بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 760, entry [327]16,642 chars
ذكر ابتداء ملك جنكيز خان ملك التتار (¬٢) وفي هذه السنة كان ابتداء ملكه وهو صاحب اليسق (¬٣)، وضمها لتحاكم التتار ومن تبعهم من أمراء الترك ومن يتبع حكم الجاهلية وهو والد طولي (¬٤) وجد هلاون الذي قتل الخليفة المستعصم بالله (¬٥) وأهل بغداد في سنة ست وخمسين وستمائة على ما سنذكره إن شاء الله. واعلم أني أب…
▸ expand full passage (16,642 chars)ذكر ابتداء ملك جنكيز خان ملك التتار (¬٢) وفي هذه السنة كان ابتداء ملكه وهو صاحب اليسق (¬٣)، وضمها لتحاكم التتار ومن تبعهم من أمراء الترك ومن يتبع حكم الجاهلية وهو والد طولي (¬٤) وجد هلاون الذي قتل الخليفة المستعصم بالله (¬٥) وأهل بغداد في سنة ست وخمسين وستمائة على ما سنذكره إن شاء الله. واعلم أني أبين لك أصل هذا اللعين، وكيف ملك التتار، وكان مُلك الصين مُلكًا عظيمًا، دوره ستة أشهر، وقد قيل: إنه يحويه سور واحد لم ينقطع إلا عند الجبال المنيعة والأنهار الواسعة، وكان في قديم الزمان ستة أجزاء، كل جزء منها مسيرة شهر، وكان يتولى كل جزء خان بعد خان أي سلطان بعد سلطان، نيابة عن خانهم الأعظم وهو الطون خان، توارث المملكة كابرًا عن كابر، بل كافرًا عن كافر، وكان هو عاصر السلطان [٢٨٠] الأعظم علاء الدين أبا الفتح محمد بن تكش بن أرسلان بن أنسر بن محمد أنوشتكين الخوارزمي (¬٦)، الذي كان كرسي مملكته خوارزم، وكانت عادة هؤلاء الملوك الستة الإقامة بطوغاج، وهي واسطة الصين ونواحيها منتقلين من مصيف إلى مصيف ومن ريف إلى ريف، وكان في زمرتهم شخص يسمي دوشي خان، وكان قد تزوج بعمة جنكيزخان، وهي من قبيلة معروفة بتمرجي سكان البراري، منشأهم موضع يسمىأرغون وهم مشهورون بالشر والغدر، فاتفق أنه مات دوشي خان زوج عمة جنكيز خان، والطون خان غائب في مشتاه وقد حضرها جنكيز خان معزيًا، فبعثت إلى كشلوخان ودوشي خان وهما متاخمان لأعمال المتوفي من الجهتين تنعى إليهما زوجها، وتعلم أنه لم يخلف ولدا وأن جنكيز خان يقوم مقامه ويكون في معاضدتهما، فاستصوبا رأيها وأشار عليها بتقليد الأمر إلى جنكيز خان، ثم لما عاد الطون خان إلى مدينة طوغاج شرع يستعرض من حجابه القضايا التي وقعت مدة غيبته إلى أن جاءت تقدمة جنكيز خان وخبره بتوليته موضع دوشي خان، فغضب غضبًا شديدًا حيث تولي بغير أمره، وأمر بقطع أذناب الخيل التي أرسلها جنكيز خان في جملة التقدمة ويردها إليه فلما بلغ ذلك جنكيز خان أستظهر بمن انضم إليه من عشيرته، وخرج عن الطاعة، فلما سمع بذلك الطوني خان أرسل إليهم يعتذر لهم مما صدر منه فلم يزدهم ذلك إلا نفورًا، فحين جرى ذلك وآيس منهم جمع عسكره وسار إليهم، فالتقى هو وإياهم فكسروه أقبح كسرة وقتلوا من عسكره مقتلة عظيمة، ونجي الطون خان بنفسه وهرب إلى ما وراء كنك (¬١) وأخلى لهم البلاد، فتمكنوا فيها وتملكوها وانضم إليهم من الترك وأوباشها كل طامع في مال، وأخذ أمر الطون