بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 511, entry [211]8,355 chars
ذكر بقية الأخبار منها أن يوم الاثنين التاسع والعشرين من رمضان، استدعى الملك العادل قاضي القضاة بهاء الدين وأحضر جماعة من الأمراء؛ علم الدين سليمان، وسابق الدين، وعز الدين بن المقدم، وحسام الدين بشارة، وقال لهم: إن ملك الإنكتار أرسل إليه يقول له: إن العادل يتزوج بأخته، وكان قد استصحبها معه من صقلية، …
▸ expand full passage (8,355 chars)ذكر بقية الأخبار منها أن يوم الاثنين التاسع والعشرين من رمضان، استدعى الملك العادل قاضي القضاة بهاء الدين وأحضر جماعة من الأمراء؛ علم الدين سليمان، وسابق الدين، وعز الدين بن المقدم، وحسام الدين بشارة، وقال لهم: إن ملك الإنكتار أرسل إليه يقول له: إن العادل يتزوج بأخته، وكان قد استصحبها معه من صقلية، وكانت زوجة صاحبها ومات عنها، وأن يكون مستقرها بالقدس، وإن أخاها يعطيها بلاد الساحل التي في يده من عكا إلى يافا وعسقلان وغير ذلك، ويجعلها ملكة الساحل، وإن السلطان يُعطى الملك العادل جميع ما في يده من بلاد الساحل، ويجعله ملك الساحل، ويكون ذلك مضافًا إلى ما في يده من البلاد والإقطاعات، وإنه يسلم إليهم صليب الصلبوت، وتكون القرايا للداوية والإستبار، وأنا أفك أساراكم وأنتم تفكون أسارانا، فإذا استقر الصلح على هذا يرحل ملك الإنكتار إلى بلاده في البحر، وينفصل الأمر (¬٤). قال القاضي: حمل الملك العادل هذه الرسالة علينا، وجعلني المتكلم فيها.قال القاضي: فلما حضرنا عند السلطان عرضت عليه هذا الحديث، فبادر إلى الرضى بهذه القاعدة معتقدًا أن ملك الإنكتار لا يوافق على ذلك أصلًا، وأن هذا منه هُزْؤٌ ومكر. قال: ثم عدنا إلى الملك العادل وعَرَّفناه بذلك (¬١). ولما كان يوم الأربعاء الثاني من شوال، سار ابن النحّال رسولًا من جانب العادل والسلطان أيضًا إلى ملك الإنكتار، فلما عرف بقدومه أنفذ إليه من قال له: إن الملكة أخت الملك عرض عليها أخوها حديث النكاح، فسخطت من ذلك وغضبت، وأنكرت أن يكون ذلك إنكارًا شديدًا، وحلفت أنه لا يكون أصلًا. ثم قال أخوها: إن كان الملك العادل يتنصّرُ فأنا أتمم ذلك. فعاد الرسول بذلك وأخبر العادل والسلطان به، وتحقق ما قاله السلطان (¬٢). ومنها أن في يوم السبت خامس شوال وصل الخبر من الأصطول الإسلامي أنه استولى على مراكب الإفرنج، وفيها مركب يعرف بالمسطح، قيل: إنه كان فيه خمسمائة نفر وأكثر، وإنه قتل منهم خلق عظيم، واستبقى منهم أربعة أنفس وهم كبار مذكورون، فسُرَّ المسلمون بذلك وضربت البشائر (¬٣). ومنها أن في يوم الأحد سادس شوال جمع السلطان أكابر الأمراء وأرباب الآراء من دولته وشاورهم في أن الإفرنج قد أجمعوا على الخروج، وأنه كيف يصنع في ذلك؟ فاتفقت آراؤهم على الإقامة في منزلتهم بعد تخفيف الأثقال، فإن خرجوا لاقوهم. وفي عشية هذا اليوم استأمن من الإفرنج اثنان فارسان، وأخبرا أنهم على عزم الخروج يوم الثلاثاء، وأنهم زهاء عشرة آلاف فارس، ولكن لا يُعرف قصدهم. ثم جاء أسير مسلم هرب منهم وأخبر أنهم قد أظهروا الخروج إلى الرملة، ثم يتفقون فيها على موضع يقصدونه. ولما تحقق السلطان ذلك [١٣٠] أمر بتجهّز العسكر وشدّ الرايات، وإنه يقف قبالتهم إن خرجوا. وسار يوم الاثنين (¬٤) حتى أتي قِبلي كنيسه الرملة، فخيم هناكوبات ليلته. ولما كانت صبيحة يوم الثلاثاء [الثامن] (¬١) من شوال رتب الأطلاب للقتال، وسلّم اليزك للملك العادل، وتبعه مَنْ يُريد الغزاة، وكان وصل جماعة من الروم يريدون الغزاة فخرجوا في جملة من