بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 452, entry [179]3,789 chars
ذكر الوقعة العادلية ولما كان يوم الأربعاء العشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة، علم عدو الله أن العساكر تفرقت في أطراف البلاد للعدو، وأن ميمنة السلطان قد خفت، أجمع رأيهم على أنهم يهجمون على طرف الميمنة بغتة. فخرجوا ظهيرة يوم الأربعاء، وامتدوا ميمنةوميسرة وقلبا، وانبثوا في الأرض، وكانوا عددا عظيمًا، …
▸ expand full passage (3,789 chars)ذكر الوقعة العادلية ولما كان يوم الأربعاء العشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة، علم عدو الله أن العساكر تفرقت في أطراف البلاد للعدو، وأن ميمنة السلطان قد خفت، أجمع رأيهم على أنهم يهجمون على طرف الميمنة بغتة. فخرجوا ظهيرة يوم الأربعاء، وامتدوا ميمنةوميسرة وقلبا، وانبثوا في الأرض، وكانوا عددا عظيمًا، واستخفوا طرف الميمنة، وكان في طرفها مخيم الملك العادل، فلما بصر الناس بهم خرجوا من خيامهم كالأسود من أجسامها، وركب السلطان صلاح الدين ﵀ ونادى مناديه: يآل الإسلام، وركبت الجيوش وطلبت الأطلاب، وكان السلطان أول راكب. وقال قاضي القضاة بهاء الدين: ولقد رأيته وقد ركب من خيمته وحوله نفر يسير من خواصه، والناس لم يستتم ركبوهم، وهو كالفاقدة ولدها الشاكلة، ثم ضرب الكوس، فأجابته كوسات الأمراء من أماكنها، وركب الناس. وأما الفرنج -لعنهم الله- فإنهم سارعوا في القصد إلى الميمنة، حتى وصلوا قبل استتمام العساكر حتى وصلوا إلى مخيم الملك العادل، ودخلوا في وطاقه (¬١)، وامتدت أيديهم في السوق [٨٩] وأطراف الخيم بالنهب والغارة، وقيل وصلوا إلى الخيمة الخاص وأخذوا من شرابخاناته (¬٢) شيئا. وأما الملك العادل فإنه لما علم بذلك، ركب وخرج من خيمته، واستركب من يليه من الميمنة، كالطواشي قايماز النجمي، ومن يجرى مجراه من أسود الإسلام، ووقف وقوف مخادع حتى يوغل بهم طمعهم في [المخيم] (¬٣)، واشتغلوا بالنهب في الأقمشة والفواكه والمطاعم، فعند ذلك صاح العادل بالناس، وحمل بنفسه يقدمه ولده الكبير شمس الدين، وحمل بحملته، وهجموا على العدو هجمة الأسود على فرائسها، وأمكنهم الله منهم، ووقعت الكسرة، فعادوا يشتدون نحو خيامهم، هاربين على أعقابهم، [وسيف الله] (¬٤) يلتقط الأرواح من الأشباح، ويفصل بين الأجساد والرؤوس، ويفرق بين الأبدان والنفوس. ولما بصر السلطان بذلك، نادي في الناس: يآل الإسلام وأبطال الموحدين، هذا عدو الله قد أمكن الله منه، وقد داخلهم الطمع حتى غشوا خيامكم، فكان من المبادرين إلى إجابته جماعة من مماليكه وخاصته، ثم طُلب عسكر الموصل يقدمهم علاء الدين ولد عز الدين، ثم عسكر مصر يقدمهم سنقر الحلبي،وتتابعت العساكر، وتجاوبت الأبطال، ووقف السلطان في القلب، فعند ذلك قامت الحرب على سوقها (¬١). قال الراوى (¬٢): فلم يكن [إلا] (¬٣) ساعة حتى رأينا القوم صرعي ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ (¬٤)، وامتدوا مطرحين، أولهم من خيام الملك العادل، وآخرهم عند خيامهم، وكانت المسافة بين المضربين فرسخًا، وربما زادوا على ذلك، وقتلى الإفرنج مطروحون فيها ولم ينج منهم إلا النادر. قال قاضي القضاة بهاء الدين: ولقد خُضتُ في تلك الدماء بدابتي، فاجتهدتُ أن أعُدَّهم فما قدرت على ذلك لكثرتهم، وشاهدت فيهم امرأتين مقتولتين. وحكي لي من شاهد منهم أربع نسوة يقاتلن وأسرت منهم اثنتان. وأسر من الرجال في ذلك اليوم نفر يسير، فإن السلطان [[كان] أمر [الناس]] (¬٥) أن [لا يستبقوا أحدًا] (¬٦)، هذا كله في الميمنة وبعض القلب. وأما الميسرة فما اتصل الصائح بهم إلا وقد نجز الأمر. وكانت هذه الوقعة فيما بين الظهر والعصر، وانفصلت الحرب بعد العصر، ولم يفقد من المسلمين في هذا اليوم سوى عشرة أنفس، غير معروفين. وأما أهل عكا فإنهم كانوا يشاهدون الوقعة من أعالي السور، فخرجوا إلى مخيم العدو، وجرى بينهم مقتلة عظيمة، وكانت النصرة للمسلمين، فأخذوا جمعا من النسوان والأقمشة حتى القدور وفيها الطعام. واختلف الناس في عدد القتلى منهم، فقيل: كانوا ثمانية آلاف، وقيل: سبعة آلاف. وقال قاضي القضاة بهاء الدين: ولقد شاهدتُ منهم خمسة صفوف أولها عند خيمة العادل، وآخرها [٩٠] عند خيامهم. ولقد رأيتُ إنسانا عاقلًا جنديا "يسعى" (¬٧) بين الصفوف من القتلى ويعدهم، فقلت له: كم عددت؟ فقال: إلى هاهنا أربعة آلاف ونيفا وستين قتيلًا. وكان قد عد صفين، وهو في الصف الثالث، لكن ما مضى من الصفوف كان أكثر عددا من الباقي.ولما كان يوم الخميس الحادي والعشرين من جمادى الآخرة، ورد في عصره نجّاب من حلب، ومعه كتاب يتضمن أن جماعة عظيمة من العدو الشمالي، خرجوا لنهب أطراف البلاد الإسلامية، ونهض العسكر الإسلامي في حلب، وأخذوا عليهم الطريق، فلم ينج منهم أحد إلا من شاء الله ﷿، فضربت البشائر، ولم يُر يوم أحسن منه. وجاء في بقية ليلة ذلك اليوم من اليزك قايماز الحرَّاني، وذكر أن العدو قد سأل [من جانب السلطان] (٢) مَنْ يصل إليهم، ليسمع منهم حديثا في سؤال الصلح، لضعفٍ حلَّ بهم، ولم يزل أعداء الله من ذلك الوقت مكسورين الجناح، منهاضين الجانب، حتى وصل إليهم كُنْد يقال له: كُنْدهِري.