بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 1059, entry [448]6,660 chars
ذكر وفاة الخليفة الناصر لدين الله والكلام فيه على أنواع: (الأول) في ترجمته: هو أبو العباس أحمد الملقب بالناصر لدين الله بن المستضئ بأمر الله، أبو (¬١) المظفر يوسف بن المقتفى لأمر الله أبو عبد الله محمد بن المستظهر بالله، أبو العباس أحمد بن المقتدي بأمر الله أبو القاسم عبد الله بن الذخيرة، محمد بن ال…
▸ expand full passage (6,660 chars)ذكر وفاة الخليفة الناصر لدين الله والكلام فيه على أنواع: (الأول) في ترجمته: هو أبو العباس أحمد الملقب بالناصر لدين الله بن المستضئ بأمر الله، أبو (¬١) المظفر يوسف بن المقتفى لأمر الله أبو عبد الله محمد بن المستظهر بالله، أبو العباس أحمد بن المقتدي بأمر الله أبو القاسم عبد الله بن الذخيرة، محمد بن القائم بأمر الله، أبو جعفر عبد الله بن القادر بالله، أبو العباس أحمد ابن إسحاق بن المقتدر بالله أبو الفضل، [١٠] جعفر بن المعتضد بالله أبو العباس أحمد ابن الموفق، أبو أحمد بن المتوكل على الله، جعفر بن المعتصم بالله أبو إسحاق محمد ابن هارون الرشيد بن المهدي، محمد بن عبد الله أبو جعفر المنصور بن محمد بن على ابن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي العباسي أمير المؤمنين، وأمه أم ولد تدعي زُمرد، ومولده يوم الاثنين عاشر شهر رجب سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، وبويع بالخلافة بعد موت أبيه سنة خمس وسبعين وخمسمائة (¬٢). (الثاني) في سيرته: قال ابن الأثير (¬٣): كان قبيح السيرة في رعيته، ظالما لهم، فخرب في أيامه العراق، وتفرق أهله في البلاد، وأخذ أموالهم وأملاكهم، وكان يفعل الشيء وضده، فمن ذلك أنه عمل دورا للإفطار في رمضان، ودورًا لضيافة الحجاج، ثم أبطل ذلك. وكان قد أسقطمكوسًا ثم أعادها، وجعل جل همته في رمي البندق والطيور المناسيب وسرا ويلات الفتوة. وقال ابن الأثير (¬١): وإن كان ما ينسب العجم إليه صحيحا من أنه هو الذي أطمع التتار في البلاد وراسلهم، فهو الطامة الكبرى التي يصغر عندها كل ذنب عظيم. وقال ابن كثير (¬٢): وقد ذكر عنه أشياء غريبة، من ذلك أنه كان يقول للرسل الوافدين عليه فعلتم في مكان كذا وكذا وكذا، وفي الموضع الفلاني كذا حتى ظن بعض الناس أو كثير منهم أو أكثرهم أنه كان يكاشف له، أو أن جنيا يأتية بذلك والله أعلم. وقال النويري (¬٣): كان قبيح السيرة، ظالما للرعية، وكان يتشيع، وكان منصرف الهمة إلى رمي البندق والطيور المناسيب ويلبس سرا ويلات الفتوة، ومنع من رمي البندق إلا من ينسب إليه، فأجابه الناس إلى ذلك إلا رجلا واحدًا، يقال له ابن السنة، فهرب من بغداد إلى الشام. وكان ذا هيبة عظيمة، وكان له أصحاب في العراق كلها يأتونه بأخبار الناس، ويطالعونه بها، حتى كان الرجل يخشى أن يتحدث مع زوجته إذا خليا. وذكر أن رجلا