بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 1160, entry [480]5,912 chars
ذكر توجه الكامل إلى حماة ولما فرغ شغل الكامل من جهة دمشق رحل بعساكره، ووصل إلى مجمع المروج، ثم رحل إلى سلمية، قاصدا التوجه إلى الشرق للإشراف على بلاده التي تسلمها من أخيه الأشرف، وتقدم إلى المظفر (¬٧) تقي الدين محمود بن المنصور بمحاصرة حماة، وبعث معه الملك المجاهد (¬٨) أسد الدين شيركوه وأخويه العزيز…
▸ expand full passage (5,912 chars)ذكر توجه الكامل إلى حماة ولما فرغ شغل الكامل من جهة دمشق رحل بعساكره، ووصل إلى مجمع المروج، ثم رحل إلى سلمية، قاصدا التوجه إلى الشرق للإشراف على بلاده التي تسلمها من أخيه الأشرف، وتقدم إلى المظفر (¬٧) تقي الدين محمود بن المنصور بمحاصرة حماة، وبعث معه الملك المجاهد (¬٨) أسد الدين شيركوه وأخويه العزيز والصالح، ابني العادلفنازلوها ونصبوا عليها آلات الحصار، ونزل صاحبها الناصر قليج أرسلان إلى البلد، وارتقى السور وعاين كثرة العساكر المحيطة بالبلد، فأضمر في نفسه العزم على (¬١) النزول إلى خاله الكامل وهو بسلمية، وبها نواب المظفر، فأرسل قليج أرسلان إلى المجاهد أسد الدين شيركوه يخبره بأنه ينزل إليه، ويمضي معه إلى خدمة الملك الكامل، فركب المجاهد ووقف خارج البلد ينتظره، فنظر إليه في العشر الآخر من شهر رمضان المعظم، ومضى معه إلى المعسكر الكاملي بسلمية، فلما دخل الناصر على الكامل صاح عليه وانتهره، وكان ممتلئا غيظا منه لأشياء كثيرة بلغته عنه، ثم أمر باعتقاله، فاعتقل، ثم بعث إليه يأمره أن يبعث إلى النواب بقلعة حماة علامة يعرفونها، ليسلموا القلعة إلى نواب السلطان الكامل، فأجاب إلى ذلك، وأنفذ العلامة إلى النواب، وأمرهم بتسليم القلعة إلى نواب الكامل، وكان بقلعة حماة بعض أولاد المنصور ومماليكه، والطواشيان بشير و مرشد خادما المنصور، وسير السلطان الأمير مجد (¬٢) الدين أخا الفقيه (¬٣) عيسي الهكاري ومثقال (¬٤) الجمدار ليتسلما القلعة، فامتنع من كان بها من أولاد الملك المنصور ومماليكه وخدامه من تسليمها إلى الملك الكامل، وركبوا الملك المعز بن الملك المنصور شقيق الملك المظفر والناصر، وأمهم جميعا الملكة (¬٥) خاتون بنت الملكالعادل، ونادوا في حماة في شعاره (¬١)، وقالوا: هذا بدل الملك الناصر، والبلد له، وكان صبيا صغيرا، ولم يمكنوا الأمير مجد الدين الهكاري ومثقال الجمدار الكاملي من الصعود إلى القلعة، وأنزلوا إليهما الملك المعز فاجتمع بهما، وقال لهما: هذه القلعة لي ولإخوتي نقوم عليها، وأي واحد منامات كان فينا من يقوم مقامه، وليس بيننا وبين من يقصدنا إلا السيف. ثم رجع إلى القلعة، ورجع مجد الدين ومثقال الجمدار، فصاحت عامة البلد عليهما ورجموهما بالحجارة، فرجعا إلى السلطان وأخبراه بذلك، فحينئذ أرسل الكامل إلى ابن أخته المظفر تقي الدين محمود يأمره أن يتفق مع مماليك أبيه على تسليم القلعة إليه، وكان نازلا بظاهر البلد مع العسكر، محاصرا له، فراسلهم المظفر في ذلك، فأجابوه إلى تسليم القلعة إليه، وأرسلوا إليه من يستحلفه لهم، فخرج إليه جماعة من الأعيان، فاجتمعوا به في الجوسق (¬٢) الذي (¬٣) بناه الناصر أخوه على العاصي، واستحلفوه لمن في القلعة، وشرطوا عليه أن لا يدخل البلد إلا بجماعته خاصة، وأن لا يدخله أحد من عسكر الكامل، فأجاب إلى ذلك وواعده الوصول بجماعة إلى باب النصر ليلا ليفتحوه له، فجاءهم في الليلة الثانية إلى باب النصر، ففتحوا له فدخل بجماعته ثم أغلق الباب ومضى إلى دار أبيه المعروفة بدار الأكرم (¬٤) فنزلها، وأصبح الناس قاصدين بابه مهنئين له بمصير الملك إليه، وكان أهل حماة قد حلفوا له بولاية عهد أبيه المنصور سنة ست عشرة وستمائة، وجرى من تغلب أخيه على الملك ما جري كما ذكرناه، فعاد الحق إلى نصابه واستقر في أربابه، وفرحت الرعية بملكه، وكانوا خائفين من تغلب الكامل