بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 445, entry [173]3,385 chars
ذكر قصة ملك الألمان صح الخبر أن ملك الألمان عبر من قسطنطينية الخليج، وأنه وصل بجمعه إلى مضايق صعب عليه العبور، فقيل إنهم أقاموا في قفار ومواضع صعبة شهرا، عدموا فيها الطعام ولم يجدوا بها إلا ضُرًا، وكان التركمان الأوجية (¬١) على طريقهم يمنعون من تشريقهم، فاضطروا إلى المقام بغير زاد، فصاروا يذبحون خيو…
▸ expand full passage (3,385 chars)ذكر قصة ملك الألمان صح الخبر أن ملك الألمان عبر من قسطنطينية الخليج، وأنه وصل بجمعه إلى مضايق صعب عليه العبور، فقيل إنهم أقاموا في قفار ومواضع صعبة شهرا، عدموا فيها الطعام ولم يجدوا بها إلا ضُرًا، وكان التركمان الأوجية (¬١) على طريقهم يمنعون من تشريقهم، فاضطروا إلى المقام بغير زاد، فصاروا يذبحون خيولهم ويأكلونها، ويكسرون قنطارياتهم لفقدان الحطب ويشعلونها، فترجلت منهم ألوف، وكان ذلك في البرد الشديد وزمان الثلج والجليد، وعدموا دواب لحمل الأثقال، ونقل عُدد الرجال فدفنوا من ذلك شيئا كثيرا، وأحرقوا منها، وكان ظنهم أنهم إذا عادوا أخذوا ما دفنوه، فأخذ المسلمون ما دفنوه وكانوا في عدد كثير، فما أثر فيهم ذلك ولا صدهم عن مقصدهم، وما زالو يسيرون حتى بلغوا إلى بلاد صاحب الروم قُونية وغيرها. وهو قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان بن قتلمش بن سلجوق (¬٢). وفي المرآة (¬٣): وكانوا في ستمائة ألف مقاتل جاءوا من إفرنجة، فخاف منهم ملك القسطنطينية، فقالوا له لا تخف نحن ما جينا إلا لنخلص القدس وصليب الصلبوت ونهلك بلاد المسلمين (¬٤). وكان بين السلطان صلاح الدين وبين ملك قسطنطينية مراسلة ومكاتبة، وكان وصل منه رسول إلى السلطان بمرج عيون في رجب سنة خمس وثمانين وخمسمائة، في جواب رسول كان أنفذه السلطان إليه بعد تقرير القواعد وإقامة قانون الخطبة في جامع في قسطنطينية، وكانت الخطبة أقيمت وأكرم الرسول إكرامًا زائدًا، وكان السلطان قد أنفذ مع الرسول خطيبًا ومنبرًا وجمعا من المؤذنين والقراء، وكان يوم دخولهم القسطنطينية يوما عظيمًا، ولما رقى الخطيب المنبر، حضر هناك جمع كثير من التجار والمسلمين المقيمين بها، وأقام الخطيب الدعوة العباسيّة، وبعد ذلك كله جاء رسول صاحب القسطنطينيةالذي ذكرناه الآن، ومعه ترجمان يترجم [عنه] وهو شيخ [٨٤] حسّن الوجه وعليه زيّهم الذي يختص بهم، ومعه كتاب مختوم بالذهب، دون عرض كتاب بغداد، مترجمًا في ظاهره وباطنه بسطرين، بينهما فرجة (¬١)، وضع فيها الختم من الذهب المطبوع كما يطبع الخاتم في الشمع، وعلى الختم صورة الملك وصورة السطرين المذكورين: "من إيثاكيوس الملك المؤمن بالمسيح الإله المتوج من الله المنصور العالى أبدا، أقعقوس المدبر من الله القاهر الذي لا يغلب، ضابط الروم بذاته أنكليوس إلى النسيب سلطان مصر صلاح الدين". وأما الذي في باطن الكتاب، فإنه كان يتضمن إظهار المحبة والمودة، ثم ذكر خبر ملك الألمان وقال: "لا تحمل على قلبك منهم، فإن إدبارهم على قدر نيتهم وآرائهم. وأنهم قد خسروا كثيرا من الأموال والدواب والرجال، وبلغوا بالشدة وقد تخلصوا من أيدي أجناد بلادي بالغضب، وقد ضعفوا بحيث أنهم لا يصلون إلى بلادك، وإن وصلوا كانوا ضعافًا في شدة بعد شدة". وأكرم السلطان رسوله، وأقام بحقه كما هو العادة بين الملوك (¬٢). ووصل أيضا كتاب إلى السلطان من مقدم الأرمن، وهو صاحب قلعة الروم التي على طرف الفرات. وصورته: "الكتاب الداعي المخلص [الكاغيكوس] (¬٣): مما أطالع به علوم مولانا ومالكنا السلطان الناصر جامع كلمة الإيمان، رافع علم العدل والإحسان، صلاح الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، أدام الله إقباله، وضاعف جلاله، وصان مهجته وكماله، وبلغه نهاية آماله بعظمته وجلاله: [من] (¬٤) أمر ملك الألمان فإنه دخل بلاد الهنكر (¬٥) غضبًا، وأذعن له ملك الهنكز، ودخل تحت طاعته، وأخذ من ماله ورجاله ما اختار، ثم إنه دخل أرض مقدم الروم، وفتح البلاد ونهبها، وأقام بها وأجلاها، وأحوج ملك الروم إلى أن أطاعه وأخذ رهائنه، ولده وأخاه وأربعين نفرًا من خلصانه وأخذمنه خمسين قنطارا ذهبا، وخمسين قنطارًا فضة، وثيابًا طُلسًا مبلها عظيما، واغتصب المراكب وعاد بها إلى هذا الجانب، وصحبته الرهائن إلى أن دخل حدود بلاد الملك قليج أرسلان، ورد الرهائن، وبقى سائرًا ثلاثة أيام وتركمان الأوج يلقونه بالأغنام والأبقار والخيل والبضائع، فداخلهم الطمع، وجمعوا من جميع البلاد، ووقع بينهم وبين التركمان، وضايقهم التركمان ثلاثة وثلاثين يوما، ثم ذكر ما وقع بينه وبين قليج أرسلان على ما نذكره إن شاء الله تعالى (¬١).