بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]
full-text— · 5 entries
- full passagepage 460, entry [185]15,272 chars
ذكر بقية الحوادث في هذه السنة منها أن في يوم الخميس السادس عشر من رمضان من هذه السنة، وصل كتاب على جناح طير من حماة، وكان قد جاء إليها من حلب، يذكر فيه أن الإبرنُس -صاحب أنطاكية- خرج بعسكره نحو القرى الإسلامية، لشن الغارة عليها، فبصرت به العساكر ونواب الملك الظاهر غازي -ولد السلطان- فكمنت الكمناء، و…
▸ expand full passage (15,272 chars)ذكر بقية الحوادث في هذه السنة منها أن في يوم الخميس السادس عشر من رمضان من هذه السنة، وصل كتاب على جناح طير من حماة، وكان قد جاء إليها من حلب، يذكر فيه أن الإبرنُس -صاحب أنطاكية- خرج بعسكره نحو القرى الإسلامية، لشن الغارة عليها، فبصرت به العساكر ونواب الملك الظاهر غازي -ولد السلطان- فكمنت الكمناء، وخرجوا عليهم، فلم يشعر الإبرنس بهم إلا والسيف قد وقع، فقُتل من عسكره خمسة وسبعون نفرًا، وأُسر خلق كثير، واستعصم هو بنفسه في موضع يسمى شيحا، حتى اندفعوا وساروا إلى بلدهم (¬٣).ومنها أن في أثناء العشر الأخير (¬١) من رمضان، ألقت الريح بطستين فيهما رجال وصبيان ونساء وميرة عظيمة وغنم كثيرة، وكانوا قاصدين نحو العدو، فغنمها المسلمون، وكانوا قد ظفروا ببركوس (¬٢) للمسلمين، فيه نفقة ورجال، أرادوا الدخول إلى البلد، فأخذوه، فوقع الظفر بهاتين [البطستين] (¬٣) جبرًا عن ذلك. ومنها أنه قوي عزم الإفرنج على الخروج إلى جهة المسلمين، وتغيّر مزاج السلطان بحمي صفراوية، فاقتضى الحال أن انتقلوا في عشية الاثنين تاسع رمضان من هذه السنة فنزلوا على أعلى جبل شفرعم (¬٤) و رؤوس التلال، للاستعداد للشتاء، والراحة والاستراحة عن الرحل. وفي ذلك الزمان مرض زين الدين يوسف بن زين الدين -صاحب إربل- مرضا شديدا بحُمتين مختلفتين (¬٥)، وأستأذن في الرواح، فلم يؤذن [٩٥] له، ثم استأذن في الانتقال إلى الناصرة فأذن له في ذلك، وأقام بالناصرة أيامًا وهو مريض، فاشتد به الأمر إلى ليلة الثلاثاء الثامن والعشرين (¬٦) من رمضان من هذه السنة، ثم توفي إلى -رحمة الله- وعنده أخوه مظفر الدين، وحزن الناس عليه لشبابه وغربته. وأنعم السلطان على أخيه مظفر الدين ببلدة إربل، واستنزله على بلاده التي كانت في يده، وهي حران والرها وما يتبعهما من البلاد والأعمال، وضم إليه شهرزور أيضا، واستدعى الملك المظفر تقي الدين عمر ابن أخيه شاهنشاه ليكون نازلا مكانه، وأقام مظفر الدين كوكبوري بن زين الدين على بالمعسكر المنصور إلى قدوم تقي الدين، وقدم ضاحي النهار الثالث من شوال من هذه السنة، وفي صحبته مُعزّ الدين سنجرشاه بن سيف الدين غازي بن مودودابن زنكي صاحب الجزيرة (¬١) إذ ذاك. ثم تكرر سؤال معز الدين هذا في طلب الدستور، والسلطان يعتذر إليه بأن رسل العدو متكررة في معنى الصلح، فلا يجوز أن تنقض العساكر حتى يتبين على ماذا ينفصل الحال من سلم أو حرب، وهو لا يألو جهدا في طلب الدستور إلى أن كان يوم عيد الفطر من هذه السنة، وحضر سحرة ذاك اليوم في باب خيمة السلطان، فاستأذن في الدخول، فلم يؤذن له، وكرر الاستئذان، فأذن له، فدخل، واستأذن في الرواح شفاها، فذكر له السلطان وجوها تمنع من الرواح، فانكب على يده وقبلها كالمودع له ونهض من ساعته وسار، وأمر أصحابه أن أكفئوا القدور وفيها الطعام، وأقلعوا الخيام، وتبعوه على ذلك، فلما بلغ السلطان ذلك، كتب إليه: إنك قد قصدت الانتماء إلىَّ ابتداءً، وراجعتني في ذلك مرارًا، وأظهرت الخيفة على نفسك وبلدك من أهلك، فقبلتك وآويتك ونصرتك، فبسطت يدك في أموال الناس ودمائهم وأعراضهم، فنفذت إليك ونهيتك عن ذلك مرارا، فلم تنته، فاتفق وقوع هذه الواقعة للإسلام، فدعوناك، فأتيت بعسكر قد عرفته وعرفه الناس، وأقمت هذه المدة وقلقت هذا القلق، وانصرفت عن غير طيب نفس، وغير فصل حال مع العدو، فانظر لنفسك وانظر (¬٢) - من تنتمي إليه غيرى، احفظ نفسك ممن يقصدك فما بقى لي إلى جانبك التفات وسَلَّم الكتاب إلى نجاب، فلحقه قريبًا من طبرية، فقرأ الكتاب ولم يلتفت إليه، وسار على وجهه. وكان الملك المظفر تقي الدين قد استدعي إلى الغزاة -كما ذكرنا الآن- فلقيه في عقبة فيق، وهو مُحِثُّ وليست عليه أمارات حسنة، وسأله عن حاله، ففهم من كلامه أنه سار والسلطان غير راض عليه، فقال له: "المصلحة أن ترجع (¬٣) [٩٦] إلى الخدمة وتلازمها إلى أن يأذن لك السلطان، فأنت صبيّ لا تعلم عائلة هذا الأمر، فلم يلتفت إليه، وأصر على الرواح، فخشن عليه الملك المظفر وقال: "ترجع من غير اختيار". وكان تقي الدين شديد البأس، مقداما على الأمور، فلما علم معز الدين أنه قابضه إن لم يرجعباختياره، رجع معه حتى أتى العسكر، وخرج الملك العادل إلى لقاء الملك المظفر، فدخلا