على البلد، فأمنوا من ذلك، وكانت مدة (¬٥) الملك الناصر لحماة وبلادها تسع سنين إلا شهرين، وصعد المظفر القلعة فتسلمها، وأخذ الكامل منه سلمية،فسلمها إلى المجاهد أسد الدين حسبما وقع عليه الاتفاق، وبقي في يد المظفر حماة والمعرة وبعرين، وهُنِّى بقصائد. (¬١) منها ما أنشده الشيخ شرف (¬٢) الدين عبد العزيز ابن محمد الأنصاري الدمشقي: تناهى إليك المُلْكُ واشتد كاهله … وحل بك الراحى فحطت رواحله ألا هكذا فليمنع المجد مانع … ألا هكذا فليبذل الجود باذله ترحلت عن مصرَ فامحل روضها … ولما حللت الشام رُوض ماحله وعزت حماة في حمى ليت غاية … بصولته تحمي كُليب ووابله وقد طال ما ذلَّت بتدبير أهوج … يخيبُ مُرَجّيه ويحرم سائله وأمضى عليها الشكرُ فرضا لفوزها … بذي كرم فاضت عليها نوافله سبقت إلى ورد العُلي كلَّ سابق … فما نال الأفضل ما أنت نائله وعدَّلْت بالعدل الزمان وردتَه … سنا فاستوت أسحارُه وأصائله إذا فاعِلُ دام ارتفاعا بفعله … ففعلك مرفوعٌ بأنك فاعله وذي أمل أعطيت فوق سؤله … تغاضت أمانيه وفاضت مناهله دعا وسبقت العدل بالسيفه رادعا … له فاهتدى لما أُصِيبت مقائله أَبرَّ تقي الدين مجدا وسؤددا … فتمت عطاياه وتمت فضائله وفاق على الأملاك معني وصورة … فراق مُحيَّاهُ ورقت شمائله هم القوم إن سيمُوا وعودًا بأجل … سَمَاهُم جوادٌ يَسْبقُ الوَعَدَ عاجِلهُ وإن شغلتهم دُميةً أو مدامة … بلهْوٍ فلا هَزْل عن الجد شاغِلُه فما لبني أيوب مُلكٌ ساجِلُ … ولافي بني أيوب ملك يسُاجلهُفكَمْ فُضَّ ضيِقٌ حين زارت هباته … وضاق فضاء حين زادت جَحافله مليكُ لشمل المكرمات مُجمع … فلا جمع إلا وهو بالبذل شامِلُه وبحرُ طويل الباع مُنْسرح الندى … بسيط المعالي وافر الفضل كامله يَذِلُ مُعادِيه ويعتزُّ جارُه … وتُرجي عطاياهُ وتُخشي غوائلُه ويلقي حصينات الدُّرُوع غنيمة … إذا ما التقى أقرانُهُ وعوامِله دعاه إلى حُبِّ المواضي مضاؤه … وهل يصحب الإنسان من لا يشاكله وعمَّ اليتامى والأراملَ برُّه … فكل الوري أيتامُه وأراملهُ وقد كانت الدنيا تحاول كاملا … فقد أدْرَكت في عصره ما تُحاوله بلغتُ بمدحي فيه أبلغ غايةٍ … فَبُلّغت من جدْوَاه ما أنا آمِلُه ومن جُودِه شكري ولم تُئْن روضةً … على المزن بل أثنى على المزن وابله تعدي نداه الجمَّ أقصى مآربي … فأفضلت مما أمطرتني فواضله وقر قرارى في جنات جنانه … وقد قلقلت يابن الحسين قلاقِلهُ وصار قريضي مدح أشرف ضيغمَ … فلم له يبذله في غزالٍ أُغازِلُه (¬١) وفي تاريخ ابن كثير (¬٢): ولما فتحوا باب (¬٣) النصر وقت السحر للملك المظفر دخل منه، ومضى إلى دار الوزير المعروفة بدار الأكرم داخل باب الغار، وهي الآن مدرسة تعرف بالخاتونية، وقفتها مؤنسه (¬٤) خاتون بنت الملك المظفر المذكور، وأقام المظفر في دار الأكرم يومين، وصعد في اليوم الثالث إلى القلعة، وتسلمها. وجاء عيد الفطر من هذه السنة والملك المظفر مالك لحماة، وعمره يومئذ نحو سبع وعشرين سنة، لأن مولده سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وكان أخوه الناصر قليج أرسلان أصغر منه بسنة. ولما ملكالمظفر حماة فوض تدبير أمرها إلى الأمير سيف الدين علي بن أبي على الهذباني، وكان سيف الدين بهذا قد خدم الملك المظفر بعد ابن عمه حسام الدين بن أبي على، الذي كان نائب السلطنة للملك المظفر بسلمية لما سلمت إليه، وهو بمصر عند الكامل، ثم حصل بين المظفر وبين حسام الدين المذكور وحشة، ففارقه حسام الدين واتصل بخدمة الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل، وحظي عنده، وصار أستاداره، وخدم ابن عمه سيف الدين على المذكور الملك المظفر، وكان يقول له: أشتهي أني أراك صاحب حماة وأكون بعين واحدة. فأصيبت عين سيف الدين على حصار حماة لما نازلها عسكر الكامل، وبقي بفرد عين، فحظي عند المظفر لذلك، ولأجل كفاية سيف الدين المذكور وحسن تدبيره.