بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 971, entry [418]5,372 chars
ذكر مجيء جنكزخان إلى بخارى وغيرها من بلاد المسلمين وحربه مع السلطان علاء الدين خوارزم شاه [٤٠١] قال ابن كثير (¬٨): وفي هذه السنة عم البلاء وعظم العزاء بجنكزخان المسمى بتموجين - لعنه الله - ومن معه من التتار المفسدين، واستفحل أمرهم وامتد فسادهم من أقصى بلاد الصين إلى أن وصلوا إلى بلاد العراق وما حوله…
▸ expand full passage (5,372 chars)ذكر مجيء جنكزخان إلى بخارى وغيرها من بلاد المسلمين وحربه مع السلطان علاء الدين خوارزم شاه [٤٠١] قال ابن كثير (¬٨): وفي هذه السنة عم البلاء وعظم العزاء بجنكزخان المسمى بتموجين - لعنه الله - ومن معه من التتار المفسدين، واستفحل أمرهم وامتد فسادهم من أقصى بلاد الصين إلى أن وصلوا إلى بلاد العراق وما حولها، حتى انتهوا إلى إربل وأعمالها، فملكوا في سنة واحدة وهي هذه السنة سائر الممالك إلا العراق والجزيرةوالشام ومصر، وقهروا جميع الطوائف التي بتلك النواحي الخوارزمية والقفجاق والكرج واللان والخزر وغيرهم، وقتلوا في هذه السنة من المسلمين في بلدان متعددة كبار ما لا يحد ولا يوصف. وبالجملة فلم يدخلوا بلدًا إلا قتلوا جميع من فيه من المقاتله والرجال، وكثيرا من النساء والصبيان، وأتلفوا ما فيه بالنهب إن احتاجوا إليه، وبالحريق إن لم يحتاجوا إليه، حتى أنهم كانوا يجمعون الحرير الكثير الذي يعجزون عن حمله فيطلقون فيه النار وهم ينظرون إليه، ويخربون المنازل، وما عجزوا عن تخريبه أحرقوه، وأكثر ما يحرقون المساجد والجوامع - لعنهم الله - وكانوا يأخذون الأسارى من المسلمين فيقاتلون بهم ويحاصرون بهم وإن لم ينصحوا في القتال قتلوهم. وقال ابن الأثير (¬١) ﵀: لو قال قائل: إن العالم منذ خلق الله آدم ﵇ وإلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقًا، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها، ومن أعظم ما يذكرون من الحوادث ما فعل بخت نصر ببني إسرائيل من القتل وتخريب بيت المقدس. وما البيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء الملاعين من البلاد التي كل مدينة منها أضعاف البيت المقدس (¬٢)؟! وما بنو إسرائيل بالنسبة إلى "من" (¬٣) قتلوا؟! فإن أهل مدينة واحدة ممن قتلوا أكثر من بني إسرائيل، ولعل الخلائق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم وتفنى الدنيا إلا يأجوج ومأجوج، وأما الدجال فإنه يبقى على من اتبعه ويهلك من خالفه، وهؤلاء لم يبقوا على أحد، بل قتلوا الرجال والنساء والأطفال، وشقوا بطون النساء الحوامل وقتلوا الأجنة (¬٤). وقتلوا الصلحاء والعلماء والزهاد والعباد، وأخربوا الجوامع والمساجد، وأحرقوا المصاحف، ورمي الله الخذلان في المسلمين حتى أن امرأة من التتار دخلت دارا وفيها جماعة من المسلمين فقتلت البعض وأسرت الباقين، وهم يظنون أنها رجل، ولما وضعت السلاح وجدوها امرأة فقتلها بعض من أسراها (¬٥).وحكى أن رجلا من التتار دخل دارا وفيها مائة رجل فقتلهم واحدًا بعد واحد حتى أفناهم، ولم يمد واحد منهم يده إليه، وكان الواحد منهم يدخل الدرب وفيه جماعة فيقتلهم كلهم وحده. قلت: قد جاء هلاون بعده وفعل بين المسلمين أقبح منه، ثم في آخر الأمر جاء تمرلنك في سنة ثلاث وثمان مائة وأفسد وأخرب وحرق وقتل أكثر من جنكيز خان وغيره؛ لأن تمرلنك دخل الروم والشام والعراق وقتل فيها ما لا يعد ولا يحصى، ثم إن علاء الدين خوارزم شاه لما فرق عساكره في البلاد ودهمته عساكر التتار وأخذوا مدينة أوترار (¬١) وأفسدوا