بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]
full-text— · 2 entries
- full passagepage 781, entry [336]6,845 chars
ذكر ماجريات ملوك البلاد منها أن (¬٤) غياث الدين محمود بن غياث الدين محمد ملك الغورية أرسل يستميل يلدز مملوك أبيه المستولى على غزنة فلم يجبه يلدز إلى ذلك، وطلب يلدز من غياثالدين أن يعتقه، فأحضر الشهود وأعتقه، وأرسل مع عتاقته هدية عظيمة، وكذلك عتق أيبك المستولى على الهند، وأرسل إليه نحو ذلك فقبل كل من…
▸ expand full passage (6,845 chars)ذكر ماجريات ملوك البلاد منها أن (¬٤) غياث الدين محمود بن غياث الدين محمد ملك الغورية أرسل يستميل يلدز مملوك أبيه المستولى على غزنة فلم يجبه يلدز إلى ذلك، وطلب يلدز من غياثالدين أن يعتقه، فأحضر الشهود وأعتقه، وأرسل مع عتاقته هدية عظيمة، وكذلك عتق أيبك المستولى على الهند، وأرسل إليه نحو ذلك فقبل كل منهما ذلك، وخطب له أيبك ببلاد الهند التي تحت يده، وأما يلدز فلم يخطب له، وخرج بعض العساكر عن طاعة يلدز لعدم طاعته لغياث الدين مولاه. وفي تاريخ بيبرس: لما أرسل غياث الدين إلى يلدز وطالبه بالخطبة ولم يجب إليه أعاد عليه الرسالة وقال: إما أن تخطب لنا وإما أن تعرفنا ما في نفسك. فلما وصل الرسول بهذا أحضر يلدز الخطيب وأمره أن يخطب له، ويترحم على شهاب الدين، فَخُطِبَ ليلدز بغزنة، فلما رأى الناس ذلك ساءهم إسقاط اسم غياث الدين، وتغيرت نياتهم ليلدز ونيات الأتراك الذين معه، ولم يروه أهلًا أن يخدموه، وإنما كان يطيعونه لما كانوا يرون أنه يقيم دولة غياث الدين. فلما خطب لنفسه، أرسل إلى غياث الدين يقول له: إنه قد اجتمع عندك الذين هم أساس الفتنة وأقطعتهم الإقطاعات، ووعدتني أمورًا لم تقف (¬١) عندها، فإن أنت عتقتني خطبتُ لك وحَلَتْ إليَّ خدمتك. فأجابه غياث الدين إلى ذلك وأشهد عليه بعتقه، وعتق قطب الدين أيبك نائبه ببلاد الهند، وأرسل إليها تشاريف ومناطق ذهب وسترًا. فقبل يلدز الخلع والمناطق، ورد الستر وقال: نحن عبيد ومماليك، والجتر (¬٢) له أصحاب. وسار رسول غياث الدين إلى أيبك وكان ببلاد الهند، فلما علم قرب الرسول لقيه على بعد وقَبّل حافر الفرس ولبس الخلعة، وقال: أما الجتر فلا يصلح للمماليك، وأما العتق فمقبول، وسوف أجازيه [٢٩٣] بعبودية الأبد. ومنها (¬٣) أن خوارزم شاه ملك طالقان، وذلك أنه لما سَلَّم ترمذ إلى الخطأ سار عنها، فأرسل إلى سونج أمير شكار نائب غياث الدين محمود بالطالقان رسولًا يستميله إليه، فلم يجبه سونج وعاد الرسول خائبًا، وجمع سونج عساكره وخرج لمحاربة خوارزم شاه فالتقوا بالقرب من طالقان، فلما تقابل العسكران حمل سونج وحده مجدًّا حتى قارب عسكر خوارزم شاه وألقى نفسه إلى الأرض ورمي سلاحه وقبل الأرض وسأل العفو، فظنخوارزم شاه أنه سكران، فلما علم أنه صاح ذَمّه وسَبّه ولم يلتفت إليه، وأخذ بالطالقان من سلاح ومال ودواب وأنفذه إلى غياث الدين مع رسول برسالة تتضمن التقرب إليه والملاطفة له، واستناب بالطالقان بعض أصحابه وسار إلى قلاع كالوين (¬١) وبَيْوَار (¬٢)، فخرج إليه حسام الدين على صاحب كالوين وقابله على رؤوس الجبال، فأرسل إليه خوارزم شاه يتهدده إن لم يسلم إليه فقال: أما أنا فمملوك وهذه الحصون بيدي أمانة ولا أسلمها إلا إلى صاحبها. فاستحسن خوارزم شاه ذلك منه وذم سونج. ولما بلغ غياث الدين خبر سونج وتسليمه الطالقان إلى خوارزم شاه عظم ذلك عنده وشق عليه كثيرًا، فهوَّن الأمر عليه أصحابه. ولما فرغ خوارزم شاه من الطالقان سار إلى هراة فنزل بظاهرها، ولم يمكن ابن خرميل من هراة أحدًا من الخوارزميين أن يتطرق إلى أحد من أهلها، وإنما كانوا يقطعون الطريق وهذه عادة الخوارزميين. ووصل رسول غياث الدين إلى خوارزم شاه بالهدايا، ورأى الناس ذلك عجبًا لما كان بينهما من التباين، وسار ابن خرميل من هراة في جمع من عساكر خوارزم شاه، فنزل على أسفزار (¬٣) فحاصرها وأخاف أهلها فسلموها ولم يعرض لهم بسوء، ولما أخذها أرسل إلى محمد بن حرب صاحب سجستان يدعوه إلى طاعة خوارزم شاه والخطبة له ببلاده، فأجابه إلى ذلك، وكان خوارزم شاه يطالبه بذلك مدة ولم يجبه إليه. ولما سمع يلدز بالصلح مع خوارزم شاه أرسل إلى غياث الدين أن ما الذي حملك على هذا؟ فقال: عصيانك لي وخلافك على. فجمع يلدز عساكره وسار إلى تكيا باذ وإلى بُست فملكهما وقطع خطبة غياث الدين منها، وأرسل إلى صاحب سجستان يأمره بإعادة الترحم على شهاب الدين وقطع خطبة خوارزم شاه. وأرسل إلى ابن خرميل صاحب هراة بذلك، ويتهددهما بقصد بلادهما إن لم يفعلا، فخافوه. ثم إنه أخرج جلال الدين بن بهاء الدين سام من الأسر، وذلك أنه لما هزم عسكر باميان أسر جلالالدين وأخاه علاء الدين أيضًا. ثم إنه لما أخرج جلال الدين من الأسر سير معه خمسة آلاف فارس، وقدّم عليهم أيدكز التتري مملوك شهاب الدين ليعيدوا جلال الدين إلى باميان، ويزيلوا ابن عمه عباس، وكان قد ملك باميان لما رأى خلوها من ابني أخيه جلال الدين وعلاء الدين، وزوج يلدز ابنته من جلال الدين، وخلع عليه فسار هو ومن معه. ولما خلا به أيدكز قال له: عزّ على لبسك خلعة يلدز، وكيف وأنتم ما رضيتم تلبسون خلعة غياث الدين وهو أكبر سنًّا منكم وأشرف بيتًا [٢٩٤] وتلبس خلعة هذا المأبون -يعني يلدز- ودعاه إلى العود معه إلى غزنة، وأعلمه أن الأتراك كلهم يجمعون على خلاف يلدز، فلم يجبه إلى ذلك. فقال أيدكز: إنني لا أسير معك. وعاد إلى كابُل وهي إقطاعه. فلما وصل إليها لقّبه رسول قطب الدين أيبك إلى يلدز يقبح فعله، ويأمره بإقامة خطبة غياث الدين، ويخبره أنه قد خطب له في بلاده. [فلما] (¬١) علم أيدكز قويت نفسه على محاربة يلدز، وصمم على قصد غزنة ووصل رسول أيبك إلى غياث الدين بالهدايا والتحف ويشير عليه بإجابة خوارزم شاه إلى ما طلب الآن، وعند الفراغ، من غزنة تسهل أمور خوارزم شاه. فسار أيدكز إلى غزنة، وكان جلال الدين قد كتب إلى يلدز يخبره بخبر أيدكز وما عزم عليه، فكتب يلدز إلى نوابه بغزنة يأمرهم بالاحتياط منه، فلما وصلها أيدكز أمر أصحابه بنهب البلد، فتوسط القاضي الحال بأن يَحْمِل إليه خمسين ألف دينار، وخطب أيدكز لغياث الدين، وقطع خطبة يلدز، ففرح الناس بذلك. وسير المال إلى غياث الدين، ولقب يملك الأمراء. ومنها أن في ثالث شعبان ملك غياث الدين كيخسرو صاحب بلاد الروم أنطالية (¬٢) باللام وهي مدينة للروم على ساحل البحر، وكان قد حاصرها قبل هذا الوقت فأرسل صاحبها إلى الفرنج الذين بجزيرة قبرس، فاستنجدهم فأرسلوا إليه جماعة منهم، فرحل كيخسرو وترك طائفة من عسكره بالقرب منها مع الجبال، فلما رحل اختلف الروم والفرنج فتسلمها وقتل من كان بها من الفرنج الذين جاءوا للنجدة. (¬٣)ومنها أنه قبض عسكر خلاط على صاحبها ولد بكتمر، وملَّكوها لبلبان مملوك شاهر من بن سكمان، وكتب قوم من الجند إلى ناصر الدولة أرتق بن إيلغازي يستدعونه. وسبب ذلك أن ولد بكتمر كان جاهلًا، فلما ملك بعد أبيه قبض على الأمير شجاع الدين قتلغ، وكان أتابكه ومدبر بلاده، فقتله. واختلفت الكلمة عليه من الجنة والعامة، واشتغل باللهو وإدمان الشرب، فساءت نياتهم له، وسار بلبان إلى ملاذكرد (¬١) وملكها، واجتمع أكثر الجند إليه، وسار راجعًا إلى خلاط. واتفق وصول صاحب ماردين إلى خلاط معتقدًا أن أحدًا لا يمتنع عليه، فنزل قريبًا منها، فأرسل إليه بلبان يقول له: إن أهل خلاط قد اتهموني بالميل إليك، والرأي أنك ترحل [عائدًا] (¬٢) مرحلة، فإذا تسلمت البلد سلمته إليك. فرحل صاحب ماردين راجعًا، فلما أبعد عن خلاط، وكان في قلة من الجند، أرسل إليه بلبان أن تعود إلى بلدك، وإلا جئت أوقعت بك. فعاد إلى ماردين. وأما بلبان فإنه حاصر خلاط، وضيق على أهلها، فقبضوا على ابن بكتمر وسلموها إليه. ومنها (¬٣) أنه كانت الحرب بين عسكر الخليفة وبين صاحب كرّستان مع مملوكه سنجر، وكان المتولي لتلك الأعمال، وصاحب كرّستان يعرف بأبي طاهر، وهي جبال منيعة بين فارس وأصفهان وخوزستان، فقاتلوا أهلها وعادوا منهزمين. وسبب ذلك أن مملوكة للخليفة الناصر لدين الله يسمى قشتمر من أكبر مماليكه، كان قد فارق الخدمة لتقصير رآه في حقه من الوزير نصير الدين العلوي، فاجتاز بخوزستان وأخذ ما [٢٩٥] أمكنه ولحق بأبي طاهر صاحب كرّستان، فأكرمه وزوجه ابنته، ثم توفي أبو طاهر فقوى أمر قشتمر الناصري، وأطاعه أهل تلك الولاية، فأمر الخليفة سنجر بجمع العساكر وقتال قشمر، ففعل سنجر ما أُمر به وجمع العساكر وسار إليه، فأرسل قشتمر يعتذر ويسأل أن لا يُقصد، ويُحْوَج إلى الخروج عن الطاعة والعبودية، فلم يقبل عذره. فجمع أهل تلك الأعمال ونزل إلى العسكر الذين مع سنجر، فلقيهم وهزمهم، وأرسل إلى أيتغمشصاحب أصفهان والرى وإلى صاحب [فارس] (¬١) يعرفهما الحال، ويقول: إنني لا قوة لي بعسكر الخليفة، وقد أضيف إليهم عساكر أخرى، وعادوا إلى حربي ولا أقدر لهم. وطلب منهما النجدة، فأجاباه إلى ما طلب، فاستمر على حاله وقوى جنانه.