على السلطان، وسألاه الصفح عنه، فعفى عنه، وطلب أن يقيم في جوار تقي الدين، خشية على نفسه، فأذن له في ذلك وأقام في جواره إلى حين ذهابه. وكذلك عماد الدين صاحب سنجار كان قد أصر على الرحيل، ودخل على السلطان فقبل يده، وسار من ساعته، فكتب السلطان وراءه كتابا وكتب بيده في ظهره: "من ضاع مثلي من يديـ … ــــــــــــه فليت شعري ما استفادا" فوقف عماد الدين عليه، وانقطعت مراجعته بالكلية. ومنها أنه تواصلت الأخبار بضعف العدو المخذول، ووقع الغلاء في بلادهم وعسكرهم، حتى أن الغرارة من القمح بلغت في أنطاكية ستة وتسعين دينارا صورية، ولا يزيدهم ذلك إلا صبرا وإصرارا وعنادا. ومنها أنهم لما ضاق بهم الأمر وعظم الغلاء، خرج منهم خلق عظيم مستأمنين من شدة الجوع (¬١)، وقد ذكرنا أن السلطان كان قد عرض له مرض فطمعوا بذلك، وظنوا أنه لا يستطيع النهوض، فخرجوا يوم الاثنين الحادي عشر من شوال من هذه السنة، بخيلهم ورجلهم متحملين أزوادًا وخيما، وكان خروجهم إلى الآبار التي استحدثها المسلمون تحت تل العجول (¬٢) لما كانوا نازلين عليه، فأخذوا معهم عليق أربعة أيام، فأخبر السلطان بخروجهم على هذا الوجه، فأمر اليزك أن ينزاحوا من بين أيديهم إلى تل كيسان، وكان اليزك على تل العياضية، وكان نزول العدو على الآبار بعد صلاة العصر من اليوم المذكور، وباتوا تلك الليلة واليزك حولهم جميع الليل، فلما طلع الصبح جاء من أخبره السلطان ﵀ بأنهم قد تحركوا للركوب، وكان ﵀ قد أمر الثقل في أول الليل أن يسيروا إلى الناصرة والقيمون (¬٣)، فرحل الثقل وبقى الناس، وأمر العساكر أن يركبوا ميمنة وميسرة وقلبا تعبئة للقتال، وركب السلطان وصاح الجاووش بالناس، فركبواوساروا حتى وقف بتل من جبال الخروبة، وابتدأت الميمنة بالمسير فساروا حتى بلغ آخرها الجبل، وسارت الميسرة حتى بلغ آخرها إلى النهر وقرب البحر (¬١). وكان في الميمنة ولده الملك الأفضل صاحب دمشق، وولده الملك الظاهر غازي صاحب حلب، وولده الملك الظافر صاحب بصري، وولد عز الدين صاحب الموصل، علاء الدين خرم شاه، ثم الملك العادل أخوه في طرفها، ويليه قريب منه حسام الدين بن لاچين، والطواشي قايماز النجمي، وعز الدين جُرديك النوري [٩٧]، وحسام الدين بشارة صاحب "بانياس" (¬٢)، وبدر الدين دُلْدَروم -صاحب تل باشر- اليارُوقي، وجمع كثير من الأمراء، وكان في الميسرة عماد الدين زنكي صاحب سنجار، وابن أخيه مُعز الدين صاحب الجزيرة، وفي طرفها الملك المظفر تقي الدين ابن أخيه، وسيف الدين على بن المشطوب وجميع المهرانية، والهكارية، وخُشْتَرين وغيرهم من الأمراء الأكراد، وفي القلب الحلقة السلطانية. وأمر السلطان أن يخرج من كل عسكر جمع من الجاليش، ليدوروا حول العدو واليزك معهم، وأخفى بعض الأطلاب وراء التلال عساهم يجدون غرة من العدو، ولم يزل عدو الله يسير والناس يقاتلونهم من جميع جوانبهم. ولم يزالوا سائرين حتى نزلوا على تل هناك، وضربوا خيامهم ممتدة منه إلى النهر، وجرح منهم في ذلك اليوم خلق عظيم، وقتل أيضا خلق، وكانوا إذا جرح واحد منهم حملوه، وإذا قتل واحد منهم دفنوه وهم سائرون، حتى لا يظهر قتيل ولا جريح. وكان نزولهم يوم الثلاثاء بعد الظهر، وتراجعت العساكر عنهم إلى مواطن المصابرة ومواقف الحراسة، وتقدم السلطان إلى الميسرة أن تستدير بهم بحيث يقع آخرهم على البحر، والميمنة تستدير بالنهر من الجانب الشرقي، والجاليش يقاتلونهم ويرمونهم بالنشاب، بحيث لا ينقطع النشاب عنهم أصلا. وبات الناس تلك الليلة على هذا المثال. وسار السلطان إلى رأس جبل الخروبة الذي كان نازلا عليها في العام الماضي، فنزل في خيمة لطيفة والناس حوله في خيم لطاف بمرأى [من] (¬٣) العدو، وأخبارهم تتواصل إليه في كل ساعة إلى الصبح.ولما كان الصبح يوم الأربعاء وصل من خَبَّرهم أنهم تحركوا للركوب عند الصبح، فركب السلطان وذلك في صبيحة يوم الأربعاء الثالث عشر من شوال، ورتب الأطلاب وسار حتى أتي أقرب جبال الخروبة إليهم، بحيث يشاهد جميع أحوالهم، وكان السلطان ﵀ ملتاث (¬١) المزاج، ضعيف القوة، قوى القلب. ثم بعث إلى العساكر وأمرهم بالمقاتلة والمضايقة والحملة عليهم من كل جانب، وأمر الأطلاب أن تحتاط بهم بحيث أن لا تكون قريبة ولا بعيدة، ليكونوا ردًا للمقاتلة إلى أن تضاحي النهار. وسار العدو على شاطئ النهر من الجانب الغربي يطلبون جهة خيمهم، والقتال يشتد عليهم من كل جانب، فاشتدوا في قتالهم من سائر الجوانب إلا من جانب النهر، والتحم القتال، فصرع منهم خلق عظيم، وهو يدفنون قتلاهم ويحملون جرحاهم، وقد جعلوا راجلهم سورًا لهم، فضرب الناس بالزنبورك (¬٢) والنشاب حتى لا يتركون أحدا يصل إليهم، وخيالتهم [٩٨] يسيرون في وسطهم، بحيث لم يظهر منهم أحد في ذلك اليوم أصلا، والكوسات تخفق، والبوقات تنعر، والأصوات بالتهليل