بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 549, entry [228]6,334 chars
ذكر خروج السلطان من القدس على عزم دمشق ثم أن السلطان ﵀ فَوَّضَ ولاية القدس الشريف إلى عز الدين جرديك، ووصاه بتهذيب الأمور والأخذ بالحزم في كل شيء، وكان فيه كفاية وشهامة وديانة، وكان الوالى قبله حسام الدين سياروخ، وكان فيه دين ولين. وولى علم الدين قيصر أعمال الخليل وعسقلان وغزة والداروم وما والاها، و…
▸ expand full passage (6,334 chars)ذكر خروج السلطان من القدس على عزم دمشق ثم أن السلطان ﵀ فَوَّضَ ولاية القدس الشريف إلى عز الدين جرديك، ووصاه بتهذيب الأمور والأخذ بالحزم في كل شيء، وكان فيه كفاية وشهامة وديانة، وكان الوالى قبله حسام الدين سياروخ، وكان فيه دين ولين. وولى علم الدين قيصر أعمال الخليل وعسقلان وغزة والداروم وما والاها، وأمر بنقل الغلات من البلقاء لتقوية الفلاحين، كذلك أمر بنقل الغلات من مصر إلى أعمال عسقلان، ليعيد إليها الزراعة والعمران. وكان السلطان قد أعطى دستورًا للعسكر حين تم أمر الصلح، فكان أول من سار عسكر إربل، فإنهم ساروا في مستهل شهر رمضان، ثم سار بعده في ثانِيْهِ عسكر الموصل وسنجار والحصن. وفى يوم الجمعة الثالث والعشرين من شهر رمضان، [١٥٥] صلى الملك العادل الجمعة، ثم انصرف عائدا إلى الكرك لينظر في أحواله، ثم يعود إلى البلاد الشرقية ليدبَّرها، فإنه كان أخذها من السلطان، وودع السلطان، فلما وصل إلى العازرية (¬١) ونزل بها، أتى إليه من أخبره أن رسولاً من بغداد واصل إليه، فأنفذ إلى السلطان وعرَّفه، وذكر أنه يجتمع به. ثم جاء إليه يوم السبت الرابع والعشرين منه، وذكر أن الرسول وصل إليه من جانب ابن النافذ بعد أن ولى نيابة وزارة بغداد. ومضمون كتابه؛ أنه يستعطف قلب السلطان إلى الخدمة الشريفة، والإنكار عليه في تأخر رسله عن العتبة الشريفة، وأنه يُسيّر القاضى الفاضل إلى الديوان في تقرير قواعد بينه وبين السلطان، ووعد للعادل شيء كثير إذا قرر ذلك. ولما سمع السلطان ذلك، كره إنفاذ رسول يسمع كلام الديوان. ووقع كلام كثير بين السلطان والعادل، ثم قوى عزم السلطان على إنفاذ الضياء الشهرزورى. وعاد العادل إلى مخيمه بالعازرية، وعَرَّفَ الرسول بما وقع عند السلطان، ومن إجابته إلى إنفاذ الرسول. ثم سار العادل يوم الاثنين طالبا جهة الكرك، وسار الضياء متوجها إلى بغداد يوم الثلاثاء سادس عشرى رمضان.وفى يوم الأربعاء السابع والعشرين منه، توجه الملك الظاهر ابن السلطان إلى جهة حلب، بعد أن أوصى له السلطان بالتقوى فإنه رأس كل خير، وبالبعد عن سفك الدماء ومظالم الناس. وفى الليلة الخامسة من شوال من هذه السنة، سار الملك الأفضل ابن السلطان متوجها إلى دمشق، ثم أن السلطان - رحمة الله عليه - لم يزل ينظر في أحوال الناس، ويعطى إقطاعات لأناس، ودستورًا لآخرين، ولم يزل كذلك حتى صح عنده إقلاع مركب ملك الإنكتار متوجها إلى بلاده مستهل شوال، فعند ذلك حرر عزمه على أن يدخل الساحل جريدة، ويتفقد القلاع البحرية إلى بانياس، ثم يدخل دمشق ويقيم بها أياما قلائل، ثم يعود إلى القدس ويزوره، ثم يسير إلى الديار المصرية ليتفقد أحوالها، ويقرر قواعدها، وينظر في مصالحها. (¬١) قال القاضى بهاء الدين: وأمرنى بالمقام بالقدس لعمارة مارستان أنشأه فيه، وإدارة المدرسة التى أنشأها إلى حين عوده، ثم خرج السلطان من القدس ضحوة نهار الخميس، السادس من شوال من هذه السنة (¬٢). قال القاضى: وودعته إلى البيرة، وهى قرية بين القدس ونابلس، ونزل بها وأكل فيها الطعام، ثم رحل منها وبات على بركة الداوية، ثم نزل على نابلس ضحوة نهار الجمعة السابع من شوال، وكثرت الاستغاثات على سيف الدين على المشطوب صاحبها، وأنه زاد في رسومها ونوابها، فأقام بها السلطان إلى ظهر يوم السبت الثامن من شوال حتى كشف مظالمها، وأسقط رسومها الجائرة، ثم رحل بعد الظهر ونزل بسفسطية (¬٣) وتفقد أحوالها (¬٤). قال ابن كثير: [١٥٦] وبات ليلة الأحد عند عقبة ظهر حمار (¬٥)، بموضع يعرف بالفريديسة، وأصبح راحلاً، ونزل ضحوة نهار الأحد على جينين، وهناك ودعه المشطوب