full passagepage 1064, entry [449]3,445 chars
ذكر خلافة الظاهر بأمر الله وهو الخامس والثلاثون من خلفاء بني العباس. لما توفي الإمام الناصر لدين الله في التاريخ المذكور بُويع لولده الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد، فأظهر العدل، وأزال المكوس، وأفرج عن المحبوسين، وظهر للناس، وكان الناصر ومن قبله من الخلفاء لا يظهرون إلا نادرا. ولم تطل مدة إقامته في ال…
▸ expand full passage (3,445 chars)▾ collapse
ذكر خلافة الظاهر بأمر الله وهو الخامس والثلاثون من خلفاء بني العباس. لما توفي الإمام الناصر لدين الله في التاريخ المذكور بُويع لولده الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد، فأظهر العدل، وأزال المكوس، وأفرج عن المحبوسين، وظهر للناس، وكان الناصر ومن قبله من الخلفاء لا يظهرون إلا نادرا. ولم تطل مدة إقامته في الخلافة (¬٦) إلا أشهر (¬٧). وقال ابن كثير (¬٨): ولما توفي الخليفة الناصر لدين الله كان قد عهد لابنه أبي نصر محمد عهدا ولقبه بالظاهر، وخطب له على المنابر، ثم عزله عن ذلك بأخيه على، فتوفي في حياة أبيه سنة ثنتي عشرة وستمائة، فاحتاج إلى إعادته إلى ولاية العهد، فخطب له ثانيا، فحين توفي بويع له وعمره يومئذ ثنتان وخمسون سنة، ولم يل الخلافةمن بني العباس أسن منه. وكان عاقلا وقورا دينا عادلا محسنا، رد مظالم كثيرة وأسقط مكوسًا كان قد أحدثها أبوه، وسار في الناس حسنًا حتى قيل: إنه لم يكن بعد عمر بن العزيز ﵁ أعدل منه لو طالت مدته. لكنه لم يحل عليه الحول، بل كانت مدته تسعة أشهر. أسقط الخراج الماضي عن الأراضي التي قد تعطلت، ووضع عن أهل بلدة واحدة وهي باعقوبا (¬١) سبعين ألف دينار، وكان أبوه قد زادها عليهم في الخراج وكانت صنجة (¬٢) المخزن تزيد عن صنجة البلد نصف دينار في كل مائة، إذا أقبضوا وإذا أقبضوا دفعوا بصنجة البلد. فكتب إلى الديوان ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ إلى قوله: ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (¬٣) فكتب إليه بعض الكتاب يقول: يا أمير المؤمنين إن تفاوت هذا كان في العام الماضي خمسة وثلاثون (¬٤) ألفا. فأرسل ينكر عليه ويقول: هذا يترك وإن كان تفاوته ثلثمائة ألف وخمسين ألفا. وأمر القاضي أن كل من ثبت له حق بطريق شرعي فوصل إليه بلا مراجعة، وأقام في النظر على الأموال الجردة رجلا صالحا، واستخلف على القضاء الشيخ العلامة [١٥] عماد الدين أبا صالح نصر بن عبد الرزاق بن الشيخ عبد القادر الجيلي، في يوم الأربعاء ثامن ذي الحجة، وكان من خيار المسلمين ومن القضاة العادلين، ولما عرض عليه القضاء لم يقبل إلا بشرط أن يورث ذوي الأرحام. فقال: اعط كل ذي حق حقه واتق الله ولا تتق سواه، وكان من عادة أبيه أن يرفع إليه حراس الدروب "في (¬٥) كل صباح" بما كان عندهم في المحال من الاجتماعات الصالحة والطالحة، فلما ولي الظاهر الأمر (¬٦) شطب ذلك كله. وقال: أي فائدة في كشف أحوال الناس وهتك أستارهم. فقيل له: إن ترك ذلك يفسد الرعية. فقال: نحن ندعو الله لهم أن يصلحهم. وأطلق كل من كان في السجون معتقلا علىالأموال الديوانية، ورد عليهم ما كان استخرج منهم قبل ذلك من المظالم، وأرسل إلى القاضي عشرة آلاف دينار يوفي بها ديون من في سجونه من المدينين الذين لا يجدون وفاء، وفرق على العلماء بقية المائة ألف. وقد لامه بعض الناس في هذه التصرفات. فقال: إنما فتحت الدكان بعد العصر، فما قدر ما أكسب؟ وأفعل الخير، وكم مقدار ما أعيش؟ ولم تزل هذه سيرته حتى توفي ﵁ في العام الآتي (¬١) على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. ورخصت الأسعار في أيامه، وقد كان قبل ذلك في غاية الغلاء. حتى حكى ابن الأثير، أنه أكلت الكلاب والسنانير (¬٢) ببلاد الجزيرة والموصل، فزال ذلك. وكان الظاهر حسن الشكل، مليح الوجه، أبيض مشربا حمرة، حلو الشمائل، شديد القوى (¬٣). وفي تاريخ بيبرس: بويع له في الثاني من شوال من هذه السنة عند وفاة والده، وهو شيخ متقدم في العمر فقال: متى يستفتح من يفتح دكانه بعد العصر؟ وفي المرآة (¬٤): كان الإمام الناصر خطب لابنه الظاهر بولاية العهد في سنة خمس وثمانين وخمس مائة، وعمره إذ ذاك أربع عشرة سنة؛ لأنه ولد في المحرم سنة سبعين وخمسمائة، وخطب له على المنابر، وعزله في سنة إحدى وستمائة، ثم أعيد إلى العهد في سنة ثماني عشرة وستمائة، ولما مات أبوه استدعى القمى تقى الوزير وقشتمر والأعيان إلى البدرية (¬٥) فشاهدوا الناصر ميتًا مسجى فبايعوا أبا [١٦] نصر محمدا ولقبوه بالظاهر بأمر الله، وهذه البيعة الخاصة ثم بويع البيعة العامة، حضر القضاة والأعيان فبايعوه وصلى على أبيه بالتاج، وعمل العزاء ثلاثة أيام وفرق الأموال وأبطل المكوس وأزال المظالم (¬٦).