والتكبير [ترتفع] (¬٣)، هذا والسلطان يمد الجاليش بالأطلاب والعساكر التي عنده، حتى لم يبق معه إلا نفر يسير، وَعَلَمُ الفرنج مرتفع على عجلة هو مغروس فيها، وهي تسحب بالبغال، وهم يَذبون عن العَلَمِ، وهو عال جدًا كالمنارة، خرقته بياض مُلمّع بحمرة على شكل الصلبان، ولم يزالوا سائرين على هذا الوجه حتى وصلوا وقت الظهيرة إلى قبالة جسر دَعّوق، وقد ألجمهم العطش، وأخذ منهم التعب وأثخنتهم الجراح، واشتد بهم الأمر. ولقد قاتل المسلمون في ذلك اليوم قتالا شديدا، وأعطوا الجهاد حقه، وهجموا عليهم هجوما عظيما، واستداروا بهم كالحلقة، وهم لا يظهرون من رجالتهم، ولا يحملون، وجُرح في ذلك اليوم جماعة منهم إيَاز الطويل، ﵀، وجرح جراحات متعددة، وهو من فرسان الإسلام وشجعانه، ولم يزل الناس حولهم في ذلك اليوم حتى نزلوا ظهيرة ذلك النهار عند جسر دَعوق، وقطعوا الجسر وأخربوه، خوفا من عبور الناس إليهم، ورجع السلطان إلى تل الخروبة، وأقام عليهم يزكًا يحرسهم، وبات وأخبارهم تتواتر عليه حتى الصباح، وعزم فيتلك الليلة على كبس بقيتهم في الخيم، وكتب إلى البلد -أعني عكا- يعرّفهم بذلك حتى يخرجوا هم من جانب، وعسكر السلطان من جانب، فلم يصل من أهل البلد كتاب، فرجع عن ذلك العزم بسبب تأخير الكتاب. ولما كان صباح الخميس رابع عشر شهر شوال، وصل من أخبر أن العدو في الحركة للرحيل، فركب السلطان وطلّب الأطلاب، وكفّ الناس عن القتال خشية أن يغتالوا، وأوقف الأطلاب في الجانب الشرقي من النهر يسيرون قبالة العدو. وكان ممن جرح من مُقَدّميهم في هذه السرية الكُنْدُهْرِي، والمركيس، وتخلّف ابنُ ملكِ الألمان في الخيم مع جمع كثير منهم، ولما دخل العدو إلى خيمهم كان لهم بها أطلاب مستريحة، فخرجت على اليزك الإسلامي وحملت عليهم، وانتشب القتال بين اليزك وبينهم، وجرى فيه قتال عظيم قتل فيه من العدو وجُرح خلق عظيم، وقتل من المسلمين ثلاثة نفر، وقتل منهم شخص كبير فيهم مقدّم عندهم، وكان على حصان عظيم ملبس بالزرد إلى حافره، وكان عليه لُبْس لم يُر مثله، وطلبوه من السلطان بعد انفصال الحرب فدفع إليهم جثته، وطلب رأسه فلم يُوجد. وعاد السلطان إلى مخيّمة، وأعيد الثقل إلى مكانه، وعاد كل قوم إلى منزلتهم. ولما كان [٩٩] يوم الجمعة الثاني والعشرين من شوال من هذه السنة، رأى السلطان أن يضع للعدو كمينا، فأخرج جمعا من كماة العسكر وشجعانهم وأبطالهم، وأمرهم أن يسيروا في الليل ويكمنوا في سفح تل شمالي عكا بعيدًا من عسكر العدو، وأمرهم أن يظهر منهم نفر يسير، ويقصدونهم في خيمهم حتى إذا خرجوا انهزموا بين يديهم نحو الكمين، ففعلوا ذلك، وساروا حتى أتوا التل المذكور ليلا، فكمنوا تحته، ولما علا نهار السبت الثالث والعشرين من شوال، خرج منهم نفر يسير على خيل جياد، وساروا حتى أتوا مخيّم العدو ورموهم بالنشاب، فانتحى منهم مقدار مائتي فارس، وخرجوا إليهم شاكين في السلاح على خيل جياد، بعُدّة تامة وليس معهم راجل واحد، وداخلهم الطمع فيهم لقلتهم فانهزموا بين أيديهم، وهم يقاتلونهم حتى أتوا موضع الكمين، فخرج عليهم أبطال الموحدين، وصاحوا فيهم صيحة رجل واحد، وهجموا عليهم هجوم الأُسْد على فريستها، فثبتوا وصبروا وقاتلوا قتالا شديدا، ثم ولوا منهزمين، فمكّن اللهالمسلمين منهم، ووقعوا فيهم ضربًا بالسيف حتى هلك منهم جمع عظيم، واستسلم الباقون للأسر فأسروهم، وأخذوا خيلهم وعُدَدهم. وجاء البشير إلى السلطان، فارتفعت الأصوات بالتهليل والتكبير، وركب [السلطان] (¬١) لملاقاتهم. قال قاضي القضاة بهاء الدين (¬٢): وكنت في خدمته حتى أتي تل كيسان، واعتبر الأسارى، وكان فيهم مقدم عسكر الإفرنسيس، وخازن الملك أيضا، ثم نزل السلطان في مخيمة فرحا مسرورا، وأمر مناديا فنادى: "ألا من كان عنده أسير فليحضر به"، فأحضر الناس أسراهم، وأكرم المقدمين منهم، وأليس مقدم عسكر الإفرنسيس فروة خاصًا، وأمر لكل واحد من الباقين بفروة خرجية، فإن البرد كان شديدًا وكانوا عرايا موتي من البرد، وأحضر لهم طعاما فأكلوه، وأمر لهم بخيمة نصبت قريبا من خيمته، وكان يكارمهم في كل وقت ويحضر المقدم على الخوان في بعض الأوقات، ثم أمر بتقييدهم وحملهم إلى دمشق، وأذن لهم أن يُراسلوا أصحابهم، وأن يُحضروا لهم من عسكرهم ما يحتاجون إليه من الثياب وغيرها، ففعلوا ذلك وساروا إلى دمشق وحُبسوا هناك. ومنها أن في اليوم السابع من ذي الحجة من هذه السنة سقطت قطعة من سور عكا، وهي قطعة عظيمة. وفي النوادر (¬٣): كان ذلك ليلة السبت السابع من ذي الحجة، فوقعت بثقلها على الباشورة (¬٤) فهدمت أيضا منها قطعة عظيمة، فداخل العدو الطمع، وجاؤا إلى البلد كقطعة الليل المدلهم من كل جانب، فقام أهل البلد [١٠٠] بهمم عالية فقتلوا منهم جماعة، وجرحوا خلقا عظيما حتى آيسوا من أن ينالوا شيئا من البلد، ووقف المسلمون في موضع القطع كالسَّد، وجمعوا جميع مَنْ في البلد من البنائين والصناع، ووضعوهم في ذلك المكان وحموهم بالنشاب والجُروخ (¬٥) والمناجيق، فما مرت إلا ليال يسيرة حتى فرغوا من بنائها بأحسن مما كان.