بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 936, entry [407]5,882 chars
ذكر خروج التتار إلى بلاد الإسلام وظهورهم في هذه الأيام قال بيبرس (¬٥) في تاريخه: وفي هذه السنة أعني سنة خمس عشرة وستمائة توالت الجوائح على البلاد الإسلامية وتواترت النوائب على الأمة المحمدية، ووافق حركة الفرنج من المغرب خروج التتار من أقصى المشرق واستيلائهم على ما يليهم من ممالك الخطائية، وامتدادهم …
▸ expand full passage (5,882 chars)ذكر خروج التتار إلى بلاد الإسلام وظهورهم في هذه الأيام قال بيبرس (¬٥) في تاريخه: وفي هذه السنة أعني سنة خمس عشرة وستمائة توالت الجوائح على البلاد الإسلامية وتواترت النوائب على الأمة المحمدية، ووافق حركة الفرنج من المغرب خروج التتار من أقصى المشرق واستيلائهم على ما يليهم من ممالك الخطائية، وامتدادهم إلى الممالك الإسلامية وانتزاعهم مدائن العجم من يد السلطان خوارزم شاه علاء الدين محمد بن تكش بن أيل أرسلان بن إتسر المستولى على الممالك السلجوقية، وذكر غيره خروج التتار إلى بلاد الإسلام في سنة ست عشرةوستمائة وذلك أنهم عبروا نهر جيحون صحبة ملكهم جنكيز خان من بلادهم، وكانوا يسكنون جبال طمغاج من أرض الصين ولغتهم مخالفة للغة سائر التتار وهم من أشجعهم وأصبرهم على القتال، وسبب دخولهم أن جنكيز خان بعث تجار له مع أموال كثيرة إلى بلاد خوارزم شاه يشترون له ثيابا للكسوة فكتب نائب خوارزم شاه إليه يخبره بهم وبما معهم من الأموال الكثيرة فأرسل خوارزم شاه إليه يأمره بقتلهم وأخذ أموالهم ففعل ذلك، فبلغ جنكيز خان فغضب عند ذلك غضبا شديدا وأرسل يتهدد خوارزم شاه، فأشار من أشار على خوارزم شاه بالمسير إليهم فسار إليهم فأقبل وهم في شغل بقتال كشلي خان، فنهب خوارزم شاه أموالهم وسبي ذراريهم وذلك بعد أن اقتتلوا أربعة أيام قتالا لم نسمع بمثله؛ أولئك يقاتلون على حريمهم والمسلمون يقاتلون عن أنفسهم يعلمون أنهم متى ولوا استأصلوهم، فقتل من الفريقين خلق كثير حتى أن الخيول كانت تزلق في الدماء، وكان جملة من قتل من المسلمين نحو من عشرين ألفًا، ومن التتار أضعاف ذلك. ثم تحاجز الفريقان وولي كل منهم إلى بلاده. وقال أبو الفتح المنشئ: لما انصرف السلطان خوارزم شاه من العراق واستقر بما وراء النهر وافته رسل جنكيز خان وهم محمود الخوارزمي، وعلي خواجه البخاري ويوسف كنكا الأتراري ومعهم من نَقَر المعادن ونواقح المسك وأحجار اليشم والنياب التي تسمى طرقو، وقد ذكرنا هذا أنه كان في سنة أربع عشرة وستمائة وأن خوارزم شاه أكرم رسله وخلع عليهم وأظهر المسالمة مع جنكيز خان، ولما ردوا إلى جنكيز خان وأخبروه بذلك سر وفرح على هذا واستمر الحال على المسالمة إلى أن وصل من بلاد جنكيز خان تجار إلى أترار وهم خواجه عمر الأتراري والجمال المراغي وفخر الدين البخاري وأمين الهروي، وكان ينال خان ابن خال السلطان في عشرين ألف فارس ينوب عن السلطان خوارزم شاه في مدينة أترار (¬١). ولما وصلت التجار إلى أترار شرهت نفسه الدنيّة في أموالهم واحتاط عليهم وخفى أثرهم وتفرد بتلك الأموال بغير علم السلطان (¬٢). فبلغ ذلك جنكيز خان، فأرسلإلى خوارزم شاه شخصا يقال به كرُجْ بُغْرا، وكان أبوه من أمراء السلطان تكش والد خوارزم شاه، ومعه اثنان من التتار، ومضمون الرسالة بأنك قد أعطيت خط يدك بالأمان للتجار، وأن لا يتعرض إليهم أحد، فغدرت ونكثت، والغدر في نفسه قبيح، ومن سلطان الإسلام أقبح، فإن كنت تزعم أن الذي فعله ينال خان من غير أمرك فسلمه إلىَّ لأجازيه على ما فعل، وإلا فأذن بحرب تَرْخُصُ فيها غوالي الأرواح، وتقصف معها عوالي الرماح. فأمسك السلطان عن تسبيرينال خان إليه، على رعب خامر قلبه، وخَوفُ سلب لُبه، وذلك لأنه عُمْدَة عساكره، ومن أقاربه، وكان أكثر أمرائه من أقاربه، وطُرُر مملكته والمتحكمين في