من أهل بغداد عمل دعوة فغسل يده قبل إضيافه فطالع [١١] أصحاب الأخبار الخليفة بذلك، فكتب: سوء أدب من صاحب الدار، وفضول من كاتب المطالعة (¬٤). وبلغه أن شخصا من أهل بغداد يرى صحة خلافة يزيد بن معاوية فأحضره ليعاقبه على هذا القول، فكان جوابه: أنا أقول: إن الإمام (¬٥) لا ينعزل عن الإمامة بارتكاب الفسق. فأعرض الخليفة عنه، وأطلقه، إذ لا يمكن مخالفته في ذلك (¬٦). وفي عيون المعارف: وكان الخليفة الناصر لدين الله بصيرا بالأمور مجربا، سائسًا مهيبًا، مقداما، عارفًا، شجاعا، متأيدا، حاد الخاطر، متوقد الذكاء والفطنة، بليغا، غير مدافع عن فضلية علم ولا بادرة فهم، يفاوض العلماء مفاوضة خبير، ويمارس الأمورالسلطانية ممارسة بصير، يرى رأي الإمامية (¬١) الإثني عشر، وكان عاكفا على جمع المال والتولية والعزل والمصادرة، قوى النفس فيما يحاوله، شديد الفتك والانتقام، ولم ينقطع الحج في أيامه أبدا (¬٢). وعمر عمارات كثيرة، ووقف عليها وقوفًا كرباط الحريم ورباط المرزبانية، وترية والدته، وتربة زوجته سلجوقي خاتون، ابنة السلطان أرسلان بن سليمان بن قتلمش ملك الروم، وغير ذلك مما هو أشهر أن يذكره. ودفع مرارا كثيرة إلى ثقات من خواصه أموالا كثيرة يقضي بها ديون المحبوسين وفاء ومصالحه (¬٣). وصفي له الملك ومعاناة أمور رعيته بنفسه حتى كان يمشي في الليل في دُرُب بغداد ليعرف أخبار الرعية وما يدور بينهم، وُيثُيب ويعاقب على ما يشاهده ويسمعه. وكان كل واحد من أرباب المناصب العالية والرعايا يخافه، بحيث كأنه يطلع عليه في داره، وكثرت جواسيسه وأصحاب أخباره عند السلاطين في أطراف البلاد، وله مثل هذه قضايا غريبة (¬٤). وصنف كتابًا في الأحاديث النبوية سماه "روح العارفين"، وقرئ عليه وأسنده عن مشايخه الذين روى عنهم ما فيه، وكان تاريخ نقله لما رواه عن شيوخه سنة سبعين وخمسمائة، وأمر الناس أن يسمعوه في العراق وفي سائر [١٢] الآفاق (¬٥). وفي تاريخ بيبرس: وكان يفعل أفعالا متضادة، وأطلق بعض المكوس التي جددها ببغداد خاصة ثم أعادها. وكان ذا فكرة صائبة وعقل رصين ودهاء ومكر، وكانت هيبته عظيمة، وسطوته شديدة (¬٦). وله شعر مشهور، منه أنه اعتقل بعض أرباب دولته فكتب إليه المعتقل، وهو نصير الدين العجمي وزيره:ألقني في لظى فإن غَيرتني … فتيقن أن لستُ بالياقوت عَرَفَ النَّسْجُ كُلَّ من حالك لكن … نَسْجُ داود ليس كالعنكبوت فكتب الخليفة في جوابها: نَسْجُ داود لم يُفد صاحب الـ … غار وكان الفخار للعنكبوت وبقاء السمند (¬١) في لهب النـ … ار يزيلُ فضيلة الياقوت (¬٢) وفي تاريخ ابن (¬٣) العميد: وسيرته أنه كان فاضلا أديبًا ذا رأي وتمييز (¬٤) وحزم وسياسة، وفكرة جيدة وبديهة حاضرة، إلا أنه كان محبا لجمع المال، وظلم الرعايا والتجار والمترددين إلى بغداد، وأخذ أموالهم، وكان يباشر الأمور بنفسه (¬٥). (الثالث) في وفاته: توفي ليلة الأحد سلخ رمضان