بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 489, entry [201]3,756 chars
ذكر قوة زحفهم على البلد لعنهم الله ولم يزالوا يُوالون على الأسوار بالمنجنيقات المتواصلة الضرب، بتثقيل أحجارها حتى خلخلوا أسوار البلد وأضعفوا بنيانها، وأنهك التعب والسهر أهل البلد لقلة عددهم، وكثرة الأعمال عليهم، حتى إن جماعة منهم [بقوا] (¬٢) ليالى عدة لا ينامون أصلاً، لا ليلاً ولا نهاراً، والخلق الذ…
▸ expand full passage (3,756 chars)ذكر قوة زحفهم على البلد لعنهم الله ولم يزالوا يُوالون على الأسوار بالمنجنيقات المتواصلة الضرب، بتثقيل أحجارها حتى خلخلوا أسوار البلد وأضعفوا بنيانها، وأنهك التعب والسهر أهل البلد لقلة عددهم، وكثرة الأعمال عليهم، حتى إن جماعة منهم [بقوا] (¬٢) ليالى عدة لا ينامون أصلاً، لا ليلاً ولا نهاراً، والخلق الذين عليهم عدد كثير يتناوبون على القتال. ولما أحسوا بضعف المسلمين، شرعوا في الزحف من كل جانب، وانقسموا أقساماً، وتناوبوا فرقاً، كلما تعبت طائفة استراحت وقام غيرهم مقامهم، وشرعوا في ذلك شروعاً عظيماً براجلهم وفارسهم، وذلك في اليوم السابع من جمادى الآخرة من هذه السنة، هذا مع عمارتهم أسوارهم الدائرة على خنادقهم بالرجالة والمقاتلة ليلاً ونهاراً. فلما علم السلطان بذلك، ركب، وركب العسكر بأسرهم، وجمع الراجل والفارس، ووعدهم، ورغبهم، وزحف على خنادق القوم حتى دخل فيها العسكر عليهم، وجرى في ذلك اليوم قتال عظيم من الجانبين، والسلطان ﵀ كالوالدة الثكلى، [يتحرك] (¬٣) بفرسه من طُلْب إلى طُلْب، ويحثُّ الناس على الجهاد. والملك العادل ﵀ حمل بنفسه في ذلك اليوم مرتين، والسلطان يطوف بين الأطلاب، وينادى بنفسه: يا آل الإسلام، وعيناه تذرفان بالدمع، وكلما نظر إلى عكا، وما حلَّ بها من البلاء، وما يجرى على ساكنيها من المصاب العظيم، اشتدَّ في الزحف، والحث على القتال، ولم يطعم في ذلك اليوم طعاماً ألبتة، وإنما شرب بعض شروب كان يشير بها الطبيب.وقال قاضى [١١٤] القضاة بهاء الدين ﵀: وتأخرتُ عن حضور هذا الزحف لما عرانى مرض مشوَّش لمزاجى، وكنت في الخيمة المضروبة في تل الغياضية وأنا أشاهد الجميع، ولما هجم الليل عاد السلطان إلى الخيمة بعد عشاء الآخرة، وقد أخذ منه التعب والحزن، فنام لا عن غفو، ولما كان وقت السحر أمر بدق الكوسات فركب وركبت العساكر من كل جانب، وأصبحوا على ما أمسوا عليه. وفي هذا اليوم وصلت مطالعة من البلد يقولون فيها: "إنا قد بلغ بنا العجز إلى غاية فما بعدها إلا التسليم، ونحن في الغد - يعنى يوم الأربعاء الثامن من جمادى الآخرة - إن لم تعملوا معنا شيئاً نطلب الأمان ونسلم البلد، ونشترى مجرد رقابنا". وكان هذا أعظم خبر ورد على المسلمين وأنكاه في قلوبهم، فإن عكا كانت قد احتوت على جميع سلاح الساحل والقدس ودمشق وحلب ومصر وجميع البلاد الإسلامية، واحتوت على كبار من أمراء الإسلام وشجعانهم، كسيف الدين المشطوب، وبهاء الدين قراقوش، وغيرهما. وكان قراقوش [ملزماً] بحراستها (¬١) منذ نزل العدوّ المخذول عليها، وحصل للسلطان من ذلك أمر عظيم، وخيف على مزاجه التشوش، وهو لا يقطع ذكر الله والرجوع إليه في جميع ذلك، وهو صابر محتسب ملازم مجتهد. ثم صاح في العسكر منادى في جهته، فركبت الأطلاب واجتمع الراجل والفارس، واشتد الزحف في ذلك اليوم، ولم يساعده العسكر في ذلك اليوم على الهجوم عليهم، فإن الرجالة من الإفرنج وقفوا كالسور المحكم البناء بالسلاح والزنبورك (¬٢)، والنشاب من وراء أسوارهم، وهجم عليهم بعضهم من بعض الأطراف، فثبت المسلمون وذبّوا غاية الذب. ولم يزل الحرب يعمل بينهم بقتل وجرح حتى حجز الليل بين الطائفتين (¬٣). ومن الغرائب أن امرأة منهم واقفة داخل سورهم عليها ملوطة (¬٤) خضراء، ولم تزل ترمى المسلمين بقوس من خشب حتى خرجت جماعة منهم، فتكاثرت عليهاالمسلمون الذين دخلوا أسوارهم، فقتلوها وأخذوا قوسها، وحملوه إلى السلطان، فتعجب من ذلك عجباً عظيماً (¬١). وكذلك كان هناك إفرنجى راجل صعد سور خندقهم، وإلى جانبه جماعة يناولونه الحجارة، وهو يرميها على المسلمين الذين يلاصقون سور خندقهم، ولقد حكى من كان من الداخلين سورهم، أنه وقع فيه زهاء خمسين سهماً وحجراً، وهو يتلقاها، ولا يمنعه ذلك عما هو بصدده من الذبِّ والقتال، حتى ضربه مسلم تراق بقارورة نفط فأحرقه (¬٢) ". ولما اشتد زحفهم على البلد، وتكاثروا عليه من كل جانب، وقلت رجال البلد، ضعفت نفوسهم لما رأوا الهلاك حقيقة، واستشعروا الضعف والخذلان، وتمكن العدوّ من الخنادق فملأوها، وتمكنوا من سور البلد الباشورة، فنقبوا وأشعلوا فيه النار، ووقعت بَدَنَة (¬٣) من الباشورة، ودخلوا فيها وقتل منهم فيها زهاء مائة وخمسين نفساً؛ وكان منهم ستة أنفس من كبارهم، فقال لهم واحد منهم: "لا تقتلونى [١١٥] حتى أُرحِّل الفرنج عنكم بالكلية"، فبادر رجل من الأكراد فقتله، وقتل الخمسة الباقية. وفى غد ذلك اليوم نادى الفرنج: "احفظوا هؤلاء الستة فإنا نُطلقكم كلُّكم بهم" فقالوا: "قد قتلناهم"، فحزنوا لذلك حزناً عظيماً، وبطلوا عن الزحف بعد ذلك ثلاثة أيام.