- full passagepage 797, entry [341]18,132 chars
ذكر ماجريات ملوك البلاد منها (¬٢) أن الملك الأوحد ابن الملك العادل صاحب ميافارقين مَلَكَ مدينة خلاط بعد قتل صاحبها ابن بكتمر، وكان شابًا جميل الصورة، قتله بعض مماليكه ثم قُتل القاتل أيضا، فخلا البلد عن ملك، فأخذها الأوحد بن العادل. وفي تاريخ النويري: (¬٣) وفيها ملك الأوحد أيوب بن العادل مدينة خلاط، …
▸ expand full passage (18,132 chars)ذكر ماجريات ملوك البلاد منها (¬٢) أن الملك الأوحد ابن الملك العادل صاحب ميافارقين مَلَكَ مدينة خلاط بعد قتل صاحبها ابن بكتمر، وكان شابًا جميل الصورة، قتله بعض مماليكه ثم قُتل القاتل أيضا، فخلا البلد عن ملك، فأخذها الأوحد بن العادل. وفي تاريخ النويري: (¬٣) وفيها ملك الأوحد أيوب بن العادل مدينة خلاط، وكان صاحبها بلبان - على ما ذكرنا في سنة أربع وتسعين - فسار الأوحد من ميافارقين وملك مدينة مُوش (¬٤) ثم اقتتل هو وبلبان صاحب خلاط فانهزم بلبان واستنجد بصاحب أرزن الروم، وهو مغيث الدين طغريل شاه بن قليج أرسلان السلجوقي، فسار طغريل شاه واجتمع إليه بلبان، فهزما الملك الأوحد، ثم غدر طغريل شاه ببلبان فقتله عذرًا ليملك بلاده. وقصد خلاط فلم يسلموها إليه، وقصد ملاذكرد فلم يسلموها إليه، فرجع طغريل شاه إلى بلاده. (¬٥) وكاتب أهل خلاط الملك الأوحد فسار [٣٠٢] إليهم وتسلم خلاط وبلادها بعد أياسه منها واستقر ملكه بها، وفي تاريخ بيبرس: قصد الأوحد مدينة موش وحصرهاوأخذ ما يجاورها من البلاد، ولم يتمكن بلبان صاحب خلاط على منعه، ولما ملك الأوحد تلك البلاد طمع في خلاط، فسار إليها فهزمه بلبان، فعاد إلى بلده، وجمع وحشد وسير إليه أبوه العادل جيشا فقصد خلاط، فسار إليه بلبان فتصافا واقتتلا وانهزم بلبان، وتمكن الأوحد من البلاد ودخل بلبان خلاط واعتصم بها وأرسل رسولًا إلى مغيث الدين طغريل شاه صاحب أرزن الروم يستنجده على نجم الدين الأوحد، فحضر بنفسه ومعه عسكره فاجتمعا وهزما الأوحد، وحصرا موش وأشرفا على أخذها فغدر طغريل شاه بصاحب خلاط وقتله طمعًا في البلاد، ثم جرى منه ما ذكرنا إلى أن ملك الأوحد أخلاط وأعمالها سوى اليسير منها، وكره الملوك المجاورون له ملكه، خوفًا من أبيه، وكذلك أيضًا خافه الكرج وكرهوه فتابعوا الغارات على أعمال خلاط وبلادها، والأوحد مقيم بخلاط لا يقدر على مفارقتها، فلقى المسلمون من ذلك أذى شديدًا واعتزل جماعة من العسكر واستولوا على حصن أوان وهو من أعظم حصونهم، وعصوا على الأوحد نجم الدين واجتمع إليهم جمع كبير من مدينة أرجيشا (¬١) فأرسل الأوحد إلى أبيه العادل، فأرسل إليه ابنه الأشرف موسى أخا الأوحد، فاجتمعا في عسكر كبير وحصرا قلعة أوان وبها الخلاطية فجدوا في قتالهم فضعف أولئك عن مقاومتهم فسلموها صلحا وخرجوا منها وتسلمها نجم الدين الأوحد واستقر ملكه بخلاط، وعاد أخوه الأشرف إلى حران والرها. ومنها (¬٢) أن خوارزم شاه محمد بن تكش ملك بلاد ما وراء النهر من الخطأ بعد حروب طويلة، اتفق في بعض الأيام أمر عجيب، وهو أن المسلمين انهزموا عن السلطان خوارزم شاه في بعض المواقف وبقى هو ومعه عصابة قليلة من أصحابه فقتل منهم الكفار من الخطأ من قتلوا وأسروا خلقًا منهم، وكان السلطان خوارزم شاه في جملة من أسر، أسره رجل وهو لا يشعر به ولا يدرى أنه الملك، وأسر معه أميرًا يقال له ابن مسعود، فلما وقع ذلك وتراجعت العساكر الإسلامية إلى مقرها فقدوا من بينهم السلطان فاختبطوا فيما بينهم واختلفوا اختلافًا كثيرًا، وانزعجت خراسان بكمالها وظنوا أن السلطان قد قتل.وأما ما كان من السلطان وذاك الأمير فإن الأمير قال للسلطان: إني أرى من المصلحة أن تترك الملك عنك في هذه الحالة وتظهر أنك غلام لي. فقبل منه ما أشار إليه وجعل يخدمه يُلبّسه ثيابه ويسقيه ويضع الطعام بين يديه ولا يألو جهدًا في خدمته. فقال الذي أسرهما: إني أرى هذا يخدمك فمن أنت؟ فقال: أنا ابن مسعود الأمير وهذا غلامي. فقال: والله لولا علم الأمراء بأني قد أسرت أميرًا لأطلقتك. فقال: إني إنما أخشى على أهلى فإنهم يظنون أني قد قتلت ويقيمون المأتم، فإن رأيت أن تفاديني على مال وترسل من يقبضه منهم فعلتَ خيرًا فقال: نعم [٣٠٣] فعين رجلا من أصحابه، فقال ابن مسعود: إنهم لا يعرفون هذا ولكن إني رأيت أن أرسل معه غلامي هذا ليبشرهم بحياتي ويأمرهم بتحصيل المال. فقال: نعم. فجهز معهما من يحفظهما إلى مدينة خوارزم فلما اقتربوا من خوارزم سبق الملك إليها، فلما رآه الناس فرحوا فرحًا شديدًا جدًا ودقت البشائر في سائر بلاده وعاد الملك إلى نصابه. واستقر السرور بأيامه وأصلح ما كان وَهِىَ من مملكته بسبب ما كان اشتهر من عدمه، وحاصر هراة وأخذها عنوة، وأما الذي أسره فإنه قال يومًا لابن مسعود: إن الناس متفرحون أن خوارزم شاه قد عدم. فقال: لا هو الذي كان في أسرك. فقال له: فهلا أعلمتني به حتى كنت أرده موقرًا معظمًا، فقال: خفتكم عليه. فقال: سر بنا إليه، فسارا إليه فأكرمهما إكرامًا زائدًا وأحسن إليهما. وذكر بيبرس هذه القصة وملخصها أن الخطأ كانت قد طالت أيامهم ببلاد كورستان وما وراء النهر وثقلت وطائهم على أهلها، ولهم في كل مدينة نائب يجيء إليهم الأموال، وقبل أن يملكوا كان مقامهم بنواحي أوركند وبلاساقول (¬١) وكاشغر (¬٢) في تلك النواحي، فاتفق أن سلطان سمرقند أو بخارى (¬٣) ولقبه جان خانان يعني سلطان السلاطين، وهو من أولاد الحانية عريق النسب في الإسلام والملك، أنف وضجر من مَحكم الكفار على المسلمين، فأرسل إلى خوارزم شاه يقولله: إن الله قد أوجب عليك بما أعطاك في سعة المال والملك وكثرة الجنود أن تستنقذ المسلمين وبلادهم من أيدي الكفار وتخليصهم مما يجرى عليهم من الحكم في الأنفس والأموال، ونحن نتفق معك على محاربة الخطأ ونحمل إليك ما كنا نحمل إليهم، ونذكر اسمك في الخطبة وعلى السكة. فأجابهم خوارزم شاه محمد إلى ذلك وقال: أخاف أنكم لا تفون لي. فسير إليه أهل سمرقند وجوه أهل بخاري وسمرقند بعد أن حلّفوا صاحبهم على الوفاء بما تضمنه وضمنوا عنه الصدق والوفاء بما بذل وجعلوا عنده رهائن. فشرع في إصلاح أمر خراسان، وتقرير قواعدها، فولى أخاه على شاه طبرستان مضافة إلى جرجان، وأمره بالحفظ والاحتياط، وولى الأمير كزلك خان وهو من أقاربه لأمه وأعيان دولته نيسابور، وجعل معه عسكرًا، وولي الأمير جلدك مدينة الحمام وولى أمين الدين مدينة زوزن (¬١) وهذا الأمين كان حمالًا وعاد من أكبر الأمراء وملك بعد ذلك كرمان. وأقر الحسين بن خرميل على هراة وجعل معه فيها ألف فارس من الخوارزمية، وصالح غياث الدين محمودًا على ما بيده من بلاد الغور، واستناب نوايا في مرو وسرخس وغيرهما من خراسان وأمرهم بحسن السيرة والحفظ والاحتياط وجمع عساكره جميعها وسار خوارزم شاه وعبر جيحون واجتمع بسلطان سمرقند وسمع به الخطأ فحشدوا وجاءوا إليه وجرت بينهم وقعات كثيرة ومغاورات فتارة له وتارة عليه. وفيها قتل حسين بن حزميل وحوصرت هراة وذلك أن ابن حزميل رأي سوء معاملة عسكر خوارزم شاه الذي رتبه عنده بهراة للرعية وتعديهم إلى الأموال، فقبض عليهم وحبسهم [٣٠٤] وبعث رسولًا إلى خوارزم شاه يعتذر ويعرفه ما صنعوا وما صنع بهم، فعظم عليه ولم يمكنه محاققته لاشتغاله بقتال الخطأ، فكتب إليه يستحسن فعله ويأمره بإنفاذ الجند الذين قبض عليهم لحاجته إليهم، وقال: إني أمرت عز الدين جلدك صاحب الحمام أن يكون عندك لما أعلمه من عقله وحسن سيرته وأرسل إلى جلدك بالمسير إلى هراة وأسرّ إليه أن يحتال في القبض على ابن خرميل ولو أول ساعة يلقاه، فسار جلدك في ألفي فارس وكان أبوه طغرل أيام السلطان سنجر واليًا بهراة وكان يختارها على جميع خراسان، فلما قاربها وعزم ابن حزميل على الخروج للقائه، قال له وزيره وكان يعرف بخواجا الصاحب: لا تخرج إليه ودعه يدخل إليك منفردًا فإني أخاف أن يغدر بك وأن يكون خوارزم شاه قد أمره بذلك.