةُ بني سُلَيْم … ككلب لا يهر ولا يصيد كأني لَمْ أقُدْ خيلًا عتاقًا … شوازِبَ مثلُها في الأرض عود أُجَشِّمُها مَهَامِهَ طامسات … كان رمال صحصحها قعود عليها من سراة بني سُلَيْم … فوارس نجدة في الحرب صيد فأُوْطِئُ مَنْ تريدبني سُلَيْم … بكلكلها ومَن ليست تريد (¬١) تلوح من هذه القصيدة من شعر عباس بن مِرْدَاس مسحة من الألم المكبوت، وشكوي مكنونة من الاستخفاف به الذي لمسه من بني قومه - وربما كان ذلك منهم إبَّان القتال الناشب بينه وبين ابن عمه "خفاف" - وهو يذكر هنا أسماءً معينة، يوجه إليها قوارص العنب واللوم والتقريع جزاء شتمهم له، وهؤلاء هم:حَيُّ عَوْفٍ (¬١) الذين لهجوا بشتمه؛ وقد ضمهم إلى خفاف في استنكار موقفهم منه، وقد خاطبهم بقوله: (ترقوا في سلم شتمني وزيدوا فما يشفي غيظكم شتمي ولا يضرني وعيدكم)، وشعره هذا شعر جاهليٌّ بالنسبة إليه؛ لأنه يتحدث فيه يوم قاله عن الملابسات القائمة فيما بينه وبين خفاف من هجاء وملاحاة وقتال. وهجا عباس بن مِرْدَاس عمرو بن مَعْد كرب المرادي من مَذْحِج القحطانية بقوله: ألا أبلغا عمرًا على نأى داره … فقد قُلْتَ قولًا جائزًا غير مهتد أُتهْدِى الهجاء لامرئ غير مفحم … وتُهْدِي الوعيد لامرئ غير مُوعَدِ فإن تلقني تلق امرءًا قد بلوته … حديثًا وإن تفجر عليَّ، تُفَنَّدِ ألا تعلمن يا عمرو أني لقيتكم … لدى مَأْقط والخيل لَمْ تتبددِ وعَرِّدَ عني فارساكم كلاهما … وقد علمًا بالجزع أن لَمْ أعرِّدِ وما زلت أحمي صخحبتي وأذودكم … برمحي حتى رُحْتُ قطرا بمفردي ويُذكر أن عمرو بن مَعْد كرب فرَّ من العباس في إحدى المعارك وأن العباس أسر أخته ريحانة، وقال في ذلك شعرًا. ومن قصائده "المنصفات" - ومعنى المنصفات: القصائد التي يُنصف فيها الشاعر خصومه الحربيين فيذكر ما حدث له ولقومه، وللخصوم معًا من نصر وهزيمة، وإقبال وإدبار، وكر وفر - من هذه القصائد قصيدته السينية المثبتة في ديوانه الذي جمعه وحققه الدكتور يحيى الجبوري (طبع بغداد)، ومطلعها قوله: لأسماء رسم أصبح اليوم دارسا .. وأقفر منها رَحْرَحانُ فراكسا (¬٢)وفي هذه القصيدة يذكر لنا أن "المتغزل فيها": تضوع منها المسك حتى كأنما … تَرَجَّلُ بالريحان رطبا ويابسا و (تَرَجَّلُ) بمعني تُسَرِّحُ الشَّعرَ، ومن هذا يبدو أن تسريح شعر النساء بالريحان رطبًا ويابسًا عادة كانت لديهن مألوفة في الجاهلية. وقد قطع عباس نسيبه في "أسماء" قطعًا، بالانصراف إلى شئون أعدائهم فقال: فَدَعْها ولكِنْ قد أتاها مَقادُنا … لأعدائنا تُزْجى الثِّقالَ الكوادِسا إلى أن يقول: سَمَوْنا لهم سبعًا وعشرين ليلة … نجوب من الأعراض قفرًا ويابسا وهو يصف بُعْدَ منازل أعدائهم الذين غزوهم في عقر دارهم، مصعدين، لأنَّ منازلهم بتثليث قرب نجران، وتثليث بعيدة عن منازل بني سُلَيْم .. هي في الجنوب، وهم في الشمال، قال: فبتنا قعودًا في الحديد وأصبحوا … على