سنة اثنتين وعشرين وستمائة، وكان مرضه قد طال به وجمهوره من عسار البول، مع أنه كان يجلب له الماء من مراحل عن بغداد ليكون أصفى، وشق ذَكَره مرات بسبب ذلك، ولم يغن عنه هذا الحذر شيئًا (¬٦). وفي عيون المعارف: وتوالت عليه في آخر عمره أمراض ذهبت إحدى عينيه، وأصابه الحصى وعسر البول. وقال ابن الأثير (¬٧): وبقي الناصر لدين الله ثلاث سنين عاطلا عن الحركة بالكلية، وقد ذهبت إحدى عينيه والأخرى يبصر بها إبصارا ضعيفا، وآخر الأمر أصابه دوسنطارية عشرين يوما ومات، ولم يطلق في أيام مرضه ما كان أحدثه من الرسوم الجائرة.وفي تاريخ بيبرس: وكان الإمام الناصر قد عمي في آخر عمره، وقيل: بل ذهبت إحدى عينيه. وكان موته بالدوسنطارية بأمراض به عشرين يوما، وتوفى في أول شوال من هذه السنة (¬١). وفي المرآة (¬٢): وكان قد قل بصره، وقيل: ذهب بصره، وكانت [١٣] به أمراض مختلفة منها: عسر البول والحصى ولقى منه شدة، وشُقَّ ذَكَرُه مرارًا وما زال يعتريه مرارا حتى قتله. قال السبط (¬٣): وغسله خالي أبو جعفر محمد بن يوسف، وكان قد عمل له ضريحا عند موسى بن جعفر، فأمر الظاهر بحمله إلى الرصافة، فحمل في تابوت ودفن عند أهله، وقيل: توفي في سابع عشرين رمضان. وفي عيون المعارف: وكان الذي ولي غسله محيي الدين يوسف بن الجوزي بن الشيخ أبي الفرج، وصلى عليه ودفن في دار الخلافة، ثم نقل إلى الترب في الرصافة في ثاني ذي الحجة من هذه السنة، وكان يوما مشهودًا عظيما. (الرابع) في ذكر ما يتعلق به: كان عمره يوم مات تسعا وستين سنة وشهرين. وعشرين يوما، وكانت مدة خلافته سبعًا وأربعين سنة إلا شهرًا، ولم يقم أحد من الخلفاء العباسيين قبله في الخلافة هذه المدة الطويلة، ولم تطل مدة أحد من الخلفاء مطلقا أكثر من المستنصر العبيدي الفاطمي، أقام بمصر حاكمًا ستين سنة، وقد انتظم في نسبه أربعة عشر خليفة وولي (¬٤) عهد على ما رأيت، وبقية الخلفاء العباسيين كلهم من بني عمه وعماته (¬٥). وفي تاريخ بيبرس: لم يبلغ مدة أحد من الخلفاء إلى هذا الحد في الخلافة، وأما من دعى له في الأطراف وكانوا في حكم الخوارج فمنهم من زادت مدته على مدة الإمامالناصر، فإن عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس الملقب أيضا بالناصر لدين الله ولي نحوا من خمسين سنة، والمستنصر بالله أبو تميم معد بن الظاهر بأمر الله صاحب مصر ولى نحوا من ستين سنة (¬١). وفي تاريخ ابن (¬٢) العميد: وكانت مدة خلافته ست (¬٣) وأربعين سنة وعشرة أشهر وأربعة وعشرين يوما، أولها يوم الأحد، وآخرها يوم السبت، وذلك لتتمة ستمائة وإحدى وعشرين سنة، وثمانية أشهر، وستة وعشرين يوما للهجرة، ولتمام ست (¬٤) آلاف سنة وسبع مائة سنة، وسبع عشرة سنة، وسبعة وثلاثين يوما [١٤] للعالم شمسية. وقال أبو شامة (¬٥): ووزر له عدة وزراء، وكان له خادم اسمه رشيق، قد استولى على الخلافة، وأقام مدة فوقع عن الخليفة.