خان يتضاعف ضعفًا إلى أن راسلهم قانعًا بما تحت يده من الملك الحقير، فأجابوه إلى ما سأل إلى أن مات كشلوخان وقام أبنه مقامه، فاستحقره جنكيز خان، الصغر سنه، وأخل بالقواعد التي المقررة بينه وبين أبيه، ثم لم يزل يشتد أمره ويكثر جيشه إلى أن ملك البلاد وخضعت له قبائل الترك ببلاد طمغاج (¬٢) كلها حتى صار يركب في نحو ثمان مائة ألف مقاتل، ويقال: كان في ابتداء أمره خصيصًا عند ملك من ملوك بلاد طمغاج يسمى أوبك خان، وكان إذ ذاك شابًا حسنًا وكان اسمه أولًا تمرجي، ثم لما عظم سمى نفسه جنكيز خان، وكان هذا الملك قربه وأدناه، فحسده عظماء الملك ووشوا به إليه حتى أخرجوه عليه، ولم يقتله، ولم يجد له طريقًا في ذنب يتسلط عليه، فهو في ذلك إذ تغضب الملك على مملوكين صغيرين فهربا منه ولجآ إلى جنكيز خان، فأكرمهما وأحسن إليهما، فأخبراه بما أضمر الملك من أوبك خان من القتل والهم به، فأخذ حذره وتحيز إلى مكان واتبعه طوائف من التتار، ثم صار كثير من أصحاب أوبك خان منفرونإليه، فيكرمهم ويعطيهم حتى قويت شوكته وكثرت جنوده، ثم حارب بعد ذلك أوبك خان فظفر به وقتله واستحوذ على مملكته وملكه، وانضاف إليه عَدَده وعُدَده وعظم [٢٨١] جارياته. أمزج بمسبوك اللجين … ذهبا حكته دموع عيني لما نعي ناعى الفراق … بين من أهوى وبيني خفقت لنا شمسان … من لآلاتها في الخافقين وبدت لنا في كأسها … من لونها في حلتين وشميم على وزن فعيل مصغر من الشم. أبو نصر محمد بن سعد الله بن نصر بن سعيد الدجاجي (¬١)، كان شيخًا بهيًا واعظًا حنبليًا فاضلًا شاعرًا، فمن شعره قوله: نفس الفتى إن أصلحت أحوالها … كان إلى نيل المنى أحوى لها وإن ترى (¬٢) سددت أقوالها … كان على حمل العلى أقوى لها فإن تبدت حال من لهالها … في قبره عند البلى لها لها ومولده سنة أربع وعشرين وخمسمائة، ومات في ربيع الأول، ودفن بباب حرب". سمع أبا منصور القزاز وغيره. (¬٣) أبو العباس أحمد بن مسعود بن محمد القرطبي الخزرجي، كان إمامًا في التفسير، والفقه، والحساب، والفرائض، والنحو، واللغة، والعروض، والطب، وله تصانيف حسان وشعر رائق، فمنه قوله: وفي الوجنات ما في الروض … لكن لرونق زهرها معنى عجيب وأعجب ما التعجب عنه أني … أرى البستان يحمله قضيب (¬٤)أبو الفدا إسماعيل بن بُرُتقش السنجاري مولي عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي، كان جنديًا حسن الصورة مليح النظم كثير الأدب (¬١). توفي في هذه السنة أبو الفضل إلياس بن جامع بن على الإربلي (¬٢)، تفقه بالنظامية، وسمع الحديث، وصنف التاريخ وغيره، وتفرد بحسن كتابة الشروط، وله فضل ونظم حسن، فمنه قوله: أممرض قلبي ما لهجرك آخر … ومسهر طرفي هل خيالك زائر ومستعذب التعذيب جورًا بصده … أمالك في شرع المحبة زاجر هنيئًا لك القلب الذي قد وقفته .. على ذكر أيامي وأنت مسافر فلا فارق الحزن المبرح خاطري … لبعدك حتى يجمع الشمل قادر فإن مت فالتسليم مني عليكم … يعاودكم ما كبر الله ذاكرُ (¬٣) أبو