بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 426, entry [162]6,923 chars
ذِكرُ الوقعة العُظمى ولما كان يوم الأربعاء العشرين من شعبان (¬٤) من هذه السنة، برزت الإفرنج بأجمعهم، وضربوا مع السلطان مصافًا، وحملوا على القلب، فأزالوه وأخذوا يقتلون في المسلمين إلى أن بلغوا خيمة السلطان، فانحاز السلطان إلى جانب، وانضاف إلى جماعة، وانقطع مدد الفرنج، واشتغلوا بقتال الميمنة، فصاح الس…
▸ expand full passage (6,923 chars)ذِكرُ الوقعة العُظمى ولما كان يوم الأربعاء العشرين من شعبان (¬٤) من هذه السنة، برزت الإفرنج بأجمعهم، وضربوا مع السلطان مصافًا، وحملوا على القلب، فأزالوه وأخذوا يقتلون في المسلمين إلى أن بلغوا خيمة السلطان، فانحاز السلطان إلى جانب، وانضاف إلى جماعة، وانقطع مدد الفرنج، واشتغلوا بقتال الميمنة، فصاح السلطان: يآل الإسلام، فركبت الناس بأجمعهم، وحمل السلطان على الفرنج الذين خرقوا القلب، وانعطف عليهم العسكر، فأفنوهم قتلًا، وكان كل واحد من المسلمين قتل أربعين أو خمسين من الفرنج، وكان قتلى الفرنج تقدير عشرة آلاف، ووصل المنهزمون من المسلمين بعضهم إلى طبرية، وبعضهم وصل إلى دمشق، ولم يكن وقف من المسلمين ثابتين غير نحو ألف نفس، فردّت مائة ألف. وجافت الأرض بعد هذه [٧٢] الوقعة من قتلى الفرنج، فلحق السلطان مرض وحدث له قولنج، فأشار عليه الأمراء بالانتقال من ذلك الموضع، فوافقهم ورحل عن عكا رابع عشر رمضان إلى الخروبة، فلما رحل السلطان تمكن الفرنج حينئذ من حصار عكا، وانبسطوا في تلك الأرض، ولم يعلم السلطان أن ذلك كان منأكبر المصالح للعدو المخذول، فإنهم اغتنموا هذه الفترة، فحفروا جول مخيّمهم خندقا يجمعُ جيشهم من البحر إلى البحر محدقًا، واتخذوا من ترابه سورًا شاهقًا، وجعلوا له أبوابا يخرجون منها إذا أرادوا، وتمكن الأمر وقوى الخطب (¬١). وقال صاحب النوادر (¬٢): مشاهدة عن أخبار هذه الوقعة العظيمة وملخصه أنه لما كان يوم الأربعاء الحادي والعشرين من شعبان تحركت عساكر الإفرنج، واصطفوا خارج خيامهم: قلبًا وميمنة وميسرةً، وفي القلب الملك وبين يديه الانجيل محمولا مستورًا بثوب أطلس مغطى، يمسكه (¬٣) أربعة أنفس أربعة أطرافه، يسيرون بين يدي الملك. وامتدت الميمنة في مقابلة الميسرة التي لعسكر الإسلام من أولها إلى آخرها، وكذا امتدت ميسرتهم في مقابلة ميمنة المسلمين إلى آخره، وملكوا رؤوس التلال، وكان طرف ميمنتهم إلى النهر، وطرف ميسرتهم إلى البحر. والسلطان ﵀ رتب عسكره في مقابلتهم، فوقف هو في القلب، وفي الميمنة ولده الملك الأفضل، ثم ولده الملك الظافر، ثم عسكر المواصلة يقدمهم ظهير الدين بن البلنكري (¬٤)، ثم عسكر ديار بكر في خدمة قطب الدين بن نور الدين صاحب الحصن، ثم حسام الدين بن لاجين صاحب نابلس، ثم الطواشي قايماز النجمي، وجموع عظيمة متصلين بطرف الميمنة، وكان في طرفها الملك المظفر تقي الدين بجحفله وعسكره، وهو يطل على البحر. وأما أوائل الميسرة: فكان مما يلي القلب سيف الدين على [بن أحمد] (¬٥) المشطوب من كبار ملوك الأكراد ومقدميهم، والأمير مجلي وجماعة المهرانية والهكَّارية، ومجاهد الدين يرنقش (¬٦) مقدم عسكر سنجار -وجماعة من المماليك، ثم مظفر الدين بن زين الدين بجحفله وعسكره. وأواخر الميسرة: كبار المماليك الأسدية، كسيف الدين بازكج، ورسلان بغا، وجماعة الأسدية الذين يُضرب بهم المثل.