بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 529, entry [218]3,681 chars
ذكر عصيان الملك المنصور ابن الملك المظفر تقي الدين وما جرى له وعليه في ذلك وفي النوادر: ويوم وصول المشطوب، كتب السلطان إلى ولده الملك الأفضل بأن يسير إلى الفرات ويتسلم البلاد من الملك المنصور ابن الملك المظفر تقي الدين، وكان قد أظهر العصيان بسبب الخوف على نفسه من السلطان [١٤١] وأظهر ذلك، وكتب إلى ال…
▸ expand full passage (3,681 chars)ذكر عصيان الملك المنصور ابن الملك المظفر تقي الدين وما جرى له وعليه في ذلك وفي النوادر: ويوم وصول المشطوب، كتب السلطان إلى ولده الملك الأفضل بأن يسير إلى الفرات ويتسلم البلاد من الملك المنصور ابن الملك المظفر تقي الدين، وكان قد أظهر العصيان بسبب الخوف على نفسه من السلطان [١٤١] وأظهر ذلك، وكتب إلى الملك الظاهر بحلب - وكان قد سافر إليها - أنه إن أحتاج أخوك إلى معونة أعنه. وجهز السلطان صلاح الدين ولده الأفضل بحملة كبيرة، وسار باحترام عظيم حتى وصل إلى حلب، وأكرمه أخوه الملك الظاهر إكرامًا عظيمًا، وعمل له ضيافة تامة، وقدم بين يديه تقدمة سنية (¬٢). وأما الملك المنصور فإنه لما بلغه موجدة (¬٣) السلطان عليه، أرسل إلى الملك العادل رسولًا يستشفع به ليطيب قلب السلطان، ويعطيه إما حران والرها وشميساط، وإما حماة ومنبج وسلمية والمعرة، فراجع الملك العادل السلطان مرارًا بسببه فلم يفعل ذلك ثم كثرت الشفاعة إليه من جميع الأمراء، وهزت له شجرة الكرم، فرجع إلى خُلقه الحسن وحلف له على حران والرها وشميساط، على أنه إذا عبر الفرات أعطى المواضع المذكورة ويتخلى عن البلاد التي في يده، ودخل في هذا الضمان الملك العادل، ثم التمس العادل خط السلطان فأبى، وألح عليه، فمزق نسخة اليمين في التاسع والعشرين من ربيع الآخر، وانفصل الحال وانقطع الحديث.وقال قاضي القضاة بهاء الدين: كنت المتردد بينهما في ذلك، وأخذ من السلطان الغيظ، كيف يُخاطب بمثل ذلك من جانب بعض أولاد أولاده (¬١)؟ قال القاضي: ثم أرسلني السلطان إلى العادل والأمراء بأن يتشاوروا في أمر الملك المنصور، فاجتمعوا في خدمة العادل، فانتدب الأمير حسام الدين أبو الهجاء وقال: نحن عبيد السلطان ومماليكهـ وذاك صبي، وربما حمله خوفه حتى انضاف إلى جانب آخر، ونحن ما نقدر على الجمع بين قتال المسلمين والكفار، فإن أراد السلطان قتال المسلمين يصالح الكفار ونسير نحن إلى ذلك الجانب ونقاتل بين يديه، وإن أراد ملازمة الغزاة صالح المسلمين ويسامحهم. فاتفق الجميع على هذا الكلام. فعند ذلك دق قلب السلطان، وجُددت نسخة يمين لابن تقي الدين وحلف له بها، وأعطى خطه بما استقر من الأمر. ثم أن العادل طلب من سلطان البلاد التي كانت بيد ابن تقي الدين، وتكررت مراجعات العادل في ذلك. قال القاضي: وكنت الرسول بينهما، وكان آخر ما استقر أنه يتسلم تلك البلاد وينزل عن كل ما هو شامي الفرات، ماعدا الكرك والشوبك والصلت (¬٢) والبلقاء، وخاصّته بمصر، وذلك بعد أن قرر على نفسه في كل سنة ستة آلاف غرارة غلة، تحمل للسلطان من الصلت والبلقاء إلى القدس، وأخذ خط السلطان بذلك. ثم سار بنفسه ليصلح ابن تقي الدين ويطيب قلبه، وكان مسيره في الثامن من جمادى الأولى من هذه السنة (¬٣). ثم أن السلطان سير إلى الملك الأفضل يأمره بالعود من قصد تلك البلاد، وكان قد وصل إلى حلب - كما ذكرناه - فعاد مع انكسار في قلبه وتشوش في باطنه، فوصل إلى دمشق معتبًا ولم يحضر إلى خدمة السلطان، فلما اشتد خبر الإفرنج سير إليه وطلبه، فما وسعة التأخر، فسار مع من وصل من العساكر الشرقية إلى دمشق، وكان وصوله يوم الخميس التاسع عشر من جمادى الآخر، فلقيه السلطان قريب العازرية (¬٤) وترجل له جبرًا لقلبه [١٤٢] وتعظيمًا لأمره، وساروا في خدمته، وكان فيهم أخواه الملك الظافر وقطب الدين في ظاهر القدس من جهة العدو (¬٥).وأما الملك المنصور، فإنه قد تسلم البلاد التي عينها له السلطان، ووصل إلى خدمة الملك العادل يوم السبت الحادي عشر من شعبان، فنزل عنده، ثم ركب العادل إلى السلطان يخبره بوصوله، وسأله في احترامه وإكرامه وطلاقه الوجه له. ثم أن المنصور لما قرب من السلطان استأذن ولده الظاهر في لقائه فأذن له في ذلك، فلقاه في بيت نوبة (¬١)، فنزل عنده وفرح بلقائه، وأقام عنده إلى العصر وذلك في يوم الأحد، ثم أخذه وسار به جريدة حتى أتي خيمة السلطان، فدخل عليه واحترمه واعتنقه وضمه إلى صدره، ثم غشيه البكاء فبكى بكاء كثيرًا حتى بكى الناس لبكائه، ثم باسطه وسأله عن الطريق، ثم قام وبات في خيمة ولده الملك الظاهر إلى صبيحة يوم الاثنين، ثم ركب وعاد إلى عسكره، ونشروا الأعلام والبيارق (¬٢). وكان معه عسكر جميل، فقرت عين السلطان بذلك، وكان ذلك في صبيحة يوم الاثنين الثالث عشر من شعبان، ونزل في مقدمة العسكر مما يلي الرملة (¬٣). وكان قدوم الملك الظاهر إلى خدمة والده السلطان يوم السبت الخامس من رجب في هذه السنة، ونزل في دار الإستبار وفرح السلطان به.