المركبات يجردون الأيابسا فلم أرَ مثل الحيَّ حيًّا مُصَبَّحًا … ولا مثلنا لَمَّا التقينا فوارسا أكرَّ وأحْمي للحقيقة منهم … وأضْرَبَ مِنَّا بالسيوف القوانسا وبينما يصف الشاعر هنا قومه بالفروسية والبطولة، يثني فيصف أعداءهم بأنهم أكَرُّ على الأبطال وأحمي للحقيقة، وبأن قومه هو - بني سُلَيْم - أضربُ للأبطال بالسيوف، وهذا إنصافٌ من الشاعر. ويعود إلى وصف شجاعة قومه فيقول: وأحْصنَنَا منهم فما يبلغونا … فوارسُ مِنَّا يحبسون المحابسا وهو هنا يصف لنا موقف قومه الدفاعيَّ - وهذا إنصاف آخر منه - فما أحسن الحقيقة حين تقال في مثل هذه المواقف.ثم يعود ليُفَصِّلَ موقف الجانبين المتساوي إزاء بعض في حومة الوغى فيقول: إذا ما شددنا شَدَّةً نَصَبُوا لها … صدور المَذاكي والرِّماح المداعسا والمذاكي من الخيل ما دخل السنة السادسة، والمَداعِسُ من الرماح: الغليظ الشديد الذي لا ينثني، ومعنى دعسه بالرمح: طعنه به، كما فسرناه في مكان آخر من هذا الكتاب. وهنا ينصف عباس إنصافًا صريحًا واضحًا، فيصف لنا الموقف المتكافئ بين قومه وعدوهم على حقيقته دون تحيز .. إذ يقول: إنَّا إذا شددنا عليهم شدة، أي إذا هجمنا عليهم هجومًا شديدًا، قابلوا هجومنا الشديد بصدور الرماح وصدور الخيل المسومة، فنقف هجومنا وتتوازن كفتا القتال الدائر بيننا وبينهم عندها فلا غالب ولا مغلوب. ويعتذر عن أسباب غزوهم المراد في "تثليث" النائية عنهم، وهم قوم شُوسٌ مغاوير وليوث حرب، بقوله: نطاعن عن أحْسابنا برماحنا … ونضربهم ضرب المُذِيذ الخَوامسا ويعود إلى تبيان فعاله في هذه الحرب الضروس المتكافئة: وكنتُ أمام القوم أوَّل ضارب … وطاعنتُ إذ كان الطِّعانُ تَخَالُسا ولا يكتفي بمديح بطولته التي جعلته أمام القوم أول ضارب، فنراه يستشهد على تقدمه لغيره من الأبطال في الإقدام في ساحة المعركة بشهود عدول أحياءٍ شاهدوا موقفه المشرف: فكان شهودي مَعْبَدٌ ومُخارِق … وبِشْرٌ، وما استشهدتُ إلَّا الأكايِسا لكنه يعود، فيفيد سامع شعره وقَارِئَهُ بأنه لَمْ يكن (منفردًا) في مقدمة الصفوف بل كان معه ابنا صُرَيْمِ دارعَيْنِ - أي لابِسَيْنِ للدروع الواقية من وقع السيوف وطعن الرماح، ومعهما عُرْوَة أيضًا، وإنصافًا لهؤلاء الأبطال الأماجد الثلاثة الذين شاركوه في الإقدام وتقدم الصفوف للنزال والضرب والطعان يقول: مَعِي ابنا صُرَيْمِ دارعانِ كلاهما … وعُرْوَةُ لولاهم لَقيتُ الدَّهارساومن إنصافه أن يقول: إنه لولا حماية هؤلاء النفر الثلاثة له لَلَقِيَ الدَّواهي؛ فالدهارس هي الدواهي. ويستمر في وصف وقائع المعركة فيقول: فأما زيد فقد مارس الإقدام، لولا إقصار خُطا مهره، وبنو سُلَيْم كانت الخيل لديهم كثيرة وفيرة - كما قدمناه: ومارس زيد ثم أقصَر مهره … وحقَّ له في مثلها أن يمارسا ولعنترة في معلقته وصف يماثل ما وصف به العباس "زيدًا"، يقول عنترة: (ولكني تضايق مقدمي). وأما