خرج، فلما وصلوا إلى خيام الإفرنج هجم عليهم المماليك السلطانية (¬٢)، ورموا عليهم النشاب، وقامت الإفرنج وركبوا وصاحوا صيحة الرجل الواحد، وحملوا في جمع كثير، [فنجا] (¬٣) من سبق به جواده، وظفروا بجماعة قتلوا منهم ثلاثة نفر على ما قيل، ونقلوا خيامهم إلى يازور (¬٤)، وأقام السلطان بلقاء منازلهم إلى الصباح (¬٥). ولما كان يوم الجمعة الحادي عشر من شوال، ركب السلطان نحوهم فأشرف عليهم ثم عاد. قال القاضي: ثم استدعاني وجماعة من الأمراء، وأمر الناس بإبعادهم عن الخيمة، فأخرج كتابًا من قبائه وفضّه، ووقف عليه، وبدرت (¬٦) دموعه وغلبة البكاء والنحيب حتى وافقه الآخرون على ذلك، مِنْ غير علم السبب. ثم ذكر أن الملك المظفر قد توفي إلى رحمة الله، وأمر بكتم ذلك عن الناس؛ لئلا يصل الخبر إلى العدو، وكانت وفاته في تاسع عشر رمضان يوم الجمعة على ما نذكره إن شاء الله (¬٧). ومنها أن في يوم السبت الثاني عشر من شوال، وصل من دمشق كتاب من النواب بها، وفي طيِّه كتاب من بغداد من الديوان العزيز النبوى، يتضمن فصولًا ثلاثة: الأول: الإنكار على الملك المظفر في مسيره إلى بكتمر. والثاني: الإنكار على مظفر الدين في مسك حسن بن قفجاق، والأمر بإعادته إلى الكرخاني (¬٨). والثالث: فيه الأمر بإحضارالقاضي الفاضل إليهم (¬١) ليُقال له أشياء. فأجاب السلطان عن الأول بأنا لم نأمره بذلك. وعن الثاني بأن ابن قفجاق لا يخفى ما تصدى له من الفساد في الأرض. وعن الثالث بأنه (¬٢) كثير الأمراض وقوته تضعف عن الحركة (¬٣). ومنها أن في السادس عشر من شوال أمر السلطان لحلقة بالكمين للعدوّ في بطون أودية هناك، واستصحبوا جمعًا من العرب، فلما استقر الكمين في موضعه ظهرت العرب في مناوشتهم، وكان منهم جماعة تخرج للاحتشاش والاحتطاب فنزل عليهم العرب، ووقع الحرب وقام الصياح، فركب جماعة من خيالة الإفرنج وانهزمت العرب بين أيديهم إلى جهة الكمين، فخرج الكمين ووقع الصياح وانهزموا بين أيديهم نحو خيامهم، ثم ركب منهم خلق عظيم فالتحم القتال، وقتل جمع من الطائفتين، وأُسرت جماعة من العدو وأُخذت منهم خيول كثيرة، وانفصل الحرب قبيل الظهر من نهار الأربعاء السادس عشر من شوال. واستشهد في هذه الوقعة أبان المهراني وكان شجاعًا معروفًا، وجاولي غلام الغيدى، وصرع أياز المعظمي، وجرح عدّة جماعة، وقتل من العدو زهاء ستين نفرة، وأسر فارسان معروفان، واستأمن اثنان بخيولهما وعدتهما. ومنها أنه وصل في بقية هذا اليوم رسول من عند ملك الإنكتار إلى الملك العادل يعتب عليه من جهة الكمين، وأنه [١٣١] يطلب الاجتماع به فأذن له (¬٤). ولما كان يوم الجمعة الثامن عشر من شوال، سار الملك العادل ومعه من الأطعمة والتجملات والتحف مما تحمل من ملك إلى ملك، وجاء إليه ملك الإنكتار في خيمته فأكرمه العادل واحترمه، ووصل معه أيضًا من طعامهم الذين يختصون به، فأتحف به الملك العادل على وجه المطايبة، فتناول منه العادل، وتناول هو وأصحابه من طعام العادل، وقدَّم إليه ما كان حمله معه، وتحادثا معظم ذلك النهار، وتفاصلا عن تواد ومطايبة.