بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 482, entry [195]2,198 chars
ذكر كيفية أخذ العدو مدينة عكا من يد السلطان قسراً لما كان صبيحة يوم الثلاثاء التاسع من جمادى الأولى، بلغ السلطان أن الإفرنج قد ضايقوا البلد، وركَّبوا عليه المناجيق، فأمر الجاووش أن يصيح بالناس، وركب وركب لركوبه العسكر فارسهم وراجلهم، وسار حتى أتى الخروبة. وقوى اليزك بتسيير جماعة من العسكر إليهم، فلم…
▸ expand full passage (2,198 chars)ذكر كيفية أخذ العدو مدينة عكا من يد السلطان قسراً لما كان صبيحة يوم الثلاثاء التاسع من جمادى الأولى، بلغ السلطان أن الإفرنج قد ضايقوا البلد، وركَّبوا عليه المناجيق، فأمر الجاووش أن يصيح بالناس، وركب وركب لركوبه العسكر فارسهم وراجلهم، وسار حتى أتى الخروبة. وقوى اليزك بتسيير جماعة من العسكر إليهم، فلم يخرج العدوّ، واشتد زحفهم على البلد، فضايقهم السلطان مضايقة عظيمة حتى قاتلهم قتالاً شديدًا. وهجم عليهم في خنادقهم، ولم يزل كذلك حتى عادوا عن الزحف ظهيرة نهار [١٠٩] الثلاثاء المذكور. وعاد السلطان إلى خيمة لطيفة ضربت له هناك يستظل بها من الشمس، فنزل لصلاة الظهر والاستراحة ساعة، وقوّىَ اليزك، وأمر الناس بالعود إلى المخيم لأخذ شيء من الراحة. فبينما هو كذلك إذ وصل من اليزك من أخبر أن القوم قد عادوا إلى الزحف، لما أحسوا بانصراف السلطان عنهم، أشد ما كانوا أولاً، فأمر العسكر بالعود إلى جهة العدو أطلابا أطلابا. وبات هو ﵀ وجميع العسكر على تعبئة القتال.ثم سار العسكر في أواخر ليلة الأربعاء عاشر جمادى الأولى، إلى تل العياضية قبالة العدوّ، وضربت له خيمة لطيفة، وأمر الناس أن ينزلوا على التل حوله على العادة في منازلهم العام الماضى، لكن جرائد، مع بقاء الثقل على الخروبة، ونازل العدوّ في ذلك اليوم مُجمعين على القتال الشديد على البلد من جميع جوانبه، والسلطان يدور بين الأطلاب ويحثهم على الجهاد ويرغبهم فيه. ولما رأى العدوّ تلك المنازلة خافوا من الهجوم على خيمهم، فتراجعوا عن الزحف، واشتغلوا بحفظ الخنادق، وحراسة الخيام. ولما رأى السلطان فتورهم عن الزحف، عاد إلى خيمته في تل العياضية، ورتب على خنادقهم من يخبر بحالهم ساعة فساعة. ثم أنهم بالغوا في مضايقة البلد، ومبالغتهم في طم خندقه بالأتربة وغير ذلك، حتى بموتى دوابهم، ونصبوا المجانيق والدبابات والسلالم، وجُلَّ همتهم في طم خندق البلد، ألقوا فيه كل شيء حتى آل أمرهم أنهم كانوا يلقون فيه موتاهم، وكان إذا جرح منهم واحد جراحة مثخنة مؤيسة ألقوه فيه. وأما أهل البلد فإنهم انقسموا أقساماً؛ قسم ينزلون إلى الخندق ويقطِّعون الموتى والدواب التى يلقونها فيه [قطعاً، ليسهل نقلها] (¬١)، وقسم ينقلون ما يقطعون إلى البحر ويلقونه فيه، وقسم يَذُبُّون عنهم ويدافعون حتى يتمكنوا من ذلك، وقسم في المنجنيقات وحراسة الأسوار، ومع هذا يداخلهم التعب والنصب، وتكاثرت شكايتهم من ذلك، وقد ابتلوا ببلية لم يبل بمثلها أحد. هذا والسلطان ﵀ لا يقطع الزحف عنهم، والمضايقة على خنادقهم بنفسه وخواصه وأولاده ليلاً ونهاراً، فحصلت هذه الأمور الشديدة ليلاً ونهاراً إلى أن وصل ملك الإنكتار (¬٢).