بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 912, entry [392]3,743 chars
ذكر قضية الملك العادل مع الفرنج وفي هذه السنة (¬١) انفسخت الهدنة بين المسلمين والفرنج، وجاء الملك العادل من مصر بالعساكر فنزل على بيسان والمعظم عنده في العساكر الشامية، وخرج الفرنج من عكا ومقدمهم الملك الهنكر فنزلوا عين الجالوت في خمسة عشر ألفا، وكان شجاعا مقداما، ومعه جميع ملوك الساحل، فلما أضحوا ر…
▸ expand full passage (3,743 chars)ذكر قضية الملك العادل مع الفرنج وفي هذه السنة (¬١) انفسخت الهدنة بين المسلمين والفرنج، وجاء الملك العادل من مصر بالعساكر فنزل على بيسان والمعظم عنده في العساكر الشامية، وخرج الفرنج من عكا ومقدمهم الملك الهنكر فنزلوا عين الجالوت في خمسة عشر ألفا، وكان شجاعا مقداما، ومعه جميع ملوك الساحل، فلما أضحوا ركب الهنكر في أوائلهم وقصد العادل، وكان العادل على تل بيسان فنظر فرأى أنه لا قبل له بهم فتأخر. وقال له المعظم: إلى أين؟ فشتمه بالعجمية وقال: بمن أقاتل؟ أقطعت الشام مماليكك وتركت أولاد الناس الذين يرجعون إلى الأصول. وذكر كلامًا في هذا المعنى، وساق فعبر الشريعة (¬٢) عند برقاء (¬٣) وجاء الهنكر إلى بيسان وبها الأسواق والغلال والمواشي شيء لا يعلمه إلا الله فأخذ الجميع. وارتفع العادل إلى عجلون ومضى المعظم فنزل بين نابلس والقدس على عقبة اللين (¬٤) خوفا على القدس، وأقام الفرنج على بيسان ثلاثة أيام ورحلوا طالبين قصر ابن معين الدين، وسار العادل فنزل رأس الماء وصعد الفرنج عقبة (¬٥) الكرسي إلى خربة اللصوص، والجولان، وأقاموا ثلاثة أيام ينهبون ويقتلون ويأسرون ثم عادوا ونزلوا الغور، وبعث العادل أثقاله إلى بصري ونسائه وأقام على رأس الماء جريدة، ولما نزل الفرنج الغور جاء العادل فنزل عالقين (¬٦) ثم تزل الفرنج تحت الطور يوم الأربعاء الثامن والعشرين (¬٧) من شعبان وأقاموا إلى يوم الأحد ثاني رمضان، وكان يوما كثير الضباب فما أحس بهم أهل الطور إلا وهم عند الباب قد ألصقوا رماحهم بالسور، ففتح المسلمون الباب وأخرج إليهم ألف فارس والراجل وقاتلوهم حتى رموهم أسفل الطور.فلما كان يوم الثلاثاء رابع رمضان طلعوا بأسرهم ومعهم سلم عظيم فزحفوا من ناحية باب دمشق وألصقوا السلم بالسور، فقاتلهم المسلمون ودخلت رماح الفرنج من المرامي من كل ناحية فضرب بعض الزراقين السلم بالنفط فأحرقه وقتل عنده جماعة من أعيان الفرنج، منهم كند كبير فلما رأوه مقتولا صاحوا وبكوا وكسروا عليه رماحهم. واستشهد [٣٦٩] في ذلك اليوم من أبطال المسلمين الأمير بدر الدين محمد بن أبي القاسم، وسيف الدين بن المرزبان وكانا من الصالحين الأجواد، وأغلق المسلمون باب الطور وباتوا يداوون الجرحى واتفقوا على أنهم يقاتلون قتال الموت ولا يسلمون أنفسهم لئلا يجرى عليهم ما جرى على أهل عكا، وكان في الطور أبطال المسلمين وخيار عسكر الشام، وأوقد الفرنج حول الطور النيران، فلما كان وقت السحر يوم الخميس سادس رمضان رحلوا طالبين عكا، وجاء المعظم فصعد إلى الطور وأطلق المال والخلع وطيب قلوب الناس، ثم اتفق العادل والمعظم على حراب الطور وقيل: إن المعظم أنفد كتابا إلى الخليفة وفي أوله بيتان هما [للأمير] (¬١) عبد المحسن الحلبي الكاتب: قل للخليفة لا زالت عساكره … لها إلى النصر إصدارٌ وإيرادُ إن الفرنج بحصن الطور قد نزلوا … لا تغفلن فحصن الطور بغداد وقال السبط (¬٢): أنشدني [الأمير] (¬٣) الحلبي هذين البيتين. ولما انفصل الفرنج عن الطور قصد ابن أخت الهنكر جبل صيدا وقال: لا بد لي من أهل هذا الجبل. فنهاه، صاحب صيدا وقال: هؤلاء رماة وبلدهم وعر فلم يقبل وصعد في خمسمائة من أبطال الفرنج إلى حزيز (¬٤) ضيعة الميادنة قريبا من مشعرًا فأخلاها أهلها وجاء الفرنج فنزلوا بها وترجلوا عن خيولهم ليستريحوا، فتحدرت عليهم الميادنة من الجبال فأخذوا خيولهم وقتلوا عامتهم وأسروا ابن أخت الهنكر وهرب من بقي منهم نحو صيدا، وكان معهم رجل من المسلمين يقال له الجاموس، فقال لهم: أنا أوصلكم إليها فقالوا: إن فعلت أغنيناك. فسلك بهم أودية وعرة والمسلمون خلفهم يقتلون ويأسرون، ففهموا أن الجاموس غرّهم فقتلوه. ولم يفلت إلى صيدا سوى ثلاثة أنفس بعد أن كانوا خمسمائة. وجاءوا إلى دمشق بالأسارى وكان يوما عظيما.وأما ما كان من أمر العادل فإنه لما فر من الإفرنج لكثرتهم وقلة من كان معه توجه إلى دمشق وكتب إلى واليها المعتمد ليحصنها من الإفرنج وينقل الغلات من داريا إلى القلعة ويرسل الماء على أراضي داريا وأراضى قصر حجاج والشاغور، ففزع الناس من ذلك وابتهلوا إلى الله بالدعاء وكثر ضجيجهم بالجامع وأقبل العادل فنزل بمرج الصفر وأرسل إلى ملوك الشرق ليقدموا إلى قتال الإفرنج، فكان أول من ورد صاحب حمص أسد الدين شيركوه، فتلقاه الناس فدخل من باب الفرج وجاء وسلم على ست الشام بدارها عند المارستان ثم عاد إلى داره، ولما قدم أسد الدين سرّي عن الناس وأَمِنُوا وانقضت السنة وجموع الفرنج على عكا، ثم اتفق الملك العادل والمعظم ولده على هدنة كما سيأتي إن شاء الله تعالى.