ومنها أن في يوم السبت التاسع عشر من شوال، حضر صاحب صيدا بين يدي السلطان ومعه جماعة، وأكرمه السلطان إكراما عظيما، وقدم بين يديه طعامًا، ولما رفع الطعام "خلا" (¬١) بهم، وكان من حديثه أن السلطان يصالح المركيس صاحب صور، وقد انضم إليه جماعة من أكابر الإفرنج، وكان من شرط الصلح معه إظهار عداوته للإفرنج البحريّة، وبذل له السلطان موافقة على ذلك. ومنها أن في عشية ذلك اليوم، وصل رسول ملك الإنكتار وهو ابن الهنفرى، وهو من أكابرهم وملوكهم، ومن أولاد ملوكهم، وفي صحبته شيخ كبير ذكروا أن عمره مائة وعشرون سنة، فأحضره السلطان، وكانت رسالته أن الملك يقول: "إني أحب صداقتك ومودّتك، وأنت قد ذكرت أنك أعطيت هذه البلاد الساحلية لأخيك، فأريد أن تكون حكمًا بيني وبينه، وتقسم البلاد بيني وبينه، ولابد أن يكون لنا علقة بالقدس، ومقصودي أن تقسم البلاد بحيث لا يكون عليك لوم من المسلمين، ولا علىَّ لوم من الإفرنج"، فأجابه في الحال بوعد جميل، ثم أذن لهم بالعود في الحال. قال قاضي القضاة بهاء الدين ﵀: ثم التفتَ إلىَّ السلطانُ في المجلس وقال لي: "متى صالحناهم لم نأمن غائلتهم، فإني لو حدث بي حادث الموت لا تكاد تجتمع هذه العساكر، وتقوى الإفرنج، والمصلحة الثبات على الجهاد حتى نخرجهم من الساحل أو يأتينا الموت". هذا كان رأيه وغرضه ﵀ (¬٢). ولما كان يوم الاثنين "الحادي والعشرين (¬٣) " من شوال، جمع السلطان الأمراء الكبار وأرباب المشورة في الدولة، وذكر لهم القاعدة التي التمسها المركيس واستقر الأمر من جانبه عليها، وهي أخذ صيدا، وأن يكون معنا على الفرنج، ويقاتلهم ويجاهرهم بالعداوة، وذكر لهم القاعدة التي التمسها ملك الإنكتار؛ وهي أن يكون له من القرايا الساحلية مواضع معينة، وتكون لنا الجبليات بأسرها، وتكون القرى كلها مناصفة، وعلىهذين القسمين يكون لهما "قُسوس" (¬١) في "بيع (¬٢) " القدس الشريف وكنائسه، وشرح لهم السلطان هاتين القاعدتين، وأخذ رأيهم في ترجيح أحد القسمين وهما من جانب ملك الإنكتار ومن جانب المركيس. فرأى أرباب الرأى أنه إن كان صلح فليكن مع ملك الإنكتار، فإن مصافاة الفرنج للمسلمين بحيث يخالطونهم بعيدة [١٣٢]، وصحبتهم غير مأمونة. وانفض الناس، وبقى الأمر مترددًّا في الصلح، والرسل تتواصل في تقرير قواعد الصلح؛ وهي أن ملك الإنكتار كان قد بذل أخته للملك العادل بطريق التزويج، وأن تكون البلاد الساحلية والفرنجية لهما، أما الفرنجية فلها من جانب الملك، وأما الإسلامية فللملك العادل من جانب السلطان. وكان آخر رسائلهم من الملك أن قال: "إن معاشر دين النصرانية أنكروا علىَّ كون أختي تحت مسلم بدون مشاورة الباب، وهو كبير دين النصرانية ومقدمه، وها أنا أسير إليه رسولا يعود في ستة أشهر، فإن أذن في ذلك فبها ونعمت، وإلا زوجتك ابنة أختي، وما أحتاج في ذلك إلى إذن الباب". هذا كله وسوق الحرب قائم والقتال عمال، وصاحب صيدا يركب مع الملك العادل في الأحيان، ويشرف على الإفرنج وقتال المسلمين لهم، وكلما رآه الإفرنج مع الملك العادل تحركوا للصلح؛ خوفًا من انكسار الشوكة لهم. ولم يزل الحال كذلك إلى يوم الجمعة الخامس والعشرين من شوال، ففي يوم الجمعة أصبح السلطان عازمًا على الرحيل، وسار إلى تل الجزر لارتياد المنزل، فنزلت الناس كلهم مع السلطان، ولما عرف الإفرنج بعود السلطان رحلوا عائدين، وأقام السلطان بتل الجزر، ثم وصل إلى جهة القدس الشريف، ورحل الإفرنج إلى بلادهم. واشتد الشتاء وعظمت الأمطار، وأعطى السلطان دستورًا للعسكر، وأقام بالقدس في هذا الشتاء أجمع، ونزل السلطان في دار القساقس قريبًا من القمامة، وكان نزوله في ذي القعدة من هذه السنة، وشرع في تحصينه وتعميق خنادقه، وعمل فيه بنفسه وأولاده وأمرائه، وعمل القضاة والعلماء والصوفية بأنفسهم، وكان وقتًا مشهودًا، واليزك حول البلد من ناحية الإفرنج، وفي كل وقت يستظهرون على الإفرنج ويقتلون منهم ويأسرون ويغنمون. وانقضت السنة والأمر على ذلك، وأرصد ملك الإنكتار في يافا عساكر، ثم عاد إلى عكا لينظر في أحوالها وأقام مدة.