بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 1012, entry [426]4,521 chars
ذكر ماجريات جنكيز خان اللعين لما انبسطت يده واشتد ساعده وعضده، وخلت البلاد قدامه، واتسعت الأقاليم أمامه، فرق أولاده إلى الآفاق ليملكوا ما تيسر لهم امتلاكه، ويهلكوا من الأمم من يمكنهم إهلاكه، وكان له من الأولاد: أوكديه خان، وجقطاي خان، ودوشي خان، وطولي خان، فأول من توجه منهم إلى البلاد الشمالية باطوخ…
▸ expand full passage (4,521 chars)ذكر ماجريات جنكيز خان اللعين لما انبسطت يده واشتد ساعده وعضده، وخلت البلاد قدامه، واتسعت الأقاليم أمامه، فرق أولاده إلى الآفاق ليملكوا ما تيسر لهم امتلاكه، ويهلكوا من الأمم من يمكنهم إهلاكه، وكان له من الأولاد: أوكديه خان، وجقطاي خان، ودوشي خان، وطولي خان، فأول من توجه منهم إلى البلاد الشمالية باطوخان بن دوشي خان، ويسمى صائن خان ومُغلي وبُوري قدان ومن معهم، ولما دخلوا تلك البلاد استولوا على من كان بها من طوائف الأتراك وقبائل القفجاق والعلان والآص والأولاق والجركس والروس وساكني تلك الآفاق، وتمكنوا منهم قتلا وسبيا وأسرا ونهبا، وجلبت سبايا هذه الأجناس إلى البلاد الشامية والمصرية، فمنهم المماليك العادلية والكاملية والأشرفية والمعظمية والناصرية والعزيزية، وحسنت آثارهم في الممالك الإسلامية. وكان جنكيزخان قد جرد إلى خراسان صهره تفجار نوين (¬١) وأميرًا من قواده اسمه يزكانون في عشرة آلاف فارس لنهب نسا وإحراقها، فوصلت طائفة منهم إلى نسا مقدمهم أمير يعرف ببيك كوش، فخرج الناس إليهم مقابلين فوقعت نشابة في صدر بيك. كوش فخر ميتا، فنقموا بذلك على أهل نسا، وقدّموا حصارها على حصار سائر البلاد بخراسان، فساقوا إليها من الرجالة التي جمعت من أطراف خراسان، وحوصرت قلعتها خمسة عشر يوما لم يفتروا عن القتال ليلا ولا نهارا، ونصب عليها عشرون منجنيقا تخدمها الرجالة المجتمعة، وكانوا يسوقون الأساري تحت الحركات (¬٢) وهي بيوت على وضع الجملون اتخذت من الخشب ولبست بالجلود، وإن لم يوصلوها إلى السور ضربت رقابهم، فكان هذا دأبهم إلى أن ثلموا فيها ثلمة لا تنسد، ثم لبس التتار بأجمعهم لأمة حربهم وزحفوا عليها ليلا، فملكوا السور وانتشروا عليه، والناس في بيوتهم إلى أن أضاء النهار، فنزلوا إليهم من السور، فساقوهم إلى فضاء وراء البساتين كأنهم قطيع غنم ثمقتلوهم عن آخرهم، وكان عدة من قتل بنسا من أهلها ومن انضم إليها تقدير سبعين ألفا، وهي كورة من كور خراسان، ثم لم يزالوا يفسدون في تلك البلاد ويقتلون وينهبون إلى أن كنسوا خراسان عن آخرها (¬١). ثم قصدوا نيسابور ليذيقوا أهلها نكال العذاب، فلما قاربوها خرج أهلها مناوشين فأصابت صدر تُفْجار نوين نشابة فانتقل إلى نار الجحيم، فلما رأوا ذلك تأخروا وكاتبوا جنكيزخان مستمدين، فأمدهم بخمسين ألفا، فلما قاربوها أقاموا شرقيها بقرية تعرف بشونجنان، وهي ذات أشجار كثيرة ومياه غزيرة، ثم ساقوا إليها مائتي منجنيق، فرموا بها واستولوا عليها