فخالفه وراح إليه فقبضه وانهزم أصحابه، فدخلوا المدينة وأخبروا الوزير بالحال فأمر بغلق الأبواب والقتال من على الأسوار، وأرسل جلدك إلى الوزير الأمان ويتهدده إن لم يسلم البلد، فقال الوزير: هذا البلد لغياث الدين ولأبيه من قبله. فقدم ابن حزميل إلى السور فقال للوزير، افتح لهم البلد. فقال: لا. فقتل ابن حزميل وأرسل إلى خوارزم شاه يخبره بجلية الحال، فأرسل خوارزم شاه إلى كذلك خان والي نيسابور، وإلى أمين الدين أبي بكر صاحب زوزن يأمرهما بالمسير إلى هراة وحصارها وأخذها فسارا في عشرة آلاف فارس فنزلوا على هراة وراسلوا الوزير في تسليمها، فامتنع وقال: ليس لكم من المحل ما يقتضى أن نسلم لكم مثل هراة، لكن إذا وصل السلطان خوارزم شاه سلمناها إليه، فقاتلوه وجدوا في قتاله فلم يقدروا عليه، ثم جمعوا المياه أيامًا ثم أرسلوها فأحاطت بالسور فلم يقدروا على أن يدنوا من السور، فانتقل العسكر من المدينة وما أمكنهم القتال لبعدهم عن السور، وأما خوارزم شاه فإنه دام القتال بينه وبين الخطأ، ففي بعض الأيام اقتتلوا قتالًا شديدًا ثم انهزم المسلمون هزيمة كبيرة ودام القتال بينهم، وقتل كثير وأسر كثير وأسر السلطان خوارزم شاه وأمير كبير من أمرائه يقال له شهاب الدين بن مسعود، ووصلت العساكر الإسلامية إلى خوارزم ولم يروا السلطان فأرسلوا إلى كزلك خان والي نيسابور وهو يحاصر هراة فأعلموه الحال، فحين سمع سار عن هراة ليلًا إلى نيسابور، ولما وصل إليها شرع في عماره سورها وكان خوارزم شاه قد خربه لما ملكها من الغورية، وأدخل كزلك خان إليها الميره واستكثر من الجند وعزم على الاستيلاء على خراسان إن صح فقد السلطان، وبلغ خبر عدم السلطان إلى أخيه على شاه وهو يومئذ بطبرستان، فدعى إلى نفسه وقطع خطبه أخيه واستعد لطلب السلطنة، واختلطت خراسان اختلاطًا عظيمًا ثم ذكر ما جرى بين السلطان خوارزم شاه وبين ابن مسعود وهما في الأسر كما ذكرناه عن قريب. وحاصل الكلام لما وصل خوارزم شاه إلى خوارزم ضربت له البشائر وزينوا البلد وأتته الأخبار بما صنع كزلك بنيسابور وبما صنع أخوه علي شاه بطبرستان، وبلغ كلك خان وصوله فأخذ أمواله وعسكره [٣٠٥] وهرب نحو العراق، وبلغ أخوه علي شاه وصول أخيه فخافه وسار إلى غياث الدين محمود الغورى، فلقاه وأكرمه وأنزله عنده، وأما خوارزم شاه فإنه دخل نيسابور وأصلح أمرها وسار إلى هراة وجعل فيها نائبًا مع عسكره الذي يحاصرها وأحسن إلى أولئك الأمراء ووثق بهم لأنهم صبروا على تلك الحال ولم يتغيروا ولم يبلغوامن هراة غرضًا بِحُسْن تدبير ذلك الوزير، وأرسل إليه خوارزم شاه يقول له: إنك كنت وعدت أني إذا حضرت تسلم البلد وأنا قد حضرت، فسلم فقال: لا أفعل؛ لأني أعلم أنكم غدارون لا تبقون على أحد ولا أسلم إلا إلى غياث الدين محمود. فغضب خوارزم شاه وزحف إليه بعساكره فلم يكن له فيه حيلة، فاختلف أهل هراة على الوزير فأراد أن يستدركهم فحمل خوارزم إلى البلد، فأخذ برجا فدخل منه هو وعسكره وأخذ الوزير فقتله، وتسلم البلد، وأصلح حاله وسلّمه إلى خاله أمير ملك وهو من أعيان أمرائه، ولم تزل هراة بيده حتى هلك خوارزم شاه ولما سلم خوارزم شاه هراة إلى خاله أمير ملك سار إلى خوارزم وأمره أن يقصد غياث الدين محمود صاحب الغور وفيروزكوه، فسار أمير ملك إليه فلما بلغ ذلك محمودًا أرسل يبذل له الطاعة ويسأله الأمان فأعطاه ذلك، فلما نزل إليه قبض عليه وعلى علي شاه أخي خوارزم