السعادات التاجر البغدادي الرافض، كان في كل جمعة يلبس لأمة الحرب ويقف خلف باب داره وهو مجاف عليه والناس في صلاة الجمعة، وهو ينتظر أن يخرج صاحب الزمان من سرداب سامرا يعني محمد بن الحسن العسكري ليميل بسيفه في الناس نصرة للمهدى. (¬٤) القاضي أبو محمد مختار المعروف بابن قاضي دارًا (¬٥)، قتل في الرابع والعشرين من ذي القعدة في هذه السنة، وسببه أنه كان وزير الملك الكامل بمصر حين كان ينوب عن والده الملك العادل، وكان ابن شكر وزير العادل يبغضه، فقرح فيه عند العادل فخاف عليه الكامل، فأمره بالخروج من مصر، فخرج هو [وولداه] (¬٦) فخر الدين وشهابالدين، وساروا إلى حلب، فأكرمهم الملك الظاهر صاحب حلب، ثم ورد مرسوم الملك العادل يطلبه، فخرج من حلب يريد التوجه إلى مصر [٢٨٢] وبات بعين المباركة (¬١) وإذا [بخمسين] (¬٢) فارسًا قد أحاطوا بخيمته ليلًا وقالوا: نريد القاضي. فخرج إليهم فنزل منهم ثلاثة فقتلوه وقالوا لغلمانه: أحبطوا متاعكم فما كان لنا غرض سواه. واتصل الخبر بالملك الظاهر فخرج وفرق الرجال في الطرقات فلم بقع لهم خبر، وكان كما قيل هرب من القتل إلى القتل. (¬٣) أبو العباس الحربي أحمد بن سلمان ويلقب بالسكر، قرأ القرآن بالروايات وسمع الحديث الكثير، ومولده سنة أربعين وخمسمائة، وكان صالحًا زاهدًا عابدًا، أقام في الحربية (¬٤)، يختم القرآن كل ليلة في صلاة التراويح. قال السبط: وكنت أصلي خلفه (¬٥)، وكان قنوعًا صبورًا على الفقر، وتوفي في صفر، ودفن بباب حرب، سمع أبا الوقت وابن البطي وغيرهما، وسمعنا عليه الحديث، وكان ثقة صدوقا (¬٦). أبو محمد الحراني عبد المنعم بن علي بن الصيقل ولقبه نجم الدين، قدم بغداد أول مرة في سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وتفقه على أبي الفتح بن المنى وسمع الحديث الكثير من أبي الفتح بن الشاتل وأبي السعدات بن زريق وابن الجوزي وغيرهم، وعاد إلى حران ووعظ بها وحصل له القبول التام، وعاد إلى بغداد فاستوطنها ووعظ بها. قال السبط: وحضرت مجلسه بمسجد باب المشرعة وسمعته ينشد: واشتاقكم يا أهل ودي وبيننا … كما زعم البينُ المشت فراسخ فأما الكرى عن ناظري فمشرد … وأما هواكم في فؤادي فراسخوكان صالحًا دينًا نزهًا عفيفًا كيسًا لطيفًا متواضعًا كثير الحياء. قال السبط: وكان يزور جدي وسمع معنا الحديث وكانت وفاته يوم الخميس سادس عشر ربيع الأول (¬١)، وصلى عليه بالنظامية، ودفن بباب حرب، وخلف ولدين النجيب عبد اللطيف، والمعز عبد العزيز، فأما عبد اللطيف فكان يسمع معنا الحديث على جدى بقطفتا (¬٢) وأما المعز فكان صغيرًا، ثم تقلبت بهما الأحوال حتى أفضى أمرهما إلى أن صارا تاجرين لديوان الخليفة، وظهر منهما الثقة والأمانة والعفة والديانة والنهضة والصيانة. (¬٣) أبو غالب بن كمونة اليهودي الكاتب، كان يزوَّر على خط ابن مقلة من قوة خطه، توفي لعنه الله في هذه السنة بمطمورة بواسط. (¬٤) أبو غالب بن أبي طاهر بن شبّر، كان عاملًا على دار الضرب