دولته. ثم اعتقد السلطان أنه إذا لاطف جنكيز خان في الجواب لم يزده ذلك إلا طمعًا فيه، فأغلظ في الجواب وأمر بقتل أولئك الرسل فقتلوا فيا لها من قتلة هدرت دماء المسلمين والإسلام، وأجرت بكل نقطة سيلا من الدم الحرام، ولما بلغ ذلك جنكيز خان عزم على المسير إليه، واجتهد في الحوطة عليه وبلغ ذلك السلطان خوارزم شاه فأول ما اعتمده من التدبير الخطأ أنه عزم على أن يبني سورا على سمرقند ودوربها على ما قيل اثني عشر فرسخًا ثم شحنها بالرجال ليكون ردا بينه وبين الترك، وسدًا دونهم، ثم سير عماله وجباته إلى جميع البلاد وأمرهم أن يستخرجوا خراج سنتين. وأعجلة التتار عن عمارة السور. ومن جملة خطئه في تدبيره أنه لما سمع بقرب جنكيز خان فرق عساكره في مدن ما وراء النهر وبلاد الترك، فترك ينال خان في عشرين ألف فارس في أترار وقيلغ خان في عشرة آلاف فارس في شهر كند (¬١) والأمير اختيار الدين كشلي أمير آخور وأغلى حاجب الملقب بانبانجخان في ثلاثين ألف فارس ببخاري وطغان جَان خَالَهُ وأمراء الغور مثل حرمنج وخرزوام وابن عز الدين وحسام الدين مسعود وغيرهم في أربعين ألف فارس بسمرقند، وفخر الدين المعروف با عيار النسوي وعسكر سجستان بترمذ وملخودْخان بوخش وأبا محمد خال أبيه في جماعة كثيرة ببلخ وأسرك بهلوان بجند وعجلق ختلان، وبالجملة لم يترك بلدا من البلاد بما وراء النهر خاليا من عسكره وقد أخطأ في ذلك، فلو التقى التتار بعساكره قبل أن يفرقهم لاختطفهم خطفًا ولكن أمر الله غالب، ثم إن جنكيز خان لما شارف تخوم البلاد السلطانية تياسر صوب أترار وداومالقتال عليها ليلا ونهارا حتى استولى عليها، وأحضر ينال خان بين يديه فأمر بسبك الفضة وقلبها في أذنيه وعينيه فقتل تعذيبًا جزاء عن فعله الشنيع عن قتله التجار وأخذ أموالهم، ثم أحضر جنكيز خان نائب الوزارة بأترار وهو بدر الدين العميد فاتفق معه على أن زوّر كتبًا عن لسان الأمراء قرابة والدة السلطان إلى جنكيز خان يبذلون له الدخول في طاعته والرجوع عن مناصرة السلطان ومعاضدته، وأرسل هذه الكتب على يد بعض خواصه فلما وقف عليها السلطان نفر منهم ونأى عنهم وأخذ يبدد شملهم ويفرق جمعهم ثم سير جنكيز خان دانشمند الحاجب وهو من خواصه إلى تُركان خاتون والدة السلطان بخوارزم. يقول: قد عرفت مقابلة ابنك وحقوقك بالعقوق وها أنا قد قصدته ولست بمتعرض إلى ما تحت يدك من البلاد فإن أردت ذلك ابعثي إلى من تثقي به حتى أحلف لك وأسلم لك خوارزم وخراسان، وما يتاخمها من قاطع جيحون. فكان جوابها عن هذه الرسالة أنها تخرج عن خوارزم وتتركها وراءها، فعند ذلك خرجت تركان خاتون من خوارزم واستصحبت معها ما أمكنها من حرم السلطان وصغار أولاده ونفائس خزائنه، وأمرت بقتل من كان بخوارزم من الملوك الأسارى وأبناء الملوك وكبار الصدور، فقتل زهاء اثنين وعشرين نفسًا محرمة منهم ابنا السلطان غياث الدين الغوري وابن طغرل السلجوقي، وعماد الدين صاحب بلخ (¬١). وابنه بهرام شاه صاحب ترمذ (¬٢)، وعلاء الدين صاحب باميان (¬٣) وجمال الدين عمر صاحب وخش (¬٤) وابنا (¬٥) صاحب سغناق (¬٦) من بلاد الترك، وصدر جهان وافتخار جهان وابْناه ملك الإسلام وعزيز الإسلام. واستصحبت عمر خان ابن صاحب بازر وكان معوقًا بها لخبرته بالطرق المفضية إلى بلاده، فخرج معها وخدمها تلك المدة أتم خدمة حتى إذا قاربت تخوم بازر خافت أن يفارقها، فأمرت بضرب عنقه فقتل صبرًا وسارت بمن معها من الحرم والخزائنفصعدت قلعة إيلال من قلاع مازندران فأقامت بها إلى أن كان منها ما سنذكره إن شاء الله تعالى (¬١) وذكر بيبرس في تاريخه خروج تركان خاتون المذكور من خوارزم في هذه السنة، وذكر أبو الفتح المنشيء أنه كان خروجها في أواخر سنة ست عشرة وستمائة، وسنذكر ما جرى بعد ذلك بين جنكز خان والسلطان خوارزم شاه وما جرى على تركان خاتون إن شاء الله تعالى.