ومنها أنه وقع وباء عظيم في الجيشين، المسلمين والكافرين، وكان السلطان يقول في ذلك: اقتلوني ومالكا … واقتلوا مالكا معي ومنها أن في شهر ذي الحجة قدم القاضي الفاضل من الديار المصرية على السلطان، وكان قد طال شوق كل منهما إلى صاحبه، فأفضى كل واحد منهما إلى الآخر ما كان يُسره ويكتمه من الآراء التي فيها مصالح المسلمين. وقدم وزير الصدق على السلطان الموفق قدس الله روحهما. ومنها أن في يوم الاثنين الثاني والعشرين من ذي الحجة عاد المستأمنون من الفرنج الذين أنهضهم السلطان في براكيس، ليغزوا في البحر ويكونوا أيضا جواسيس للمسلمين، فرجعوا وقد غنموا، وذكروا أنهم وقعوا بحراقة كبيرة ومعها براكيس وفيها تجار معهم أموال لا تحصى، فأسروا التجار وأخذوا الأموال وجذبوها إلى الساحل، فأنعم السلطان عليهم بهذه الأكساب، فلما رأوا ذلك من السلطان أسلم أكثرهم، وكانوا قد أحضروا برسم الهدية مائدة فضة عظيمة، وعليها مكية بقيمة غالية، ومعها طبق يماثلها في الوزن، وكل فضتها قاربت قنطارا، فقال السلطان: خذوها فأنتم بها أولى (¬١). وقال صاحب النوادر: وكان قد استأمن من الفرنج خلق عظيم أخرجهم الجوع إلينا، وقالوا للسلطان: "نحن نخوض البحر في براكيس، ونكسب من العدو، فيكون المكسب بيننا وبين المسلمين" فأذن لهم في ذلك، وأعطاهم برا كيس، فساروا، ثم ذكر البقية مثل ما ذكرنا. قلت: البراكيس جمع بركُوس، وهو المركب الصغير (¬٢). ومنها أن في الرابع والعشرين من ذي الحجة أخذ من الفرنج بَركُوسان فيهما نيف وخمسون نفرا. وفي الخامس والعشرين منه أخذ أيضا بركوس، وأخذ فيها من الفرنج مقدمون ورؤوس وهم نيف وعشرون، منهم أربعة خيالة، ومعهم ملوطة مكللة باللؤلؤ بأزرار من الجواهر قيل أنها من ثياب ملك الألمان، وأسر فيها رجل كبير قيل أنه [ابن اخته] (¬٣) وهو كبير الشأن.ومنها أنه لما هجم الشتاء، وهاج البحر، آمنت أهل عكا من أن يبالغ في الحصار، وذلك من شدة الأمطار وتواترها، فعند ذلك أذن السلطان ﵀ للعساكر الإسلامية في العود إلى بلادهم، ليستريحوا ويُريحوا خيولهم إلى وقت العمل، فكان أول من سار عماد الدين صاحب سنجار، لما كان عنده من القلق في طلب الدستور، وكان مسيره يوم الاثنين الخامس عشر من شوال، وسار عقيبه في ذلك اليوم ابن أخيه سنجر شاه [١٠١] صاحب الجزيرة، وذلك بعد أن أفيض عليهما من التشريف والأنعام والتحف بما لم ينعم بها على غيرهما. وسار علاء الدين ابن صاحب الموصل في مستهل ذي القعدة من هذه السنة (¬١) مشرّفا مكرما، معه التحف والطرائف. وتأخر من العساكر الملك المظفر تقي الدين إلى أن دخلت سنة سبع وثمانين، وتأخر أيضا ولد السلطان الملك الظاهر غازي صاحب حلب، إلى أن سار إلى حلب ضاحي نهار الأربعاء تاسع المحرم في السنة الآتية، وسار الملك المظفر في ثالث صفر من السنة الآتية، وهي سنة سبع وثمانين. ثم اشتغل السلطان بإدخال البدل في البلد (¬٢)، وأخرج من كان بها من الأمراء الذين طال شكواهم إلى السلطان من طول الحصار، وملازمة القتال ليلا ونهارا، وأمر السلطان بإدخال المير والذخائر والنفقات والعدد إليها، وكان المقدم بها يومئذ الأمير حسام الدين أبو الهيجاء، فخرج هو وأصحابه ومن كان بها من الأمراء، وكان مقدم الداخلين من الأمراء الأمير سيف الدين على [بن] (¬٣) المشطوب، وكان دخولهم في يوم الأربعاء السادس عشر من المحرم من السنة الآتية، وأخذ كل أمير معه ميرة سنة كاملة. وانتقل الملك العادل بعسكره إلى حَيْفا على شاطئ النهر، وهو الموضع الذي تحمل منه المراكب وتدخل إلى البلد وإذا خرجت تخرج إليه، فأقام ثمة يحث الناس على الدخول ويحرس المير والذخائر، لئلا يتطرق إليها من العدو من يتعرض لها، وكان مما دخل إليها سبع بُطس مملوءة ميرةً وذخائر ونفقات، كانت وصلت من مصر، وكان السلطان قد عبأها في مدة مديدة، وكان دخولها يوم الاثنين الثاني من ذي الحجة من هذه السنة أعني ست وثمانين.ولما علم العدو بذلك وهم المقاتلون من جانب البحر، اجتمعوا في خلق عظيم، وزحفوا على البلد من جانب البر زحفةً عظيمةً، وقاربوا الأسوار، وصعدوا في سلم واحد، فاندق بهم السلم، فتداركهم أهل البلد، فقتلوا منهم خلقا عظيما، وعادت بقيتهم خائبين خاسرين. وأما البطس فإن البحر هاج هيجا عظيما، فضرب بعضها ببعض على الصخر، فهلكت وهلك جميع ما كان فيها، وهلك فيها خلق كثير، قيل: كانت عدتهم ستين نفرا، وكانت فيها ميرة عظيمة لو سلمت لكانت كفت البلد سنة كاملة، ودخل على المسلمين بذلك وهن عظيم، وخزى السلطان خزيًا شديدا، وكان ذلك أول علامة أخذ البلد والظفر به.