ببغداد، توفي في هذه السنة "ذكره ابن الساعي الخازن في تاريخه. (¬٥) الأمير علم [الدين] (¬٦) الكرجي الأسدي، مات بدمشق في الثالث عشر من ربيع الآخر، وصلى عليه الملك العادل بمرج باب الحديد، ودفن بالجبل. بوريا التقوى، مات في هذه السنة غريقًا ببلاد المغرب في خدمة بني عبد المؤمن (¬٧) الملك ابن بكتمر صاحب خلاط، كان شابًا لم يكن في الدنيا أحسن منه، ولم يبلغ عشرين سنة، قتله الهزار ديناري، وقيل: بل غرقه في بحر خلاط ثم قتل الهزار ديناري بعده. (¬٨)فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثانية بعد الستمائة (¬*) (¬**) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، وأصحاب البلاد على حالهم [٢٨٣] غير أن صاحب غزنة وغيرها توفي في هذه السنة قتيلًا وهو الملك أبو المظفر شهاب الدين محمد بن سام بن الحسن الغورى، وذلك أنه لما كان قد اتقع مع الخطأ ونال منهم كروا عليه فهزموه، وبقي في نفر يسير فدخل إلى خوىّ (¬١) فيمن معه، فحصره الكفار ونهبوا خزائنه، وشاع الخبر في جميع بلاده أنه عدم، ثم وصل إلى الطالقان (¬٢) في سبعة نفر فأخرج له الحسين بن حرميل صاحب الطالقان الخيام وجميع ما يحتاج إليه، فسار إلى غزنة وسار معه ابن حرميل في صحبته وجعله أمير حاجب. ولما اشتهر خبر عدمه في البلاد ثار المفسدون في كل الأطراف، فكان ممن ثار بَنُو [كوكر] (¬٣) فقطعوا الطريق وخرجوا عن الطاعة، فعند ذلك تجهز شهاب الدين وسار بعساكره إليهم، ولقيهم وهزمهم وغنم المسلمون منهم خلقا كثيرا حتى بيع كل خمسة نفر بدينار، وهرب بن كوكر بعد أن قتل أخوته وأهله، وفتح شهاب الدين قلعة جودي (¬٤) فلما فرغ منهم سار نحو لهاور (¬٥) وأمر الناس بالرجوع إلى بلادهم، ثم عاد إلى غزنة، وكان من جملة الخارجين البراهنة (¬٦) فإنهم خرجوا إلى حدود سوران (¬٧) ومكران (¬٨) للإغارة على الإسلام، فأوقع بهم [نائب] (¬٩) تاج الدين يلدز وقتل منهم خلقًا كثيرًا، وحملت رؤسهم فعلقت ببلاد الإسلام.ثم إن شهاب الدين لما عاد من لهاور قتل بمنزل يقال له: دميك (¬١) وقت (¬٢) صلاة العشاء في أول ليلة من شعبان من هذه السنة، وكان سبب قتله أن نفرًا من الكوكرية الزموا عسكره عازمين على قتله لمّا فعل بهم من القتلى والسبي، فلما كانت الليلة التي قتل فيها تفرق عنه أصحابه، وبقي وحده، فهجموا عليه وهو من الخركاه (¬٣) فضربوه بالسكاكين اثنتين وعشرين ضربة فقتلوه. وبنو كوكر طائفة من [أهل] (¬٤) الجبال مفسدون، ولما قتل اجتمع الأمراء عند الوزير مؤيد الملك (¬٥) بن خواجا [سجستان] (¬٦) فتحالفوا على حفظ الخزانة والملك لزوم السكينة إلى أن يظهر من يتولى الملك، فأجلسوا شهاب الدين وخيطوا جراحه، وأشاعوا أنه حيٌّ وجعلوه في محفة وساروا به، وسكن الناس، وكانت الخزانة التي في صحبته ألفين ومائتي جمل، وعرفوا أنه سيكون بين غياث الدين محمود ابن أخي شهاب الدين وبين بهاء الدين سام ابن أخته وهو صاحب باميان (¬٧) حروب على الملك، وكان ميل الوزير والأتراك إلى غياث