وداع الأبد، فإنه توفى بعد أيام. ثم رحل يوم الاثنين وجاء ضحوة إلى بيسان، وصعد إلىقلعتها المهجورة الخالية فقال: الصواب بناء هذه وتخريب قلعة كوكب، ولم يزل حتى بَيَّن كيفية بنائها. ثم رحل الظهر وبات على قلعة كوكب، ورحل عنها ضحوة الثلاثاء ونزل بطبرية وقت العشاء، وهناك جاء إليه بهاء الدين قراقوش وقد خرج من الأسر، وكان قد أسر فيمن أسر بعكا، وكان انفكاكه من الأسر يوم الثلاثاء الحادى عشر من شوال، ففرح السلطان به فرحاً شديدًا؛ لأنه كانت له حقوق كثيرة على السلطان وعلى الإسلام (¬١). وأقام السلطان بطبرية يوم الأربعاء، ورحل بكرة الخميس ونزل بقرب صفد تحت الجبل، وصعد السلطان إليها وأمر بتسديد (¬٢) ما فيها من الخلل. ثم سار يوم الجمعة على طريق جبل عاملة (¬٣)، ونزل ضحوة بضيعة يقال لها الجش (¬٤) وهى عامرة، وسار منها وخيم على مرج تَبْنين، ووصى الوالى بعمارة قلعتها. ثم رحل بكرة السبت وجاء على قلعة هونين، ونزل من الجبل وبات على عين الذهب. ورحل يوم الأحد وخيم بمرج عيون، ورحل عصر يوم الاثنين وعبر من على صيدا يُسْرة، وعمل وادى تيم يمنة (¬٥) على الضياع والقرى، وعرس على مرج تلفياثًا (¬٦) مقابل مرج القنعبة، ثم أصبح يوم الثلاثاء على الرحيل إلى البقاع من تلفياثا، فخيم على جسر كامد (¬٧)، ثم غدا يوم الأربعاء وخيم بناحية قب إلياس، ثم دخل يوم الخميس إلى بيروت، ونزلت الأثقال على مرج قلميطية بالبقاع، وأقام خمسة أيام على الاستراحة (¬٨). ولما وصل السلطان إلى بيروت تلقاه واليها عز الدين أسامه، بكل ما توفرت به الكرامة، وأحضر للسلطان ولكل من كان معه من أنواع التحف وأقسام الطرف. ولما أراد السلطان أن يرحل عن بيروت - وذلك في يوم السبت الحادى والعشرين من شوال - قيلله إن الإبرنس الأنطاكى قد وصل إلى الخدمة، مستمسكًا بحبل العصمة، داخلا في حكم الذمة، فثنى السلطان عنانه ونزل وأقام، وأذن للإبرنس في الدخول عليه، فدخل عليه وقربه منه ورفع مجلسه، وكان معه من مقدمى فرسانه أربعة عشر بارونيا، ووهب السلطان كلاً منهم تشريفا سريا، وكتب له من مناصفات أنطاكية بمبلغ عشرين ألف دينار، ثم ودعه يوم الأحد وفارقه (¬١). وفى النوادر: وأنعم عليه بالعمق (¬٢) وأزرغان ومزارع تفل [خمسة] (¬٣) عشرة آلاف دينار (¬٤). ثم خرج السلطان يوم الأحد وبات بالمخيم على البقاع، ورحل يوم الاثنين وعبر عين الجسر، وبات على مرج يبوس (¬٥)، ووصل هناك من أعيان دمشق من تلقاه بأنواع التحف من الفواكه وغيرها. ورحل يوم الثلاثاء [١٥٧] وبات بالعرادة (¬٦)، وأصبح يوم الأربعاء السادس والعشرين من شوال، ودخل دمشق، وخرج كل مَنْ بالمدينة، وحشر الناس ضحى، وكان يومًا مشهودا. وكانت غيبة السلطان عن دمشق أربع سنين (¬٧) وهو في الجهاد. وكان في دمشق أولاده الملك الأفضل، والملك الظاهر، والملك الظافر، وأولاده الصغار، وكان يحبُّ البلد ويؤثر الإقامة فيه على سائر البلاد، وجلس الناس بكرة يوم الخميس السابع والعشرين منه، وحضر الناس عنده وتملوا برؤيته وطلعته المباركة، وأنشده الشعراء، وعمَّ ذلك المجلس الخاص والعام، وأقام ينشر جناح عدله، ويهطل سحاب أنعامه وفضله، ويكشف مظالم الرعايا. وفى يوم الاثنين مستهل ذى القعدة، أعد الملك الأفضل دعوة للملك الظاهر، وأظهر فيها من بديع التجمل وغريبه ما يليق بهمته، وكأنه أراد بذلك مجازاته عما كان خدمه به حين وصوله إلى حلب، وسأل السلطان الحضور في دعوته فحضر، وكان يومًا مشهودا.وفى يوم الأربعاء السابع والعشرين (¬١) من ذى القعدة، قدم الملك العادل من الكرك، وخرج السلطان إلى لقائه، وقام يتصيد حول غباغب (¬٢) إلى الكُسوة (¬٣) حتى لقيه، وسارا جميعًا يتصيدان. وكان دخولهما إلى دمشق آخر نهار الأحد مستهل ذى الحجة من هذه السنة، وأقام السلطان بدمشق يتصيد هو وأخوه وأولاده، ويتفرجون (¬٤) في أراضى دمشق، وما كان ذلك إلا للوداع (¬٥) لأولاده وهو لا يشعر. ثم أذن السلطان لولده الملك الظاهر السفره إلى حلب محل ولايته، فودعه وداعا لا لقاء بعده (¬٦)، وسار إلى حلب، وبقى عند السلطان ولده الملك الأفضل وأخوه وبقية أهله، وخرجت السنة والأمر على هذا.