فيها، رجع خوارزم شاه بالمسلمين إلى بخارى ورتب بها الاستعداد للحصار لعلمه بالعجز عن المواجهة والمقاومة، ورتب فيها عشرين ألف فارس، وجعل في سمرقند خمسين ألفا يحمونها، وقال لهم: إني أسير إلى بلاد خوارزم وخراسان لأجمع العساكر وأعود إليكم، ثم رحل عائدًا فعبر نهر جيحون، فنزل بالقرب من بلخ فعسكر هناك، وأقام ينتظر اجتماع عساكره، [٤٠٢] فساق جنكيزخان إلى بخارى ليحاصرها ويقطع بين السلطان وبين عساكره المتفرقة، فحاصرها ثلاثة أيام، فانهزم عسكر المسلمين، وضعفت قلوب أهل البلد وطلبوا الأمان فأعطاهم أمانا، ففتحوا البلد، وتحصن في القلعة طائفة من الجند، فأمر جنكيزخان المسلمين بأن يحفروا جميعا ويطموا الخندق بالأخشاب والتراب، ففعلوا حتى إن الكفار كانوا يأخذون المنابر والربعات فيلقونها في الخندق، ثم تابعوا الزحف، وكان بها نحو من أربع مائة فارس من المسلمين، فبذلوا جهدهم اثني عشر يومًا، وقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم. فلما فرغ من القلعة أمر بإحضار رؤساء البلد وأمرهم بإحضار موجودهم، فأحضر كل ما عنده، ثم أمرهم بالخروج من البلد مجردين من أموالهم ليس معهم سوى الثياب التي عليهم، ودخل التتار البلد فنهبوه وقتلوا كل من وجدوه فيه، ثم أحاطوا بالمسلمين، فأمر أصحابه أن يقتسموهم، وكان يوما شديدا من بكاء الرجال والنسوان وعجيج الأطفال والولدان، وأخذ كل من استسلم منهم أسيرًا، ومنهم أقوام اختاروا الموت على الأسر فقاتلوا حتى قتلوا. وممن إختار القتل وقاتل حتى قُتل الإمام ركن الدين إمام زاده، والقاضي صدر الدين خان، وألقت التتار في البلد النار، وأحرقوا المساجد والمدارس والربط (¬٢).ثم ساروا إلى سمرقند (¬١) وقد تحققوا عجز السلطان خوازرم شاه عنهم، واستصحبوا معهم من أسروا من أهل بخارى (¬٢) مشاة على أقبح صور الأسارى، وكل من عجز عن المشي قتلوه، فلما قاربوا سمرقند قدموا الخيالة وتركوا الرجالة والأسرى والأثقال وراءهم، فلما رأى أهل البلاد سوادهم استعظموهم. فلما كان اليوم الثاني وصل الأساري والرجالة والأثقال وأحاطوا بالبلد، وكان فيه خمسون ألف مقاتل من الخوارزمية، وأما عامة أهل البلاد المجتمعين إليها فلا يحصون كثرة، فخرج إليهم الشجعان وأهل الجلد والقوة رجّالة، ولم يخرج إليهم أحد من الخوارزمية لما في قلوبهم من خوف التتار، فقاتلهم الرجّالة بظاهر البلد يتبعونهم ويطمعون فيهم، وكان التتار قد كمنوا لهم كمينا، فلما استجروا أهل البلد إلى أن تعدوا الكمين خرجوا عليهم وحالوا بينهم وبين البلد، فبقوا في الوسط وأخذتهم السيوف من كل جانب، فقُتلوا عن آخرهم شهداء ﵃ وكانوا سبعين ألف على ما قيل، فلما رأى الباقون من العامة والجند ذلك ضعفت قلوبهم وأيقنوا بالهلاك، فقال الجند: نحن أتراك من جنس هؤلاء ولا يقتلوننا، وطلبوا الأمان فأجابوهم إلى ذلك، ففتحوا أبواب البلد، وخرجوا إلى الكفار بأهلهم وأموالهم، فقالوا لهم: ادفعوا إلينا أسلحتكم، ففعلوا، فلما أخذوا أسلحتهم وضعوا السيوف فيهم فقتلوهم عن آخرهم، وأخذوا أموالهم ودوابهم ونساءهم وأولادهم، ولما كان اليوم الرابع نادوا في البلد أن اخرجوا ومن تأخر قتل، فخرج جميع من في البلد من الرجال والنساء والأطفال، ففعلوا بهم كما فعلوا بأهل بخارى من السبي والنهب والقتل، ثم دخلوا البلد فنهبوا ما كان فيها، وكان خوارزمشاه بمنزله مقيما، وكلما اجتمع [٤٠٣] إليه عسكر سيَّره إلى سمرقند، فيرجعون ولا يقدمون على الوصول إليهم، فنعوذ بالله من الخذلان. فلما فرغ جنكيز خان من سمرقند سير من عساكره عشرين ألفا في طلب خوارزم شاه (¬٣).