شاه فسألا أن يحملا إلى خوارزم شاه ليري فيهما رأيه فأرسل أمير ملك إلى خوارزم شاه يعرفه الخبر فأمره بقتلهما فقتلا في يوم واحد واستقامت خراسان كلها لخوارزم شاه (¬١) ثم عاد خوارزم شاه إلى الخطأ فعبر نهر جيحون فجمع له الخطأ جمعًا عظيمًا وساروا إليه والمقدم عليهم شيخ دولتهم القائم مقام ملكهم المعروف بطاينكوه، وكان عمره قد جاوز مائة سنة، وكان كثير التجارب حسن التدبير جيد التعقل، واجتمع خوارزم شاه وصاحب سمرقند وتصافوا هم والخطا سنة ست وستمائة، فجرت حروب لم يكن مثلها شدة وصبرا فانهزم الخطأ وقتل منهم وأسر في هذه المدة خلق لا يحصى عددهم إلا الله، وكان فيمن أسر طانيكوه مقدمهم وجيء به إلى خوارزم شاه فأكرمه وأجلسه على سريره وسيره إلى خوارزم، ثم قصد خوارزم شاه بلاد ما وراء النهر فملكها مدينة مدينة وناحية ناحية حتى بلغ أوركند وجعل نوابه فيها وعاد إلى خوارزم ومعه صاحب سمرقند، ثم بعث معه شحنة تكون بسمرقند، ولما عاد صاحب سمرقند إليها ومعه شحنة لخوارزم شاه أقام معه نحو سنة فرأى من سوء سيرة الخوارزميين وقبح معاملتهم ما ندم على مفارقة الخطا، فأرسل إلى ملكهم يدعوه إلى سمرقند ليسلمها إليه ويبذل له الطاعة وأمر بقتل كل من في سمرقند من الخوارزمية ممن سكنها قديمًا وحديث، وقطّع أصحاب خوارزم شاه قطعًا وعلقهم في الأسواق ومضى إلى القلعة ليقتل زوجته ابنة خوارزم شاه، فغلقت الأبواب [٣٠] ووقفت بجواريها تمنعه وأرسلت إليهتقول: إني امرأة وقتل مثلي قبيح ولم يكن مني إليك سوء ولا ما استوجب به هذا منك، ولعل تركي أحمد عاقبة فاتق الله فيَّ. فتركها ووكل بها من يمنعها من التصرف، وبلغ الخبر خوارزم شاه فقامت قيامته وأراد قتل الغرباء الذين في بلده، فمنعته أمه من ذلك وأمر بقتل أهل سمرقند فنهته عن ذلك، وأمر بتجهيز العساكر إلى ما وراء النهر وجهز جماعة ليعبروا جيحون فعبر منهم خلق لا يحصى عددهم، ثم عبر هو بنفسه في آخرهم ونزل على سمرقند وأرسل يقول لصاحبها: قد فعلت ما لم يفعله مسلم واستحليت من دماء المسلمين ما لم يستحله مسلم ولا كافر، وغفر الله عما سلف فأخرج الآن من البلاد. فقال له: افعل مابدا لك فأمر عساكره بالزحف، فأشار إليه بعض من معه بأن يأمر بعض الأمراء إذا فتحوا البلد أن يصير إلى الدرب الذي يسكنه التجار فيمنع من به ولا يمكن أحد من التطرق إليهم بسوء، فإنهم غرباء وكلهم كارهون لهذا الفعل، فأمر بعض الأمراء بذلك ونصب السلاليم على البلد فلم يكن بأسرع من أن أخذها وأذن لعسكره بالنهب وقتل من يجدونه من أهل سمرقند، فنهبوا وقتلوا ثلاثة أيام فيقال: إنهم قتلوا مائتي ألف إنسان وسلم الدرب الذي فيه الغرباء فلم يعدم منهم الرجل الواحد، ثم كف عنهم وأرسل صاحب القلعة يطلب الأمان بعد أن حاصروها، فقال: لا أمان لك عندي فملكوها وأسروا صاحبها وأحضروه عند خوارزم شاه. فقبل الأرض وطلب العفو فلم يعف عنه وقتل صبرًا وقتل كل من ينسب إلى الخانية ورتب فيها وفي سائر البلاد ثوابه ولم يبق لأحد معه في البلاد ذكر. ومنها أنه تحارب الخطأ وملك التتار كشلي خان المتاخم لمملكة الصين، فكتب الخطأ إلى خوارزم شاه يستنجدونه على التتار ويقول: متى غلبونا خلصوا إلى بلادك، وكذا وقع، وكتب إليه التتار يستنصرون به على الخطأ ويقولون: هؤلاء أعداؤنا وأعداؤك فكن معنا عليهم فكتب خوارزم شاه إلى كل من الفريقين يطيب قلبه، وحضر الوقعه بينهم وهو متحيز عن الفريقين فكانت الدائرة على الخطأ فهلكوا إلا القليل منهم، وغدر التتار ما كانوا وافقوا عليه الملك خوارزم شاه فوقعت بينهما الوحشه الأكيدة وتواعدوا اللقاء وخاف منه خوارزم شاه وخرب بلدًا كبيرة متاخمة لبلاد كشلي خان خوفا عليها أن يملكها، ثم أن جنكيز خان خرج على كشلي خان فاشتغل بمحاربته عن محاربة خوارزم شاه