وفي مقدم القلب الفقيه عيسى وجمعُه هذا، والسلطان يطوف على الأطلاب بنفسه يحثهم على القتال، ويدعوهم إلى النزال، ويرغبهم في نصرة دين الله. ولم يزل القوم يتقدمون، والمسلمون يقدمون حتى علا النهار، ومضى منه مقدار أربع ساعات، وعند ذلك تحركت ميسرة العدو على ميمنة المسلمين، وأخرج لهم الملك المظفر الجاليش، وجرى بينهم قلبات كثيرة، وتكاثروا على الملك المظفر -وكان في طرف الميمنة على البحر- فتراجع عنهم شيئا، إطماعًا لهم لعلهم يبعدون عن أصحابهم، فينال منهم غرضا، فلما رآه السلطان قد تأخر ظن به ضعفا، فأمده بأطلابٍ عدةٍ من القلب حتى قوى جانبه، وتراجعت ميسرة العدو [٧٣] واجتمعت على تَلّ مشرف على البحر. ثم جاءت منهم حملة على عسكر ديار بكر، وكانت بهم غرة عن الحرب، فلم يصبروا وانكسروا كسرةً عظيمة، وسري كسرهم إلى انكسار معظم الميمنة، واتبع العدو المنهزمين إلى العياضيّة، وصعدت طائفة منهم إلى خيم السلطان، فقتلوا طشت دار (¬١) كان هناك. وفي هذا اليوم استشهد إسماعيل المكبِّس (¬٢) وابن رواحة (¬٣). وأما الميسرة فإنها ثبتت، فإن الحملة لم تصادمها. وأما السلطان فإنه أخذ يطوف الأطلاب يُنهضهم ويحثهم على الجهاد، وينادي فيهم "يأل الإسلام"، ولم يبق معه إلا خمسة أنفس، وهو يطوف على الأطلاب، ويتخارق الصفوف، ثم أوى إلى تحت التل الذي كان عليه الخيام. وأما المنهزمون، فإنهم بلغوا إلى الأُقحوانة (¬٤)، فقطعوا جسر طبريّة، وقوم وصلوا إلى دمشق. وأما المُتبعون فاتبعوهم إلى العياضيّة، ثم رجعوا عنهم، وقتلوا في الطريق جماعة من الغلمان والخاربنديّة (¬٥) والساسة المنهزمين، ثم جاءوا على رأس السوق، فقتلواجماعةً وقتل منهم جماعة أيضا فإن السوق كان فيه خلق عظيم، ولهم سلاح. ثم لما رأوا أن الميسرة الإسلامية ثابتة علموا أن الكسرة لم تتم، فعادوا منحدرين من التل يطلبون عسكرهم. وأما السلطان فإنه كان واقفا تحت التلّ ومعه نفر يسير، وهو يجمع الناس ليُعودوا إلى الحملة على العدو، ولما رآهم نازلين من التل أرادُوا لقاءهم، فصبّرهم السُلطان إلى أن ولّوا ظهورهم، فحملوا عليهم، وعاد الملك المظفر بجمعه من الميمنة، وتراجع الناس من كل جانب، فنصر الله الإسلام، وظل الناس في قتل وضرب وجرح، إلى أن اتصل المنهزمون السالمون إلى عسكر العدو، ثم رجع الناس عنهم بعد صلاة العصر، يخوضون في القتلى وهم فرحون مسرورون. وعاد السلطان إلى خيمته في ذلك اليوم فرحا مسرورا، فافتقدوا المسلمين، فكان مقدارُ ما فقد من الغلمان والمجهولين مائة وخمسين نفرا، ومن المعروفين استشهد