قُرَّة فكان موقفه حمَايَةَ المنهزمين والمتفرقين في المعركة، وطَعْنَ الأعداء بقوة وضراوةً، فلله دره من فارس مغوار: وقُرَّةُ يحميهم إذا ما تبددوا … ويطعنهم شزرًا فأْبَرحْت فارسا ويجلي لنا الموقف تمامًا أنَّ بني سُلَيْم في غزوهم لمراد في أرضهم: "تثليث" تمكنوا من (جَرْحِ) الكثير من رجالهم فقط، ولم يجهزوا عليهم، ولو مات الجرحى من أعدائهم لاغتبطت الضباع هنالك بكثرة القتلي، والسبب في عدم تمكين السُّلَميين الغزاة من القضاء على خصومهم يعود إلى أن هؤلاء الخصوم كانوا يلبسون الدروع المضاعفة، فلا تصل إلى أجسامهم سيوف بني سُلَيْم ولا رماحهم: ولو مات منهم مَنْ جَرَحْنا لأصبحت … ضِبَاعٌ بأكناف الأراك عرائسا ولكنهم في "الفارسي" فلا يُرَى … من القوم إلَّا في المُضَاعَفِ لابسا ويقصد بـ "الفارسي" هنا، الدروع الفارسية المضاعفة، أي المنسوجة حلقتين حلقتين، فهي لذلك تَقي لابسها من الضرب والطعن. ويزيدُ الموقِفَ (انجلاءً): فيذكر أن أعداءهم إذا تمكنوا من قتل كريم منهم فإنهم هم أيضًا قد قتلوا به منهم قتلى ذلك أنوفهم، فقد قتلوا بالقتيل السُّلَمي الواحد، خمسة بل ستة من أعدائهم: فإن يقتلوا منا كريمًا فإننا … أبانا به قَتْلًا تُذِلُّ المعَاطِسا قتلنا به في ملتقى الخيل خمسة .... وقاتِلَه زِدْنا مع الليل سادساوقد اقتضى المشهد هنا أن يبرز شهامة قومه وإباءهم في الحروب، وتقدمهم إليها كما يتقدم حبيب لحبيبٍ: وكنا إذا ما الحرب شَبَّتْ نَشبُّها … ونَضْربُ فيها الأبْلَجَ المتقاعسا والأبلجُ: "المتكبر" والمتقاعس: "المتمنع" الذي لا يطأطئ رأسه. وهنا يختم الشاعر قصيدته المنصفة، بوصف شامل لما حدث في الصدام المسلح بينهم وبين مُراد، فيقول: فأُبْنا وأبقى طعْنُنا في رماحنا … مَطَارِدَ خطِّيٍ وحُمْرًا مَداعِسا والمطارِدُ: ما يبقى من الرماح إذا انكسرت، والخطيُّ: الرمح المنسوب إلى خط البحرين. وجُردًا كأنَّ الأُسْدَ فوق مُتُونها … من القوم مَرءوسًا وآخر رائسا وهكذا عاد الغزاة السُّلَميُّونَ من صدام مسلَّح لَمْ يكن لهم فيه نصر ولا انكسار، ولكنهم حققوا في غزوتهم معنى البطولة، ودافعوا بالهجوم البعيد المدى الذي شنوه على أعدائهم في عقر ديارهم عن أعراضهم وسمعتهم وشرفهم وحماهم - والهجوم من أنجح وسائل الدفاع وأنجحها قديمًا وحديثًا -. هذا، وقد ذكَّرني (اختتامُ) العباس بن مِرْدَاس (لسينيته المنصفة) هذه بقول عمرو بن كلثوم التغلبي في (قصيدته المنصفة) - معلقته النونية المعروفة: فآبوا بالنهاب وبالسبايا … وأُبْنا بالملوك مصفدينا ويبدو أن العباس كان على علم بقول عمرو بن مَعْد كرب له من قصيدة سينية أو هما بيتان فقط: أعباس لو كانت شيارًا جيادَنا … بتثليث ما ناصَبْتَ بعدي الأحامسا ولكنها قِيدتْ بصعدة مُرَّةً … فأصبحن ما يمشين إلَّا تكاوُسا نماذج أخرى من شعره الإسلامي لَقَّبْنا عباس بن مِرْدَاس السَّلَمي، بشاعر