الدين محمود، والأمراء الغورية يميلون إلى بهاء الدين سام، فأرسلت كل طائفة منهما إلى الذين يميلون إليه يخبرونه بقتل شهاب الدين، فلما وصل العسكر والوزير إلى فرشابور (¬٨) اختلفوا، فقالت طائفة: نسير إلى غزنة على طريق مكران. وقال الأتراك: نسير على طريق سوران. وكان مقصودهم أن يكونوا قريبا من تاج الدين وهو مملوك شهاب الدين [٢٨٤] وكرمان أقطاعه، ومقصودهم أن يحفظ تاج الدين الخزانة في البلد، ويراسلوا من كرمان إلى غياث الدين يستدعونه إلى غزنة فيُملّكونه، فلما وصلوا إلى كرمان بعد مشقة قاسوها في طريق الجبال خرج إليهم تاج، وفي نيته أن يملك غزنة، فسأل الوزير عن الأموال فأخبره بما معه، وقال له الوزير: إن الغورية قد كاتبوا غياث الدين محمودًا وبهاء الدين سام صاحب باميان. ثم قال للوزير: إنهم أمروني أن أتسلم الخزانة منك، فلم يقدر على الامتناع وساروا بالمحفة والمماليكوالوزير إلى غزنة، فدفن شهاب الدين بالتربة، في المدرسة التي أنشأها، ولما بلغ الخبر بهاء الدين سام كتب إلى من بغزنة من الأمراء الغورية يأمرهم بحفظ البلد وأنه سائر إليهم عن قريب، وكان مستحفظ قلعتها يعرف بأمير دار (¬١)، وقد سير ولده إلى بهاء الدين سام يستدعيه إلى غزنة ثم كتب بهاء الدين إلى علاء الدين محمد بن أبي على ملك الغور يستدعيه إليه وإلى غياث الدين محمود وإلى أبي خرميل، وإلى هراة (¬٢) يأمرهما بإقامة الخطبة له، وحفظ ما بأيديهما من الأعمال، ولم يظن أن أحدا يخالفه، فسار من باميان برحلتين فوجد صداعا في رأسه، فنزل ليستريح فعظم الأمر عليه، فأيقن بالموت، فأحضر ولديه وعهد إلى علاء الدين وأمرهما بقصد غزنة، وأن يصالحا غياث الدين على أن يكون له خراسان وبلاد الغور ويكون لهما غزنة وبلاد الهند، ولما فرغ بهاء الدين من الوصية توفي، فسار ولداه إلى غزنة ودخلا البلد وملكاه، فلما بلغ ذلك تاج الدين يلدز سار بعساكره وجموعه، وسير إلى علاء الدين وجلال الدين أن أخرجا من غزنة وعودا إلى باميان علي عادة أبيكما، فإن غياث الدين أمرني بالمسير إلى غزنة وإنما أراد أن يجعل طريقًا إلى ملك غزنة لنفسه، ثم سار إلى غزنة فحاصرها، فترددت الرسل بينه وبين ولدى بهاء الدين سام، ففارقا غزنة ولحقا بباميان، فدخل تاج الدين يلدز إلى غزنة وقعد فيها أربعة أيام، فعند ذلك طلب القضاء والأمراء والأتراك وقبض على أميردار والي غزنة، ودخل إلى دار السلطان وجلس فيها على مرتبته، فتغيرت لذلك نبات الأتراك وغيرهم لأنهم كانوا يظنون أنه يُملِك غياث الدين، فأرسل إليه غياث الدين الخلع وطلب منه الخطبة له، فغالطه ولم يفعل، فطلب منه أن يخاطبه بالملك وأن يتزوج ابنه من ابنته، فلم يجبه، وامتنع عن الخِطْبَه كامتناعه عن الخُطْبَه، وأجرى يلدز بغزنة رسوم شهاب الدين، وفرق في أهلها أموالًا جليلة المقدار وألزم مؤيد الملك بالوزارة. فامتنع وأكره على ذلك. وأما غياث الدين فإنه بمدينة بست (¬٣) لم يتحرك في شيء انتظارًا لما يكون من أمر صاحب باميان لأنهما