- full passagepage 517, entry [212]1,207 chars
ذكر بقية الحوادث في هذه السنة منها أنه استقر الحال مع الملك المظفر تقي الدين صاحب حماة أن يأخذ الرها وحران وشميساط، وينزل عن خبزه الذي بالشام، بُصري وعمان والبلقاء، ومن حلب المعرّة ومنبج، والمستقر بيده حماة وسلمية واللاذقية وجبلة وبلاطنس وبك إسرائيل، ثم لم يلبث أن أدركته الوفاة على ما نذكره في الوفي…
▸ expand full passage (1,207 chars)ذكر بقية الحوادث في هذه السنة منها أنه استقر الحال مع الملك المظفر تقي الدين صاحب حماة أن يأخذ الرها وحران وشميساط، وينزل عن خبزه الذي بالشام، بُصري وعمان والبلقاء، ومن حلب المعرّة ومنبج، والمستقر بيده حماة وسلمية واللاذقية وجبلة وبلاطنس وبك إسرائيل، ثم لم يلبث أن أدركته الوفاة على ما نذكره في الوفيات إن شاء الله تعالى. ومنها أن السلطان صلاح الدين أرسل إلى ولده الظاهر أن يخرب حصن بُغراس، فبلغ ذلك ابن ليفون صاحب سيس، فسار إليها فأخذها بغير قتال. ومنها أن السلطان أخرب عسقلان كما ذكرنا، وأخرب غزة والداروم أيضًا، واهتم بعمارة القدس الشريف [١٣٣]. ومنها أن السلطان عزل أبا حامد محمد بن عبد الله بن أبي عصرون عن قضاء دمشق، وولي محيي الدين بن زكي الدين، قالوا: وسبب عزل ابن أبي عصرون مداخلته الجند، واشتغاله بما يشتغل به الأمراء؛ من اتخاذ الخيول والمماليك والترك، ومباشرة الحروب، ومعاملة الأمراء ومدانيتهم، فتهزم السلطان منه وعزله. ومنها أن أمير مكة داود بن عيسى بن فليتة بن قاسم بن محمد بن أبي هاشم الحسني تعدّى، فأخذ أموال الكعبة حتى انتزع طوقًا من فضة كأن على دارة الحجر الأسود، وقد لَمّ شعثه به حين ضربه ذلك القرمطي بالدبوس، فلما بلغ السلطان خبره من الحجيج حين رجعوا عزله وولي أخاه مكثرًا، ونقض القلعة التي كان أخوه بناها على جبل أبي قبيس، فأقام داود بنخلة حتى توفي بها. وفيها حج بالناس من العراق طاشتكين.
- full passagepage 594, entry [259]2,169 chars
ذكر بقية الحوادث في هذه السنة منها أن الخليفة الناصر لدين الله جدد خزانة كتب للمدرسة النظامية ببغداد، ونقل إليها ألوفًا من الكتب الثمينة الحسنة (¬٧). وفي المرآة: نقل إليها الخليفة عشر آلاف مجلدة فيها الخطوط المنسوبة.ومنها أنه تم بناء دار الحريم الظاهري (¬١) والرباط، ونقل إليها الخطوط المنسوبة، ورتب …
▸ expand full passage (2,169 chars)ذكر بقية الحوادث في هذه السنة منها أن الخليفة الناصر لدين الله جدد خزانة كتب للمدرسة النظامية ببغداد، ونقل إليها ألوفًا من الكتب الثمينة الحسنة (¬٧). وفي المرآة: نقل إليها الخليفة عشر آلاف مجلدة فيها الخطوط المنسوبة.ومنها أنه تم بناء دار الحريم الظاهري (¬١) والرباط، ونقل إليها الخطوط المنسوبة، ورتب في الرباط عشرة من الصوفية الأخيار أرباب المجاهدات، ورتب فيها طعامًا كل يوم خارجًا عن راتب الصوفية، وكان الخليفة يتردد كل يوم إلى الرباط المذكور، فيومًا لا يحضر يحمل راتبه إلى الصوفية، وولي الرباط بهاء الدين أحمد الميهني شيخ رباط الأخلاطية. ومنها أنه فتحت المدرسة التي إلى جانب تربة والدة الخليفة عند معروف الكرخي، وحضر أرباب الدولة وعمل سماط عظيم، وسلمت إلى الشيخ أبي على النوقاني ﵀ فدرس بها (¬٢). ومنها أن في ليلة عيد النحر ظهرت ببغداد نجمة عظيمة من جانب الشرق فأضاء منها الأفق وبهر ضوؤها وأقامت طول الليل، وظهر عمود من السماء إلى الأرض عرضه مقدار ثلاثة (¬٣) رماح. ومنها أن امرأة بحلب ولدت أربعة أولاد في بطن واحد (¬٤). ومنها أن خوارزم شاه تكش خرج لقصد بلاد طغرل السلجوقي، وأخذ في الاستيلاء عليها أولًا فأول، وأرسل أينانج خان إلى الرى وما والاها، فملكها واستقر بها. ومنها أن شهاب الدين الغورى شتى في بَرْشاوور، وجهز مملوكه أيبك في عساكر كثيرة إلى بلاد الهند، ففتح وغَنَم وعاد منصورًا مؤيدا (¬٥). ومنها أن الخليفة الناصر لدين الله بعث إلى ابن الجوزي يسأل منه أن يزيد على أبيات عديَّ بن زيد المشهورة ما يناسبها من الأشعار ولو بلغ ذلك عشر مجلدات وهي هذه: أيها الشامت المغتر بالدهـ … ـــر [أأنت] (¬٦) المبرأ الموفور؟أم لديك العهد الوثيق من الـ … أيام بل أنت جاهل مغرور من رأيت المنون خلدت أم دا … م عليه من أن يضام خفير أين كسرى الملوك أبو … ساسان أم أين قبله سابور وبنو الأصفر الكرام ملوك الر … وم لم يبق منهم مذكور وأخو الخضر اذ بني وادى … دجلة تجبى إليه والخابور شاده مرمرًا وجلله كلسا … فللطير في داره وكور لم تهبه أيدي المنون فزا … إلى الملك عنه فبابه مهجور وتذكر رب الخورنق إذا … أشرف يوما وللهدي تبكير سره حاله وكثرة ما … يملك والبحر معرضًا والسدير فارعوى قلبه ومال وما … غبطه حي إلى الممات يصير ثم بعد الفلاح والملك والأمـ … ــــر وارتهم هناك قبور ثم أضحوا كأنهم ورق جف … فالوت به الصبا والدبور غير أن الأيام [تختص بالمرء … وفيها لعمري العظات والتفكير] (¬١) وفيها حج بالناس من العراق قطب الدين سنجر الخليفتي ووقف ومكس الحاج، ومن الشام حصن الدولة إبراهيم بن السلار.
