full passagepage 1749, entry [1222]6,750 chars
محمد بن يحيى بن عمر بن لبابة (¬٥٠) أبو عبد الله، يلقب بالبرجون [¬١]، ابن أخى الشيخ ابن لبابة. جل سماعه من عمه محمد بن عمر بن لبابة، وسمع من غيره. ورحل [¬٢] فسمع بالقيروان من حماس بن مروان. وكان من أحفظ أهل زمانه للمذهب، عالما بعقد الشروط بصيرا بعللها، وله اختيارات في الفتوى والفقه، خارجة عن المذهب، …
▸ expand full passage (6,750 chars)▾ collapse
محمد بن يحيى بن عمر بن لبابة (¬٥٠) أبو عبد الله، يلقب بالبرجون [¬١]، ابن أخى الشيخ ابن لبابة. جل سماعه من عمه محمد بن عمر بن لبابة، وسمع من غيره. ورحل [¬٢] فسمع بالقيروان من حماس بن مروان. وكان من أحفظ أهل زمانه للمذهب، عالما بعقد الشروط بصيرا بعللها، وله اختيارات في الفتوى والفقه، خارجة عن المذهب، وله في الفقه كتب مؤلفة، منها المنتخبة، وكتاب الوثائق، وأثنى ابن حزم الفارسي [¬٣] (¬٥١) على كتابه المنتخبة (¬٥٢). وانه ليس لاصحابه مثلها، وهى على مقاصد الشرح لمسائل المدونة. قال بعضهم: ولم يكن له علم بالحديث وكان ينحرف عنه. قال القاضي: أما قلة علمه -بالحديث فظاهر، وأما انحرافه عنه فلا، بل يميل إليه في تواليفه، وإذ اعتمد على نظره في مسألة، أو ضعف فيها قول المدنيين، كثيرا ما يقول: إلا أن يأتى بذلك أثر صحيح [¬٤]، ولي قضاء البيرة،والشورى بقرطبة، ثم رفع عليه أهل البيرة فعزل عنها، وعزل بعد هذا عن الشورى لأشياء نقمت عليه. وكان القاضي الحبيب بن زياد قد سجل بسخطته [¬١]. قال ابن عفيف: رفع الى الناصر لدين الله -عن ابن لبابة هذا- أشياء قبيحة، فأمر بإسقاط منزلته من الشورى والعدالة، والزامه [¬٢] بيته، ومنعه أن يفتي أحدا، فأقام على ذلك وقتا، ثم ان الناصر احتاج إلى شراء مجشر من أحباس المرضى بقرطبة -عدوة النهر، فتشكى [¬٣] الى القاضي ابن بقي أمره وضرورته إليه، لمقابلته منزهه [¬٤]، وتأذيه برؤيتهم، أو أن تطلعه [¬٥] من عاليه. فقال له ابن بقي: لا حيلة عندي فيه، وهو أولى بحفظ حرمة الحبس. فقال له: تكلم [¬٦] مع الفقهاء فيه، وعرفهم رغبتي وما أبذله من أضعاف القيمة فيه، فلعلهم يجدون [¬٧] في ذلك رخصة، فتكلم ابن بقي معهم، فلم يجعلوا إليه سبيلا. فغضب الناصر عليهم، وأمر الوزراء بالتوجيه فيهم إلى القصر، وتوبيخهم، ففعلوا. فلما وصلوا الى بيت الوزارة بالقصر، انبرى لهم [¬٨] رجل حديد من الوزراء، فأفحش في خطابهم، وقال لهم [¬٩]: يقول لكم أمير المومنين: يا مشيخة السوء، يا مستحلي [¬١٠] أموال الناس، يا اكلى أموال اليتامى ظلما، يا شهداء الزور، يا أخذى الرشي، وملقنى الخصوم، وملحقى الشرور، وملبسى الأمور، وملتمسى الرواياتلا تباع الشهوات؛ تبالكم ولآرائكم [¬١]: فهو أعزه الله -واقف على فسوقكم قديما، وخونكم حديثا [¬٢]، مغض عنه [¬٣]، صابر عليه، ثم احتاج إلى دقة نظركم في حاجة مرة في دهره [¬٤]، فلم يسع نظركم للتحمل له [¬٥]، ما كان هذا ظنه بكم والله ليقارضنكم من يومه، وليكشفن ستوركم، وليناصحن الإسلام فيكم، وكلاما في مثل هذا. فبدر شيخ منهم ضعيف المنة، إلى الاعتراف، واللياذ بالعفو، وقال: نتوب إلى الله مما قاله أمير المومنين، ونسأله الاقالة. فرد عليه كبيرهم محمد بن ابراهيم بن حيونة -وكان ذامنة، فقال: هم نتوب [¬٦] يا شيخ السوء؟ نحن براء إلى الله من متابك [¬٧]. ثم أقبل على الوزير المخاطب لهم، فقال: يا وزير! بئس المبلغ أنت، وكل ما ذكرته عن أمير المومنين -مما نسبته الينا، فهى صفتكم- معاشر خدمته، أنتم الذين [تأكلون أموال الناس بالباطل، وتستحلون] [¬٨] ظلمهم بالإخافة، وتتحيفون معايشهم بالرشا والمصانعة، وتبغون [¬٩] في الأرض بغير الحق، أما [¬١٠] نحن فليست [¬١١] هذه صفاتنا -ولا كرامة، ولا يقوله [¬١٢] لنا الا متهم في دينه، فنحن أعلام الهدى، وسرج الظلمة، بنا يتحصن الاسلام، ويفرق بين الحلال والحرام، وتنفذ الأحكام، وبنا تقام الفرائض، وتثبت الحقوق، وتحصن الدماء، وتستحل الفروج؛ فهلا -اذ عتب علينا أمير المومنين [¬١٣] بشيء لاذنب فيه لنا، وقال بالغيظ بعض ما قاله؛- تأنيتبا بلاغنا رسالته بأهون من افحاشك، وعرضت لنا بانكاره، ففهمنا عنك، وأجبناك عنه بما يجب؛ فكنت تزين على السلطان، ولا تفشي، سره، وتستحينا قليلا، فلا تستقبلنا [¬١] بما استقبلتنا به؛ فنحن نعلم أن أمير المومنين -أيده الله- لا يتمادى على هذا [¬٢] الرأى فينا، وأنه سيراجع بصيرته في تعزيزنا، فلو كنا عنده على الحالة التي وصفتها عنه -ونعوذ بالله من ذلك- لبطل عليه كل ما صنعه وعقده، وحله من أول خلافته إلى هذا الوقت، فما ثبت له كتاب حرب ولا سلم، ولا بيع ولا شراء، ولا صدقة ولا حبس، ولا هبة؛ ولا عتق ولا غير ذلك إلا بشهادتنا، هذا ما عندنا والسلام. ثم قام هو وأصحابه منصرفين، فلم يبعدوا إلى باب القصر الأول إلا والرسل خلفهم، يصرفونهم [¬٣] إلى مواضعهم [¬٤] من بيت الوزارة، فتلقوهم بالاعظام والاعتذار مما كان من صاحبهم المخاطب لهم، وقالوا [¬٥] لهم: أمير المومنين يعتذر إليكم من موجدته: ويعلمكم بندمه على ما فرط، وأنه مستبصر في اعذاركم وقد أمر لكل واحد منكم بصلة وكسوة، علامة لرضاه عنكم؛ فدعوا له واثنوا عليه، وانصرفوا أعزة، وبقي في صدر الخليفة من هذا الحبس حزة [¬٦]. وبلغ ابن لبابة هذا الخبر على وجهه، فرفع إلى الناصر أنه [¬٧] يغض من [¬٨] أصحابه الفقهاء، ويقول: إنهم حجروا عليه واسعا، ولو كان حاضرهم [¬٩] لما سلف،لأفتاه بجواز المعاوضة وتقلدها، وناظر أصحابه فيها [¬١]: فوقع الأمر بنفس الناصر، وأمر بإعادة محمد بن لبابة (هذا) [¬٢] إلى عادته [¬٣] من الشورى، ثم أمر القاضي بإعادة المشورة [¬٤] في هذه المسألة، فاجتمع القاضي والفقهاء للنظر في الجامع، وجاء ابن لبابة آخرهم، وعرفهم القاضي ابن بقي بالمسألة التى جمعهم لها [¬٥]، وغبطة المعاوضة فيها، فقال جميعهم بقولهم الأول من منع جواز احالة الحبس عن وجهه -وابن لبابة ساكت، فقال له القاضي: ما تقول أنت يا أبا عبد الله؟ قال: أما قول إمامنا مالك بن أنس، فالذى قاله أصحابنا الفقهاء، وأما أهل العراق فانهم لا يجيزون الحبس أصلا، وهم علماء أعلام يهتدى بهم أكثر الأمة، وإذا [¬٦] بأمير المومنين من حاجة الى هذا المجشر ما به، فما [¬٧] ينبغي أن يرد عنه، وله في المسألة [¬٨] فسحة، وأنا أقول فيه بقول العراقيين [¬٩]، وأتقلد ذلك رأيا. فقال له الفقهاء: سبحان الله! نترك قول مالك الذي أفتى به أسلافنا، ومضوا عليه [¬١٠] واعتقدناه بعدهم، وأفتينا به، لا نحيد عنه بوجه [¬١١]، وهو رأي أمير المومنين ورأي الأئمة آبائه؟ فقال لهم محمد بن يحيى: ناشدتكم الله العظيم، ألم تنزل بأحدكم [¬١٢] مسألة [¬١٣] بلغت بكم أن أخذتم فيها بقول غير مالك في خاصة أنفسكم، وأرخصتم لأنفسكم في ذلك.؟قالوا: بلى؟ قال: فأمير المومنين أولى بذلك، فخذوا به مأخذكم، وتعلقوا بقول من يوافقه من العلماء، فكلهم قدوة. فسكتوا، فقال للقاضي: أنه إلى أمير المومنين بفتياى. فكتب القاضي إلى أمير المومنين بصورة المجلس، وبقى مع أصحابه بمكانهم، إلى [¬١] أن أتى [¬٢] الجواب [¬٣] بأن يؤخذ له بفتوى محمد بن يحيى بن لبابة، وينفذ ذلك، ويعوض المرضى من هذا المجشر بأملاكه بمنية [¬٤] عجب، وكانت [¬٥] عظيمة القدر جدا، تزيد أضعافا على المجشر. ثم جاء صاحب رسائل من عند أمير المومنين بكتاب منه لمحمد بن لبابة [¬٦]، بولاية خطة الوثائق، لكي يكون هو المتولى عقد هذه المعاوضة، فهنيء بذلك. وأمضى القاضى الحكم بفتواه، وأشهد عليه وانصرفوا. فلم يزل محمد يتقلد خطة الوثائق والشورى من هذا الوقت إلى أن مات، ومنزلته من السلطان لطيفة [¬٧]. قال القاضي: ذاكرت بعض مشايخنا مرة بهذا [¬٨] الخبر -إذ أفضت مذاكرتي له إلى [¬٩] تسجيل الحبيب بسخطته، فقال: ينبغي أن يضاف هذا الخبر الذي حلسجل السخطة إلى سجل السخطة [¬١]، فهو أولى وأشبه [¬٢] في السخطة مما تضمنه، أو كما قال. إلا أن ابن عفيف ذكر أنه مات ﵀ على [¬٣] حال معتدلة غفر الله لنا وله. قال ابن مفرج: كان [¬٤] هذا التسجيل سببا لا قلاعه عما نسب إليه إلى توبة نصوح، رجع [¬٥] بها إلى احسن أحوال أهل العلم فلزم بيته مدة دائبا على دراسة العلم ومطالعته، حتى برع وكمل، ثم حج ولقى جماعة من أهل العلم وانصرف- وقد اعتدلت حاله، فاقيلت عشرته. وكان سبب موته، أنه تخاصم عند القاضى ابن ابي عيسى مع صاحب الشرطة ابن عاصم في حمام، وتنازعا الخصومة يوما والمجادلة، حتى اضطرب جسم محمد، وضربه فالج صرعه، فحمل إلى داره في نعش، وكان سبب منيته عاجلا، فتوفى ليلة الاثنين، لست خلون من ذى الحجة، سنة ثلاثين وثلاثمائة، وقيل توفى [¬٦] في ذى القعدة من السنة فسمع خصمه وهو خارج من المسجد الذى فلج فيه -وهو متهلل شامت يقول: الحمد لله رب العالمين، اسبق عدوك ولو بيوم.