بعد ثلاثة أيام، فألحقوها بسائر المدن، ثم أمروا الأساري فبسطوها بالمجاريف حتى صارت أرضا ملساء، [٤٢٤] فلعبوا فيها بالأكرة، ومات أكثر أهلها تحت الأرض (¬٢). ولما طلع جلال الدين من الهند على ما نذكره إن شاء الله، وملك إقليم خراسان وما كان من بلاد العراق ومازندران، ورأي خراب هذه البلاد، ضمنوا له الدفائن بها كل سنة بثلاثين ألف دينار، وربما كان الضامن يأخذ هذا المقدار في يوم واحد، إذ كانت الأموال مدفونة في السراديب والجباب والمطامير ونحوها (¬٣). وتوجهت طائفة إلى همذان وأخذوها وقتلوا من فيها، ثم أحرقوا المدينة، ورحلوا عنها إلى أردويل (¬٤) فملكوها وقتلوا من كان فيها وخربوا، ثم ساروا إلى تبريز وكان قد قام بأمرها شمس الدين الطغرائي، وجمع كلمة أهلها لأن صاحبها أزبك بن البهلوان كان قد فارقها، وكان أميرًا متخلفًا، منهمكا على الخمر، محتجبًا عن الناس، غير مفكر في تدبير البلاد التي في يده، وكان في يده أذربيجان وأران، فلما سمع بمسير التتر من همذان فارق تبريز وقصد نقجوان (¬٥)، وسير نساءه وأولاده إلى خويّ (¬٦)، وسار التتار إلى بَيْلقان (¬٧) فنهبوا وقتلوا كل أهل القرى، ولما وصلوا المدينة حصروها، فطلب أهلها رسولا يقررون معه الصلح، فلما دخلها رسولهم قتله أهلها، فزحف التتار عليهم وقاتلوهم أشد قتال، ثمإنهم ملكوا البلد عنوة في شهر رمضان، ووضعوا فيهم السيف فلم يبقوا على كبير ولا صغير، حتى أنهم شقوا أجواف النساء وأخرجوا الأجنة من بطون أمهاتهم وقتلوهم، ولما فرغوا من نهبها وتخريبها ساروا إلى مدينة كنجة (¬١) وهي أم بلاد أران، ولما وصلوا إليها علموا بكثرة أهلها وشجاعتهم لدربتهم بقتال الكرج فلم يقدموا عليها، فأرسلوا إلى أهلها يطلبون منهم المال والثياب، فحملوا إليهم ما طلبوا فساروا عنهم (¬٢). ولما فرغوا من بلاد المسلمين بأذربيجان وأران ساروا إلى بلاد الكرج (¬٣)، وكانوا قد استعدوا لهم وسيروا جيشا إلى أطراف بلادهم ليمنعوهم، فالتقوا فكسروهم، وقتلوا من الكروج نحو ثلاثين ألفا، فلما وصل المنهزمون إلى تفليس (¬٤) وبها ملك الكرج انهزم منها وأخلاها، ففعل التتار فيها ما أرادوا من القتل والسبي وعادوا عنها (¬٥). ثم قصدوا دربند شروان (¬٦) فحصروا مدينة شماجي (¬٧) وقاتلوا أهلها، فصبروا ثلاثة أيام، ثم ملكوها عليهم وقتلوا من بها من المقاتلة، وسبوا الذريّة، ونهبوا الأموال، فلما فرغوا منها أرادوا عبور الدربند، فلم يقدروا فأرسلوا رسولا إلى شروان، أن تجهزوا إلينا أقواما من أعيان من عندكم لنتحدث معهم في الصلح، فسَيَّروا عشرة أنفار، فقبضوا عليهم وقتلوا واحدا منهم، وقالوا للباقين تعرفونا الطريق وإلا قتلناكم مثل هذا، فعند ذلك ساروا بهم ودلوهم على طريق يتوصلون منها إلى بلاد الترك، ففعلوا فيها ما قدمنا ذكره، واستولوا على بلادهم وسكنوها، وتراجع من بقي من القّفجاق، واجتمعوا مع التتار لقرب الجنسية، وتصاهروا والتحموا، وسنذكر أحوال كل ملك صار الملك إليه منهم حيث يرد ذكره إن شاء الله تعالى (¬٨).