كانا تعاهدا في أيام شهاب الدين أن تكون خراسان لغياث الدين،وغزنة والهند لصاحب باميان، فلما بلغه موت بهاء الدين جلس على التخت وخطب لنفسه [٢٨٥] بالسلطنة، وحلف للأمراء الذين قصدوه، وهم: إسماعيل الخلجي وسونج أمير شكار (¬١) وغيرهما، وتلقب بألقاب أبيه غياث الدين، وكتب إلى علاء الدين محمد بن أبي على وهو بفيروزكوه يستدعيه إليه، ثم رحل غياث الدين إلى فيروزكوه فملكها وقبض على جماعة من أصحاب علاء الدين محمد، فنجا علاء الدين هربا ودخل دار أبيه فسكنها، واستوزر عبد الجبار بن محمد الكيزاني وزير أبيه، وسلك طريق والده في الإحسان والعدل، ولما فرغ غياث الدين من علاء الدين محمد، ولم يكن له همه إلا ابن خرميل صاحب هراة واجتذابه إلى طاعته، فراسله وكاتبه، فلما وصله كتابه خاف ميل الناس إليه فغالطه في الجواب وكاتب خوارزم شاه وطلب منه أن يرسل إليه عسكرًا ليكون في طاعته، ويمتنع به من الغورية، فكتب خوارزم شاه إلى عسكره الذي بنيسابور وغيرها من بلاد خراسان بالتوجه إلى هراة، وأن يمتثلوا أمر ابن خرميل، فلما وصل عسكر خوارزم شاه أنزلهم ابن خرميل على باب هراة، وبلغ ذلك غياث الدين فبرز عن فيروزكوه نحو هراة وأقر عسكره بالتقدم إلى هراة، وجعل المقدم عليهم على بن أبي على، وبلغه أن خوارزم شاه علي بلخ (¬٢) فسار وكان على يزكه صاحب الطالقان، وكان منحرفًا على غياث الدين، فأرسل إلى ابن خرميل يعرفه أنه على اليزك ويأمره بالمجيء إليه وأنه لا يمنعه، فسار ابن خرميل في عسكره فكبس عسكر غياث الدين على غرة منهم فهزمهم، وغنم أموالهم وأسر ابن إسماعيل الخلجي، وأرسل عسكره فشنوا الغارة على البلاد، وعظم الأمر على غياث الدين فأزمع المسير إلى هراة فأتاه الخبر أن علاء الدين صاحب باميان قد عاد إلى غزنة، فأقام ينتظر ما يكون منهم ومن يلدز، وأما خوارزم شاه فاستمر على حصار بلخ حتى فتحها وسلمها إلى جغر التركي، وسار مجدا إلى مدينة ترمذ (¬٣) وبها ولد عماد الدين صاحب بلخ فسير إليه، أمانًا فسلمها إليه فلما تسلمها منه سلمها إلى الخطأ، وإنما أعطاهم ذلك ليتمكن من ملك خراسان، وأما يلدز فإنه أقام فيغزنة كما ذكرنا ولم يخطب لأحد إلا لنفسه، وكان يعد الناس أن رسولي عند غياث الدين فإذا عاد خطبت له، وكان يفعل ذلك مكرًا فإنه لو لم يظهر ذلك لفارقه أكثر الأتراك وسائر الرعايا، فجمع علاء الدين وجلال الدين ولدا بهاء الدين سام جيشًا وسارا إليه طالبي غزنة فلما بلغ يلدز مسيرهما جهز من عسكره طائفة فالتقوا هم وعسكرهما، فانهزم عسكر يلدز من بين أيديهم إلى غزنة فساروا في أثره، فلما قاربوا البلد انهزم يلدز أيضًا فتبعوه إلى كرمان وملكوها وعاد المذكوران إلى غزنة ومعهما الخزانة التي أخذها يلدز، وقبضا على مؤيد الملك الوزير، وقسما الخزانة بينهما، وسار جلال الدين إلى باميان وبقي علاء الدين بغزنة فاستوزر عماد الملك، فأساء السيرة مع الجند والرعية ونهب أموال الأتراك حتى أنهم باعوا أمهات أولادهم وهن يبكين وهو لا يلتفت