ثم وقع من الأمور الغريبة ما سنذكره إن شاء الله تعالى. (¬١)وفي تاريخ بيبرس: (¬١) ما نلخصه أنه كانت وقعه عظيمة بين التتار والخطا وذلك أنه لما فعل خوارزم شاه ما ذكرناه أولًا مضى مَنْ سلم من الخطأ إلى ملكهم فاجتمعوا عنده، وكانت طائفة عظيمة من التتار قد خرجوا من بلادهم من حدود الصين ونزلوا تركستان، وكان بينهم وبين الخطأ عداوة وحروب فلما سمعوا ما فعله خوارزم شاه بالخطا قصدوهم مع ملكهم كشْلي خان، فلما رأى ملك الخطأ ذلك أرسل إلى خوارزم شاه يقول له: أما ما كان منك من أخذ بلادنا [٣٠٧] وقتل رجالنا فمعفو عنه وقد أتانا من هذا العدو مالا قبل لنا به وأنهم إن انتصروا علينا وملكونا فلا دافع لهم عنك والمصلحة أن تسير إلينا بعساكرك وتنصرنا على قتالهم، ونحن نحلف لك أنا إذا ظفرنا بهم لا نقرب بلادك ونقنع بالمواقع التي تتركونها. فأجاب إني معك ومعاضدك على خصمك، فسار بعساكره حتى نزل قريبًا من الموضع الذي تصافوا فيه فلم يخالطهم مخالطة من يعلم أنه معه وكانت كل طائفة تظن أنه معها، وانهزم الخطا من التتار هزيمة عظيمة، فمال خوارزم شاه على الخطأ وجعل يقتل ويأسر فلم يترك أحدًا ينجو منهم فلم يسلم منهم إلا طائفة يسيرة مع ملكهم في ناحية من نواحي الترك ليس إليها طريق (¬٢) فتحصنوا فيها وانضم إلى خوارزم شاه منهم طائفة، وأنفذ خوارزم شاه إلى كشلي خان ملك التتار يمنّ عليه أنه لم يحضر إلا لمعاضدته ولولاه ما انهزم الخطا، فاعترف له كشلي خان بذلك مدة، ثم أرسل إليه يطلب مقاسمة بلاد الخطا ويقول له: إنا اتفقنا على إبادتهم فنقسم بلادهم لنا ولك. فأجابه بأنه ليس لك عندي إلا السيف ولستم أقوى من الخطا شوكة، قال: قنعت بالمساكته (¬٣)، وإلا سرت إليك وفعلت بك أكثر مما فعلتُ بالخطا. وتجهز كشلي خان وسار حتى نزل قريبًا منهم، وعلم خوارزم شاه أنه لا طاقة له به فكان يراوغه فإذا سار إلى موضع قصد خوارزم شاه أهله وأثقاله فنهبها، وإذا سمع أن طائفة سارت عن مقطنهم (¬٤) سار إليها فأوقع بها، فأرسل إليه كشلي خان يقول له: هذا فعل الملوك! هذا فعل اللصوص. فإن كنت سلطان فألقني فإما أن تهزمني وتأخذ بلاديوإما أن أهزمك، فكان يغالطه ولا يجيبه إلى ما طلب، لكنه أمر أهل الشاش (¬١) وفرغانه (¬٢) وأسبيجاب (¬٣) وكأسان (¬٤) وما حولها من المدن التي لم يكن في الدنيا أنزه منها ولا أحسن عمارة - بالجلاء منها واللحاق ببلاد الإسلام ثم خربها جمعية خوفًا من التتار أن يملكوها، ثم اتفق خروج جنكيز خان علي كشلي خان فاشتغل به عن خوارزم شاه فعبر النهر إلى خراسان. ومنها أن الملك العادل قصد مدينة عكا بعساكره الكثيره فصالحه صاحبها الفرنجي على إطلاق الأسرى من المسلمين وغير ذلك، ثم سار إلى بحيرة قدس وجاءته عساكر الشرق وديار الجزيرة ودخل بلاد طرابلس وحاصر موضعًا يسمى القليعات وأخذه صلحًا وأطلق صاحبه وغنم ما فيه من دواب وسلاح وخرّبه، وتقدم إلى طرابلس فنهب وأحرق وغنم فكانت مدة مقامه في بلد الفرنج اثني عشر يومًا، وعاد إلى بحيرة قَدَس وترددت الرسل بينه وبين الفرنج في الصلح فلم تستقر قاعدة، ودخل الشتاء وطلب العساكر الشرقية العود إلى بلادهم فترك طائفة من العسكر بحمص عند صاحبها وعاد إلى دمشق فشتى بها، وعادت عساكر الجزيرة إلى أماكنها. وقال الرشيد النابلسي يمدحه. خشعت لهيئة مجدك الأبصار … وعنت لدولة ملكك الأمصار ودنا لك الغرض البعيد وأصحب … الجد السعيد وواتت الأوطار [٣٠٨] وتظافرت لك بالظهور على العدي … همم بها تتخاذل الأنصار أمِنَ الحوادث مَنْ بساحتك احتمى … فكان جارك للمجرة جار ووفى بذمتك الزمان وصَرْفُه … وهو المضيع زمامه الغدار دانت لك السبع الشداد كأنما … بمرادك الفلك العِلِيُّ يُدار فإذا رماح الخط نحوك أشرعت … فطوالها عما تروم قصار وإذا الجياد