حُنَيْن، لما اتضح لنا من دراسة شعره الإسلامي، من أنه أكثر من قال الشعر في يوم حُنَيْن وأنداهم صوتًا، وخاصة أنه شهد المعركة مع بني سُلَيْم وخاض معهم غمارها، ومن ذلك قوله:فإني والسوانح يوم جَمْعٍ … وما يتلو الرسول من الكتابِ لقد أحببتُ ما لَقِيَتْ ثقيفًا … بجنب الشعب أمس من العذابِ ركضنا الخيل فيهم بين بَسٍّ … إلى الأورال تنحط (¬١) بالنهابِ بذي لجب رسول الله فيهم … كتيبته تَعَرَّضُ للضِّرابِ ومن ذلك قوله أيضًا في يوم حُنَيْن: ويوم حُنَيْن حين سارت هَوَازِن … إلينا وضاقت بالنفوس الأضالعُ صبرنا مع الضحَّاك لا يستفزنا .... قِراع الأعادي منهم والوقائعُ أمام رسول الله يخفق فوقنا … لواء كخذروف (¬٢) السحابة لامع عشية ضحَّاك بن سفيان معتص … بسيف رسول الله والموت كانع (¬٣) إلى أن يقول: نذود أخانا عن أخينا ولو نرى … مصالًا لكنا الأقربين نُتَابِعُ ولكن دين الله دين محمد … رضينا به في الهدى والشرائع أقام به بعد الضلالة أمرنا … وليس لأمر حَمَّةُ الله دافع يقول في الأبيات الثلاثة الأخيرة: إنهم يقاتلون إخوتهم (هَوَازِن) الذين تجمعهم بهم وشيجة النسب في (قيس) - يقاتلونهم عن إخوتهم في الإسلام الذين يربطهم ببعض ما هُوَ أقوى من وشيجة النسب من كثب، وإن بني سُلَيْم لو كانوا يرون في حكم الدين مصالًا ومجالًا أو تطاولًا على النّاس لكانوا مع الأقربيننسبًا: أي مع هَوَازِن في حربها الضروس للإسلام، ولكن الإسلام فَرَّق بين بني سُلَيْم، وهَوَازِن إذ ذاك بحق .. فبنو سُلَيْم دخلوا الإسلام، وهَوَازِن ما زالت على شركها القديم: ويقول: إننا مع ذلك نريد لهم الهداية والرشاد. وللعباس بن مِرْدَاس غير هذه القصائد والأبيات شعر كثير في غزوة حُنَيْن، ضمنه كلّ ما يطفح به قلبه المؤمن من ذكريات رائعة لانتصار الإسلام وعظمة الإسلام. على أنَّ من أروع ما قاله في يوم حُنَيْن، قصيدتَهُ (الكافيَّة) التي استهلها بمدح المصطفي ﷺ، وقد ضمنها الإشادة بشجاعة الضحَّاك بن سفيان الكلابي قائد بني سُلَيْم البطل الذي عينه الرسول قائدًا عليهم. قال: يا خاتم النُّباء! إنك مرسل … بالحق كلُّ هُدي السبيل هُداكا إن الإله بني عليك محبة … في خلقه و (محمدًا) سمَّاكا ثم الدين وفوا ما عاهدتم … جُنْدٌ بعثت عليهم الضحَّاكا رَجُلًا به درب السلاح كأنه … لما تكنفه العدو براكا يغشي ذوي النسب القريب وإنما … يبغي رضا الرَّحمن ثمَّ رضاكا أُنْبيِكَ أني قد رأيت مَكَرَّهُ .. تحت العجاجة يدمغ الاستراكا طورًا يعانق باليدين وتارة … يفري الجماجم صارِمًا بتَّاكا يخشي به هام الكُماة ولو تري … منه الذي عاينتُ كان شفاكا و"بنو سُلَيْم" مُعْنِوق أمامه … ضَرْبًا وطعنًا في العدو دِراكا يمشون تحت لوائه وكأنهم … أسْدُ العرين أرَدْنَ ثَمَّ عراكا ما يرتجون من القريب قرابة … إلَّا لطاعة ربهم وهواكا هذي مشاهدنا التي كانت لنا … معروفةٌ وَوَلِيُّنَا مولاكا (¬١)