إليهم، ثم أن يلدز جمع جموعًا من الأتراك وغيرهم وعاد إلى غزنة فوصلوا إلى كلوا (¬١) [٢٨٦] فملكوها وقتلوا جماعة من الغورية ووصل المنهزمون إلى كرمان، فسار يلدز إليهم وجعل على مقدمته مملوكًا كبيرًا من مماليك شهاب الدين اسمه إيدكز الشرقي في ألفي فارس من الخليج والأتراك والغز والغورية وغيرهم، وكان يكرمان عسكر لعلاء الدين مع أمير يقال له ابن المؤيد، ومعه جماعة من الأمراء منهم أبو علي بن سليمان، وهو وأبوه عن أعيان الغورية، وكانا مشتغلين باللهو والشرب لا يفتران عنه، فهجم عليهم إيدكز ومن معه من الأتراك وعاجلوهم عن ركوب خيلهم فتقلوهم عن آخره، فمنهم من قتل في المعركة ومنهم من قتل صبرًا، ولم ينج إلا من تركه الأتراك عمدًا. ولما وصل يلدز ورأى أمراء الغورية كلهم قتلى لام إيدكز ووبخه وأحضر رأس ابن المؤيد بين يديه، فسجد شكرًا لله تعالى. وأمر بالمقتولين فغسلوا ودفنوا. وكان من القتلى أبو على بن سليمان بن شيْشر (¬١). ووصل الخبر إلى غزنة في العشرين من ذي الحجة من هذه السنة، فصلب علاء الدين الذي جاء بالخبر، فمطر الناس مطرًا شديدًا حتى خرب بعض غزنة وجاء بعده برد كبار مثل بيض الدجاج، فضج الناس إلى علاء الدين بإنزال المصلوب فأنزله آخر النهار فانكشفت الظلمة وسكن ما كانوا فيه.وملك يلدز كرمان وأحسن إلى أهلها، وكانوا في ضر شديد مع أولئك ولما صح الخبر عند علاء الدين أرسل وزيره إلى أخيه جلال الدين في باميان يخبره بحال يلدز ويستنجده، وكان قد أعد العساكر ليسير إلى بلخ ليُرحل عنها خوارزم شاه، فلما أتاه هذا الخبر ترك بلخ وسارا إلى غزنة وكان أكثر عسكره من الغورية قد فارقوه وفارقوا أخاه وقصدوا غياث الدين، فلما كان أواخر ذي الحجة وصل يلدز إلى غزنة ونزل هو وعسكره بإزاء قلعتها وحضر علاء الدين وجرى بينهم قتال شديد، وأمر يلدز فنودي في البلد بالأمان وتسكين الناس، وحاصر يلدز القلعة فوصل جلال الدين في أربعة آلاف من عسكر باميان وغيرهم، فرحل يلدز إلى طريقهم وكان في مقامه إلى أن سار إليهم أربعين يومًا، فلما سار أرسل علاء الدين من كان عنده من العسكر وأمرهم أن يأتوا يلدز من خلفه ويكون أخوه من بين يديه، فلما خرجوا من القلعة سار سليمان بن على الغوري إلى غياث الدين بفيروزكوه، فأكرمه وجعله بها أمير دار، وساريلدز في طريق جلال الدين فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدًا صبروا فيه، فانهزم جلال الدين وعسكره وأخذ أسيرًا وأتي به إلى يلدز، فرحل إلى غزنة وهو معه وأرسل إلى علاء الدين أن سلم القلعة وإلا قتلت من معي من الأسرى، فلم يسلمها فقتل منهم أربع مائة أسير بإزاء القلعة، فأرسل علاء الدين يطلب الأمان فأمنه فلما خرج إليه قبض عليه ووكل به وبأخيه من يحفظهما وقبض على وزيره عماد الملك لسوء سيرته، وكان هندوخان (¬١) ملكشاه بن خوارزمشاه تكش مع علاء الدين بن سام بقلعة غزنة، فلما قبض عليه أمسكه معه وكتب إلى غياث الدين [٢٨٧] بالفتح وأرسل إليه الأعلام وبعض الأسرى.