- full passagepage 940, entry [408]9,317 chars
ذكر بقية الحوادث في هذه السنة منها (¬٢) أن كيكاوس بن كيخسرو ملك الروم قصد حلب لما مات الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين، وأجلس ابنه الملك العزيز في مملكته، وكان طفلا كما ذكرنا، وطمع كيكاوس في الاستيلاء على حلب فاستدعى الملك الأفضل بن صلاح الدين صاحب شميساط واتفق معه كيكاوس على أن يفتح حلب وبلادها ويسل…
▸ expand full passage (9,317 chars)ذكر بقية الحوادث في هذه السنة منها (¬٢) أن كيكاوس بن كيخسرو ملك الروم قصد حلب لما مات الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين، وأجلس ابنه الملك العزيز في مملكته، وكان طفلا كما ذكرنا، وطمع كيكاوس في الاستيلاء على حلب فاستدعى الملك الأفضل بن صلاح الدين صاحب شميساط واتفق معه كيكاوس على أن يفتح حلب وبلادها ويسلمها إلى الملك الأفضل ثم يفتح البلاد الشرقية التي بيد الملك الأشرف ابن الملك العادل ويتسلمها كيكاوس وتحالفا على ذلك، وسار كيكاوس إلى جهة حلب ومعه الملك الأفضل ووصلا إلى رعيان واستولى عليها كيكاوس وسلمها إلى الملك الأفضل فمالت إليه قلوب أهل البلاد لذلك، ثم سار إلى تل باشر وبها فتح الدين بن دلدروم ففتحها ولم يسلمها للملك الأفضل بل أخذها كيكاوس لنفسه، فنفر خاطر الملك الأفضل وخواطر أهل البلاد بسبب ذلك ووصل الملك الأشرف إلى حلب ليدفع كيكاوس عن البلاد، ووصل إليه الأمير مانع بن جدمه أمير العرب في جمع عظيم وكان قد سار كيكاوس إلى منبج وتسلمها لنفسه أيضا، وسار الملك الأشرف بالجموع التي معه ونزل وادي بزاعا واتقع بعض العسكر مع مقدمة عسكر كيكاوس فانهزمت مقدمة عسكر كيكاوس وأخذت منهم عدة أسرى فأرسلوا إلى حلب ودقت البشائر بها، ولما بلغ ذلك كيكاوس وهو بمنبج ولي منهزمًا مرعوبا، وتبعه الملك الأشرف يتخطف أطراف عسكره، ثم حاصر الملك الأشرف تل باشر واسترجعها، وكذلك استرجع رعبان وغيرها.وتوجه الملك الأفضل إلى شميساط ولم يتحرك بعدها في طلب مُلك إلى أن مات سنة اثنتين وعشرين وستمائة - كما سنذكره إن شاء الله تعالى. وعاد الملك الأشرف إلى حلب وبلغه وفاة أبيه العادل. وفي تاريخ (¬١) بيبرس: وفي هذه السنة سار عز الدين كيكاوس ملك الروم إلى ولاية حلب قصدا للتغلب عليها، ومعه الأفضل بن صلاح الدين، وسبب ذلك أنه كان بحلب رجلان شريران ساعيان في أذية الناس، فكرههما الناس، فخرجا من حلب وتوجها إلى كيكاوس وحسنا له أخذ حلب وبلادها، وأنه لن يقوم في وجهه أحد، فأشير عليه إن لم يكن معه أحد من بيت أيوب لم يصل إلى شيء من البلاد. وكان الأفضل بن صلاح الدين بن أيوب في طاعته، فأرسل إليه وطلب حضوره معه ليفتح به البلاد، ويكون له جميع ما يفتحانه منها، ولا يكون لكيكاوس سوى الخطبة. وحسن هذا الأمر للأفضل، وصاحب حلب ملازم القلعة لا ينزل منها ساعة، وقد جمع العساكر والعرب وخاف من أهل البلد أن يخرجوا إلى الأفضل ويصيروا معه، فأرسل العزيز صاحب حلب إلى الأشرف بن العادل يستدعيه ويستنجده. وأما كيكاوس فإنه سار إلى أن أخذ قلعة رعبان، ولم يعط الأفضل منها شيئا، ففترت نيته عن قصد البلاد وأخذها، وسير كيكاوس جاليشه إلى حلب فكسره جاليش العزيز، فمضى على وجهه من هناك، وأسرت العرب من خيانتهم ورجالتهم كثيرًا وغنموا أكثر قماشهم. وكان كيكاوس صغير السن قليل الخبرة بالحرب، فوصل إليه بعض جيوشه المنهزمين فأغلق عليهم دارا فأحرقها ثم اتفق أنه هلك واستعاد الأشرف تل باشر وجميع القلاع التي أخذها. وقال أبو شامة (¬٢): لما عاد كيكاوس إلى بلده من كسر الأشرف له بحلب اتهم أقوامًا من أمراء دولته أنهم قصروا في قتال الحلبيين فسلق بعضهم في القدور وجعل آخرين في بيت وأحرقهم فأخذه الله بغتة فمات فجأة سكرانا. وقيل: ابتلى في بدنه فتقطع. وكان أخوه علاء الدين كيقباد محبوسا في قلعة وقد أمر بقتله فبادر الأمراء فأخرجوه وأقاموه في الملك. وكانت وفاة كيكاوس في شوال من هذه السنة، وهو الذي أطمع الفرنج في دمياط.وفي تاريخ المؤيد (¬١) وفي سنة ست عشرة وستمائة توفى الملك الغالب عز الدين كيكاوس بن كيخسرو بن قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان صاحب بلاد الروم، وكانت ولايته في سنة سبع وستمائة، وكان قد تعلق به مرض السل واشتد مرضه ومات، فملك بعده أخوه كيقباذ. وفي المرآة (¬٢): وكان كيكاوس جبارا ظالما فاسقا سفاكا للدماء. ومنها أنه ولي حسبة بغداد الصاحب محيي الدين يوسف ابن الشيخ أبي الفرج بن الجوزي وهو مع ذلك يذكر ميعاد الوعظ على قاعدة أبيه وشكرت مباشرته للحسبة. وقال السبط في المرآة: وفيها أعيد خالي أبو محمد يوسف إلى الحسبة وأفرج الخليفة عن ولده أبي نصر محمد وأذن له في الركوب حيث شاء. ومنها أنه وصل رسول خوارزم شاه إلى الملك العادل وهو بمرج الصفر، فبعث في الجواب الخطيب الدولعي والنجم خليل قاضى العسكر فوصلا إلى همذان فوجدا خوارزم شاه قد اندفع من بين يدي الخطأ وقد خامر عليه عسكره فسار إلى حدّ بخاري، فاجتمعا بولده جلال الدين فأخبرهما بوفاة العادل فرجعا إلى دمشق. ومنها أن عماد الدين زنكي بن أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي بن آقسنقر استولى على بعض القلاع المضافة إلى مملكة الموصل وقد تقدم في سنة سبع وستمائة (¬٣) أن أرسلان شاه عند وفاته جعل مملكة الموصل لولده القاهر مسعود، وأعطى ولده الأصغر عماد الدين زنكي المذكور قلعتى العقر وشوش. فلما مات أخوه القاهر وأجلس ولده أرسلان شاه بن القاهر في المملكة. وكان به قروح وأمراض تحرك عماد الدين زنكي وقصد العمادية واستولى عليها، ثم استولى على قلاع الهكارية والزوزان، فاستنجد بدر الدين لؤلؤ المستولى على ملك الموصل وتدبير أرسلان شاه بالملك الأشرف بن العادل ودخل في طاعته، فأنجده الأشرف بعسكر وساروا إلى زنكي بن أرسلان شاه فهزموه، وكان زنكي متزوجا ببنت مظفر الدين كوكبوري صاحب إربل، وأمالبنت ربيعة خاتون بنت أيوب أخت الملك العادل زوجة مظفر الدين. فكان