ثنت إليك شكيمها … غلبت عليها كبوة وعشاروإذا غضبت على الملوك فإنه … هُلكٌ دنى منها وحان بوار ولأنت سيف الدين والدنيا الذي … في الشرك أرهف حدُّهُ الجبار مَلِكٌ ملائكهُ السماءِ جنوده … وعبيده الأيام والأقدار خطبته آفاق البلاد لملكها … وترقبته العُونُ والأبكار وقضت له السبع الكواكب بالذي … تهواه منها والذي تختار رب الجحافل زلزلت من وطئها … لما سرى وارتجت الأقطار مثل البحور الزاخرات يُمدها … من حيث شاء من الجيوش بحار طاشت عقول المارقين لهول منـ … نظره وحارت منهم الأفكار فاستعصموا بالعفو منه ولم يكن … توب ليعصمهم ولا استغفار حتى غدوا خُضُعَ الرقاب منكسي الـ … أعناق في جبهاتهم آثار ومنها: في كل يوم غارة شعواء لا … تألو ونقع للهياج مثار فمعاقل مهجومة ومنازل … مهدومة بعد الأنيس قفار ومنها: قَلَدَ الزمان بشاشةٌ وطلاوةٌ … وعلى البلاد وأهلها أنوار بالعادل الملك الذي لعداته … ذُلّ على طول المدى وصَغارُ المانح الأبصار ما طمحت ومَنْ … يعطى مدى ما تطمع الأبصار الساتر العورات عن أعدائه … تزوى السعود وتكشف الأستار الخاشع الصوام والمتهجد الـ … قوام والمتبتل الصبار الخارق العادات بالجود الذي … في الخافقين لعرفه إنكار المُلْقِحُ الحرب العوانِ وقاعُها … فتح الممالك كلها أبكارُالضارب الشوهاء (¬١) إثر الطعنة الـ … ــفوهاء (¬٢) فيها يغرق المسبار (¬٣) نشوان من خمر المكارم والعُلَى … عطفًا وما دارت عليه عُقَّارُ (¬٤) يَسقي ذوابله الدماء فمالها … إلا رؤوس المارقين ثِمارُ [٣٠٩] وهي الممالك لم يُشِدْ إركانها … إلا الصوارم والقني الخَطّارُ ومنها: يا آل أيوب الأولى لولاهم … عَفَتْ العُلوم وعِيْفَت الأشعارُ يا أعدل الأملاك ليس لدهرنا … إلاك نهاءٌ ولا أمارٌ أنت الذي ما للنجوم الزهر في … عالى المحل بحيث طار مطارُ تتراجع الأبصار عنك حسيرة … وتعوم فيها فتغرق الأفكارُ لا مجد يخطر في رداء جلالة … ذو المجد إلا وهو منك معارُ أيام دولتك الربيع وما سوى … أفعالك الحسني بها أزهارُ ما حاجة الدنيا وَجُوُدُكَ هاطلٌ … أن تَستهلّ بوَبلها الأَمطارُ لا يُستطاع مداك في شرف ولا … لك يوم حلْبته يشق غبارُ سبحان معطيك الذي لم يعطه … بشر تعالى الواحد القهارُ ومنها: أنه (¬٥) وقعت الفتنة بخلاط، وقتل كثير من أهلها لما تم مُلكُ الملك الأوحد نجم الدين بن الملك العادل، سار عنها إلى ملازكرد ليقرر قواعدها ويفعل ما ينبغي أن يفعله فيها. فلما فارق خلاط وثب أهلها على مَنْ بِهَا من العسكر، فأخرجوه من عندهم، وعصوا وحصروا القلعة وبها أصحاب الأوحد، ونادوا بشعار شاهرمن، وكان ميتًا، يعنونبذلك رد المُلْك إلى أصحابه ومماليكه. فبلغ الخبر الملك الأوحد، وقد وافاه عسكر من الجزيرة، فقوى بهم وحصر خلاط، فاختلف أهلها، فمال إليه بعضهم حسدًا للآخرين، فملكها وقتل بها خلقًا كثيرًا من أهلها، وأسر منهم جماعة، فلم يَسلم إلا القليل، فسير الأسارى إلى ميافارقين. وكان كل يوم يرسل إليهم يقتل جماعة، وذل أهل خلاط بعد هذه الوقعة. ومنها أنه ملك أبو بكر بن البهلوان (¬١) مراغة وسببه أن صاحبها علاء الدين بن قرا سنقر مات في هذه السنة وولي بعده ابن له طفل، وقام بتدبير دولته خادم من مماليك أبيه فعصي عليه أمير كان مع أبيه، وجمع جمعًا كثيرًا فأرسل إليه الخادم من عنده من العسكر، فقاتلهم ذلك الأمير فانهزموا واستقر [ملك] (¬٢) ولد علاء الدين إلا أنه لم تطل أيامه، وحانت وفاته فمات أول سنة خمس وستمائة وانقرض أهل بيته ولم يبق منهم أحد، فلما توفي سار نصرة الدين أبو بكر بن البهلوان من تبريز إلى مراغة فملكها واستولى على جميع مملكة آل قراسنقر ما خلا قلعة روندور (¬٣) فإن الخادم اعتصم بها وعنده الخزائن والذخائر، فامتنع على الأمير أبي بكر بن البهلوان.