بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 537, entry [223]4,435 chars
ذكر تصميم الفرنج على محاصرة القدس ولما جرى ما ذكرنا، شاور السلطان الأمراء في القدس وقال لهم: أنتم جند الإسلام ومنعته، ودماء المسلمين وأموالهم وأهاليهم متعلقة بكم، فإن جبنتم طووا البلاد طيًا وكنتم المطالبين بذاك. فقالوا: نحن مماليكك وما تطير رؤوسنا إلا بين يديك. وافترقوا على هذا (¬٣). ثم تهيأ السلطان…
▸ expand full passage (4,435 chars)ذكر تصميم الفرنج على محاصرة القدس ولما جرى ما ذكرنا، شاور السلطان الأمراء في القدس وقال لهم: أنتم جند الإسلام ومنعته، ودماء المسلمين وأموالهم وأهاليهم متعلقة بكم، فإن جبنتم طووا البلاد طيًا وكنتم المطالبين بذاك. فقالوا: نحن مماليكك وما تطير رؤوسنا إلا بين يديك. وافترقوا على هذا (¬٣). ثم تهيأ السلطان لذلك وأكمل السور وعمق الخنادق ونصب الآلات والمجانيق، وأمر بتغوير ما حول القدس من المياه، ثم أحضر الأمراء ليلة الجمعة التاسع عشر من جمادى الآخرة وفيهم أبو الهيجاء السمين، والمشطوب، والأسدية بكمالهم، فاستشارهم السلطان فيما قد دهم من الأمر الفظيع، فأفاضوا في الكلام (¬٤) وأشار كل برأى. وأشار العماد الكاتب بأن يتحالفوا على الموت عند الصخرة، كما كانت الصحابة ﵃ يفعلون، فأجابوا إلى ذلك كلهم. هذا كله والسلطان ساكت واجم مفكر، فسكت القوم حتى كأن على رؤوسهم الطير، ثم قال: الحمد لله والصلاة على رسول الله، اعلموا أنكم جند الإسلام اليوم، وليس لهذا العدو من يلقاه غيركم، فإن طويتم أعِنَّتكم - والعياذ بالله - طووا البلاد كطى السجل للكتاب. وقال: ذلك في ذمتكم، وأكلتم مال بيت مال المسلمين، فالمسلمون في سائر البلاد متعلقون بكم. فانتدب لجوابه سيف الدين المشطوب وقال: يا مولانا نحن مماليكك وعبيدك وأنت الذى أنعمت علينا وأعطيتنا وأغنيتنا، وليس لنا إلا رقابنا وهى بين يديك، والله ما يرجع أحد منا عن نصرتك إلى أن تموت بين يديك. فقال بقيةالقوم مثل ما قال. ففرح السلطان وطاب قلبه ومد لهم سماطا حافلاً، وانصرفوا من بين يديه على ذلك. ثم بلغه بعد ذلك عن بعض الأمراء أنه قال: إنا نخاف أن يجرى علينا في هذه البلدة كما جرى في عكا، ثم يأخذون بلاد الإسلام بلدا بلدا، والمصلحة أن نلقاهم بظاهر البلد، فإن هزمناهم أخذنا بقية بلادهم، [١٤٧] وأن تكن الأخرى سَلَّمَ الله العسكر، ومضى القدس، وقد انحفظت بلاد الإسلام بدون القدس مدة طويلة. وكان مما بعثوا إلى السلطان يقولون: أن كُنت تريدنا نقيم بالقدس تحت حصر الإفرنج فكُن أنت معنا، أو بعض أهلك، حتى يكون الجيش تحت أَمْرِه، فإن الأكراد لا يطيعون الترك، والترك لا يطيعون الأكراد. فلما بلغه ذلك شق عليه مشقة عظيمة، وبات ليلة ذلك أجمع مهموماً كئيبا، مفكراً فيما قالوا، ثم انجلى الأمر، واتفق الحال على أن يكون الملك الأمجد صاحب بعلبك مقيما عندهم نائبا عنه بالقدس الشريف، وكان ذلك نهار الجمعة، فلما