مظفر الدين لا يترك ممكنا في نجدة صهره زنكي المذكور. ويبالغ في عداوة بدر الدين لؤلؤ لأجل صهره. وفي تاريخ بيبرس (¬١): ولما رأى بدر الدين لؤلؤ خروج القلاع من يده واتفاق مظفر الدين وعماد الدين عليه أرسل إلى الملك الأشرف ابن الملك العادل وهو صاحب ديار الجزيرة وخلاط، يطلب منه المعاضدة وانتمى إليه وصار في طاعته، فأجاب الأشرف بالقبول والفرح به والاستبشار، وبذل له المساعدة والمحاربة دونه واستعادة ما أخذ من القلاع التي كانت له. وكان الملك الأشرف حينئذ نازلا بظاهر حلب لما ذكرناه من تعرض كيكاوس ملك بلاد الروم إلى أعمالها، وملكوا بعض قلاعها، فأرسل الأشرف إلى مظفر الدين يقبح هذه الحالة ويقول له: إن هذه القاعدة تقررت بين جميعنا بحضور رُسلك وإنا نكون على الثالث إلى أن يرجع إلى الحق، ولابد من إعادة ما أُخذ من بلاد الموصل لنَدوُم على اليمين التي استقرت بيننا، فإن امتنعت وأصررت على معاضدة زنكي ونصرته، فأنا أجيء بنفسي وعساكري وأقصد بلادك وغيرها وأسترد ما أخذتموه وأعيده إلى أصحابه. والمصلحة أنك توافق وتعود إلى الحق لنجعل شغلنا جمع العساكر وقصد الديار المصرية، وإجلاء الفرنج عنها قبل أن يعظم خطبهم ويستطير شرهم. فلم تحصل الإجابة منه إلى شيء من ذلك. وكان ناصر الدين محمود صاحب حصن كيفا وآمد قد امتنع عن موافقة الأشرف وقصد بعض بلاده ونهبها، وكذلك صاحب ماردين، واتفقا مع مظفر الدين فلما رأى الأشرف ذلك جهز عسكرًا وسيره إلى نصيبين نجدة لبدر الدين إن احتاج إليهم. ولما عاد (¬٢) العسكر البدرى من حصار العمادية خرج منها عماد الدين زنكي وتوجه إلى قلعة العَقر التي له ليتسلط على أعمال الموصل التي بالصحراء، فإن بلد الجبل كان قد فرغ منه وأمره مظفر الدين بطائفة كثيرة من العسكر، فلما اتصل الخبر ببدر الدين سير طائفة من عسكره إلى أطراف بلاد الموصل يحمونها، فأقاموا على أربعة فراسخ من الموصل، ثم اتفقوا فيما بينهم على أن يسيروا إلى زنكي ويحاربوه وهو عند العقر فيعسكره، ففعلوا ذلك ولم يأخذوا أمر بدر الدين، وساروا جريدة ليس معهم إلا سلاحهم ودواب يقاتلون عليها، وسَرَوْا ليلتهم جمعاء فصبحوا عماد الدين زنكي فالتقوا تحت العقر، وعظم الخطب فأنزل الله نصره على العسكر البدرى، فانهزم زنكي وعسكره وسار إلى إربل منهزما، وعاد العسكر البدرى إلى منزلته التي كان بها وحضرت رسل الخليفة في الصلح فاصطلحوا. ومنها أن عماد الدين زنكي ملك قلعة كواشي (¬١)، وملك بدر الدين لؤلؤ تلعفر (¬٢)، وملك الأشرف (¬٣) سنجار. وهذه كواشي من أحصن قلاع الموصل وأعلاها وأمنعها، وكان أهلها يظهرون لبدر الدين الطاعة ويبطنون الطاعة لزنكي، فراسلوا زنكي في المجيء إليهم وأخرجوا نواب بدر الدين عنهم وامتنعوا بها، وكانت رهائنهم بالموصل، فسار إليهم وتسلم القلعة، فراسل مظفر الدين بإعادة كواشي ويُذَكِّره الإيمان والعهود القريبة، فلم يجب. وأرسل حينئذ بدر الدين إلى الملك الأشرف وهو بحلب يستنجده، فسار وعبر الفرات إلى حران، فاختلفت عليه الأمور من عدة جهات منعته من المسير، وسبب هذا الاختلاف أن مظفر الدين كان يُراسل أصحاب الأطراف يستميلهم ويُحَسِّن لهم الخروج على الأشرف ويخوفهم منه إن خلا وجهه، فأجابه إلى ذلك عز الدين كيكاوس صاحب بلاد الروم، وكان مظفر الدين قد راسل جماعة من الأمراء الذين مع الأشرف واستمالهم فأجابوه منهم: أحمد بن المشطوب الذي ذكرنا أنه فعل على دمياط ما فعل وهو أكبر أمير كان معه ووافقه غيره وفارقوا الأشرف ونزلوا بدنسير تحت ماردين ليجتمعوا مع صاحب آمد ويمنعوا الأشرف من العبور إلى الموصل لمساعدة بدر الدين، فلما اجتمعوا هناك عاد صاحب آمد إلى موافقة الأشرف وفارقهم وسلم إليه الأشرف مدينة حاني وجبل جور، فلما فارقهم صاحب آمد انحل أمرهم واضطر بعض الأمراء الذين فارقوا الأشرف إلى العود إلى طاعةالأشرف، وبقي ابن المشطوب وحده فعاد إلى نصيبين ليسير إلى إربل، فخرج إليه شحنة نصيبين فيمن عنده من الجند فقاتله وهزمه، وتفرق من معه. ومضى ابن المشطوب منهزما، فلما اجتاز بطرف بلد سنجار سير إليه صاحبها فرخشاه بن زنكي بن مودود عسكرا فهزموه وأخذ أسيرا وحُمل إلى سنجار، وكان صاحبها موافقًا للأشرف وبدر الدين، فلما صار عنده ابن المشطوب حَسَّن له مخالفة الأشرف فأجابه إلى ذلك وأطلقه، فاجتمع معه من يريد الفساد وقصدوا البقعاء (¬١) - من أعمال الموصل - ونهبوها وعدة قرى، وعادوا إلى سنجار ثم ساروا إلى تلى أعفر ليقصدوا بلد الموصل وينهبوا تلك الناحية (¬٢). فلما سمع بدر الدين بذلك سير إليه عسكرًا فقاتلهم فهزموه فمضى منهزمًا وصعد إلى تل أعفر واحتمى بها، فنازلوه وحصروه فيها، وسار بدر الدين من الموصل إليه، وزحف عليه وأخذه وأحضره إلى الموصل فسجنه بها، ثم أخذه منه الأشرف فسجنه بحران إلى أن مات. وأما الأشرف فإنه لما أطاعه صاحب الحصن وآمد وتفرق الأمراء رحل من حران فنزل على دنيسر واستولى على بلد ماردين ومنعه الميرة، فاصطلح معه على أن يُسلم إليه رأس (¬٣) العين ويقطعها لصاحب ماردين، ورحل يريد الموصل، فلقيه صاحب سنجار فطلب منه أن يأخذها ويعوّضه عنها الرقة، وذلك لأن عسكره بها خذلوه فإنهم خافوا على أنفسهم منه، فتسلم الأشرف بن العادل سنجار من صاحبها فرخشاه بن زنكي، وعوضه الرقة، وهذا آخر ملوك البيت الأتابكي بسنجار (¬٤). ومنها أن الملك الأشرف وصل إلى الموصل وكان يوم نزوله بها يوما مشهودا، ووافقه وصول رسل الخليفة إليه بالصلح بينه وبين مظفر الدين لتزول الفتن وتعاد القلاع إلى بدرالدين ما عدا قلعة العمادية (¬١)، فإنها تبقى بيد زنكي. وكان الجند قد ضجروا من طول البيكار فحلفوا على هذا وتقرر الحال، ورحل الأشرف عن الموصل، وأرسلوا إلى القلاع التي تقرر تسليمها إلى بدر الدين، فلم يسلم منهم إلا قلعة واحدة وامتنع باقي القلاع من التسليم لبدر الدين. وفيها (¬٢) ..................................................... وفيها حج بالناس من العراق أقباش الناصري بالباء الموحدة من تحتها.