ظهير الدين -أخو الفقيه عيسى- وكان قد وقع من فرسه، وقتل عليه جماعة من أقاربه، وقتل أيضا الأمير مجليّ، هذا الذي قتل من المسلمين. وأما من العدو فحرز سبعة آلاف نفر. قال الراوي (¬١): ورأيتهم وقد حملوا إلى شاطئ النهر ليلقوا فيه، فحرزتهم دون سبعة آلاف. ثم أن السلطان سارع في الكتب والرسل في رَدّ المنهزمين من المسلمين، حتى ردّوا البعض من عقبة فيق (¬٢). وكان الغلمان والحواشي نهبوا أموال الناس، فأمر السلطان بجمع ذلك كله، وأمر بالنداء بالوعيد والتهديد، فأحضروا شيئا كثيرا حتى صار بين يدي السلطان مثل التل، ثم أمر بردها على أصحابها، وصار مَن عرف شيئا وأعطي علامته أعطاه، وكان ذلك يوم الجمعة الثالث والعشرين من شعبان. ثم تحول السلطان إلى موضع يقال له الخروبة، وهو موضع قريب من مكان الوقعة، ونزل هناك يوم السبت الرابع والعشرين منه، ثم في سلخ الشهر [٧٤] جمع أعيان عسكره وقال: إن هؤلاء الكفار قد نزلوا في بلادنا، ووطئوا أرض الإسلام، ولا بد من الاهتمام بقلع هؤلاء، والله قد وجب علينا ذلك، وأنتم تعلمون أن هذه عساكرنا وليس وراءنا نجدةننتظرها سوى الملك العادل، وهو واصل إن شاء الله، وهذا العدو إن بقي وطال أمره إلى أن ينفتح البحر جاءهم مدد عظيم، والرأي كل الرأي عندي مناجزتهم، فليتكلم كل منكم ما عنده في ذلك، وكان ذلك في ثالث عشر تشرين من الشهور الشمسية، فامتخضت الآراء، ثم اتفقت أن المصلحة تأخير العسكر إلى الخروبة لتتراجع أنفسهم إليهم، فقد أخذ منهم التعب، واستولى على نفوسهم الضجر، ولهم خمسون يوما تحت السلاح وفوق الخيل، والخيل قد ضجرت من عَرْك اللُّجم، وسئمت نفوسها ذلك، ويصل الملك العادل ويشاركنا في الرأي، فوافقهم السلطان على ذلك لكونه قد حصل له مرض من كثرة ما حمل على قلبه، وما عاناه من التعب وحمل السلاح، فأقام هناك منتظرا أخاه الملك العادل إلى يوم الاثنين عاشر رمضان (¬١). ثم أن السلطان أرسل إلى مصر يطلب أخاه العادل، ويستعجل الأصطول، فوصل إليه الأسطول في خمسين قطعة مع الأمير حسام الدين لؤلؤ، وكان مظفرا شجاعا، وظفر ببُطسة للفرنج، فأخذها ودخل بها إلى عكار، فقويت قلوب المسلمين لذلك، وكذلك وصل الملك العادل بعسكر مصر في منتصف شهر شوال (¬٢). وقال العماد: وكان وصول الأصطول المنصور من مصر يوم الثلاثاء السادس عشر من ذي القعدة في المراكب المستعدة بالبأس والشدّة، وكانت عدته خمسين شينيًا، فأول ما ظفر الأسطول المنصور بشينيّ للفرنج عظيم الشأن، فقتل مقاتليه، فوقعت بُطسته الكبرى ببطسة كبيرة، تشتمل على ميرة لهم وذخيرة واسعة. وتفرقت سُفن الفرنج أيدي سبأ. وفي مدة هذا الحصار وصل إلى الإفرنج في مراكب ثلاثمائة امرأة إفرنجية مستحسنات الوجوه، اجتمعن من الجزائر، [وسبَّلن] (¬٣) أنفسهنّ لله تعالي بزعمهن، والتزمن أن لا يمنعن أنفسهن ممن أرادَ وطأهن من مقاتلي الفرنج، وزعمن أن هذه قرْبة للمسيح ما فوقها قربة، لا سيما إذا أمكن ممن اجتمعت فيه عزيمة مع إقدام على القتال (¬٤).