حضرت صلاة الجمعة وأذَّن المؤذنون قام فصلى ركعتين بعد الأذانين، وسجد وابتهل إلى الله تعالى ابتهالاً عظيما، وتضرع لديه وتمسكن، وسأله فيما بينه وبينه في كشف هذه الضائقة العظيمة (¬١). وفى المرآة: وبعد افتراق الأمراء من عند السلطان بعد المشاورة، اختلفت الأمراء في الليل، فقال بعضهم: ما نقيم حتى يكون السلطان معنا، نخاف أن يجرى علينا ما جرى على أهل عكا. وبلغ السلطان ذلك، فبعث إليهم يقول: هذا مجد الدين بن فرخشاه ابن أخي يكون عندكم، وأكون أنا من برًا أَذُبُّ عنكم، فقالوا: ما هذا برأى، وإنما نخرج ونصدقهم الحملة، فإن قهرناهم وإلا سلم العسكر ونمضى إلى دمشق. فعز عليه ذلك خوفا على القدس ومن فيه من المسلمين، وبات ليلة الجمعة ساهرا باكيا متضرعا، وبعث بالصدقات إلى الفقراء. وطلع الفجر، فجلس إلى الضحى يدعو، ومضى إلى المسجد الأقصى فدخل المقصورة وسجد وبكى وتضرع إلى الله تعالى. وكان جرديك في اليزك فجاءت منه رقعة يقول: قد ركبوا بأسرهم.وبات السلطان ليلة السبت قلقا ما عرف المنام، فلما طلع الصباح جاء جرديك مسرعا فيقال للسلطان: نهنيك، رحلوا نحو الرملة، فسجد السلطان، وانكشفت أخبارهم. وسبب رحيلهم أن السلطان كان قد أمر بِطَمِّ الصهاريج والآبار التى كانت حول القدس، فقال لهم ملك الإنكتار: من أين نشرب؟ قالوا: من العيون التى حول القدس، قالوا: يتخطفوننا (¬١). وقال صاحب النوادر: فقالوا: نشرب من ماء (¬٢) نقوع بينه وبين القدس مقدار فرسخ. فقال الملك: كيف نذهب إلى السقى؟ فقالوا: ننقسم قسمين؛ قسم يركب إلى السقى مع الدواب، وقسم يبقى على البلد في المنزلة، ويكون الشرب في اليوم مرة. فقال الملك: إذًا يأخذ العسكر البرانى الذى يذهب مع الدواب، ويخرج عسكر البلد على الباقين، ويذهب دين النصرانية، فانفصل الحال على أنهم حكَّموا ثلاثمائة من أعيانهم، وحكَّموا الثلاثمائة اثنى عشر منهم [١٤٨]، وحَكَّم الاثنى عشر ثلاثة منهم على عادتهم في النوازل، فباتوا يتشاورون، فترجح عندهم الرحيل، وقالوا: السلطان حاضر ومعه العساكر فارحلوا، فرحلوا (¬٣). وفى تاريخ ابن كثير: ولما كان يوم السبت الحادى والعشرين من جمادى الآخرة، جاءت الكتب من الحرس حول البلد، بأن الإفرنج اختلفوا فيما بينهم في محاصرة القدس. فقال ملك الإفرنسيس: إنما جئنا من البلاد البعيدة وأنفقنا الأموال العديدة في تخليص بيت المقدس، وقد بقى بيننا وبينه مرحلة. وقال ملك الإنكتار: أن هذا البلد يشق علينا حصاره؛ لأن المياه قد عدمت، ومتى بعثنا من يأتينا بالماء تعطل أمر الحصار. ثم اتفق الحال بينهم على أن حكَّموا إلى آخر ما ذكرناه، فرحلوا صوب الرملة (¬٤). قال في النوادر: وأصبحوا في بكرة الحادى والعشرين من جمادى الآخرة راحلين إلى نحو الرملة، وعلى أعقابهم ناكصين، ووقف عسكرهم شاكِّين في السلاح إلى أن لم يبق في المنزلة إلا الآثار، ثم نزلوا بالرملة. وتواتر الخبر بذلك، وركب السلطان والناس، وكان يوم سرور وفرح (¬٥).