- full passagepage 1132, entry [470]2,645 chars
ذكر بقية الحوادث في هذه السنة منها أنه ولي قضاء القضاة ببغداد نجم الدين أبو المعالي عبد الرحمن الواسطى، وخلع عليه كما هي عادة الحكام، وكان يوما مشهودا (¬٣). ومنها أنه كان غلاء شديد ببلاد الجزيرة، وقلة اللحم جدا حتى حكى ابن الأثير (¬٤): أنه لم يذبح بمدينة الموصل في بعض الأيام سوي خروف واحد في زمن الر…
▸ expand full passage (2,645 chars)ذكر بقية الحوادث في هذه السنة منها أنه ولي قضاء القضاة ببغداد نجم الدين أبو المعالي عبد الرحمن الواسطى، وخلع عليه كما هي عادة الحكام، وكان يوما مشهودا (¬٣). ومنها أنه كان غلاء شديد ببلاد الجزيرة، وقلة اللحم جدا حتى حكى ابن الأثير (¬٤): أنه لم يذبح بمدينة الموصل في بعض الأيام سوي خروف واحد في زمن الربيع. ومنها أنه سقط في عاشر آذار ثلج كثير بالجزيرة والعراق، وهذا شئ غريب (¬٥) لم يعهد مثله، والعجب كل العجب وقوع الثلج في العراق مع شدة حره، والله على كل شئ قدير (¬٦).ومنها أن الأتابك طغريل الخادم (¬١) انتزع الشغر (¬٢) وبكاس (¬٣) من الملك الصالح أحمد (¬٤) بن الملك الظاهر وعوضه عنها بعينتاب (¬٥) والراوندان (¬٦)، (¬٧). ومنها أن الملك الكامل صاحب مصر أمر بهدم تنيس (¬٨)، وسير إليها النقابيين والحجارين، فهدمت وأخليت من يومئذ، وكانت من البلاد الجليلة بديار مصر كدمياط واسكندرية، وكان ينسج فيها ثياب من الحرير وغيره يجُلب إلى البلاد (¬٩). ومنها أنه كانت الحرب بين صاحب آمد وسلطان الروم، وذلك أن صاحب آمد الملك المسعود (¬١٠) بن الملك الصالح محمود بن محمد الأرتقى كان قد وافق الملك المعظم معاضدًا له، ولصاحب إربل (¬١١)، وجلال الدين خوارزم شاه، وكان السلطانعلاء الدين كيقباذ بن كيخسرو بن قليج أرسلان السلجوقي خائفا من جلال الدين، فاتفق مع الملك الأشرف لذلك، فلما كانت هذه السنة أرسل إليه الأشرف يطلب منه أن يقصد بلاد آمد، فسار علاء الدين إلى ملطية (¬١) وهي له، وجهز منها العساكر إلى بلاد آمد، ففتحوا حصن (¬٢) منصور وغيره كما ذكرناه متقدما، فلما رأي صاحب آمد ذلك راسل الأشرف وعاد إلى موافقته، فأرسل الأشرف إلى علاء الدين سلطان الروم يعرفه ذلك، ويطلب منه أن يعيد على صاحب آمد ما أخذ منه، فامتنع من ذلك، وقال: ما كنت نائبا للأشرف يأمرني تارة وينهاني أخرى. فأمر الملك الأشرف عسكره بمساعدة صاحب آمد، وجمع صاحب آمد عسكره، وسار بالجميع إلى عسكر الروم وهم يحاصرون الكختين (¬٣) من بلاده، فالتقوا هناك واقتتلوا، فانهزم صاحب آمد ومن معه، وجرح وأسر منهم خلق، وملك عسكر علاء الدين الكختين -وهي من أمنع الحصون- ثم عادوا إلى صاحبهم (¬٤). ومنها أنه وقعت فتنة بين الفرنج والأرمن، وذلك أن ليون الأرمني توفي ولم يخلف سوي بنت واحدة، فملكها الأرمن عليهم وزوجوها بابن البرنس، وانتقل إلى بلدهم، واستقر في الملك نحو سنة، ثم ندموا على ذلك، وخافوا أن يستولى الفرنج علي بلادهم، فقبضوا على ابن البرنس، فأرسل أبوه يطلب منهم إطلاقه، فلم يفعلوا، فأرسل إلى الباب ملك الفرنج يستأذنه في قصد بلاد الأرمن فمنعه، وقال: إنهم أهل ملتنا ولا يجوز قصد بلادهم. فخالفه وأرسل إلى علاء الدين كيقباذ ملك قونية، وصالحه ووافقه على قصد بلاد الأرمن، فدخلها ونهبها وعاد عنها (¬٥). وفيها ...... (¬٦).وفيها حج بالناس من العراق شمس الدين قيران مملوك الخليفة، ومن الشام الشجاع ابن السلار، وهي آخر إمرته على الشام، وآخر السنين التي كان الحج فيها رخيا طيبا، وانقطع ركب الحج بعدها مدة بسبب ما وقع بالشام من الاختلاف والفتن (¬١). وفيها حج من ميافارقين سلطانها وهو شهاب الدين غازي بن الملك العادل وقد ذكرناه (¬٢).