بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 412, entry [154]6,255 chars
ذِكر مَنْ تُوفي في هذه السّنة من الأعيان الحافظ أبو بكر محمد بن موسى بن عثمان بن حَازم الحازمي الهمذاني، صَاحب التصانيف على صغر سنه، منها: "العجالة في النسب" (¬٤)، و "الناسخ والمنسوخ" (¬٥) وغيرهما، وكان مولده سنة ثمان أو تسع وأربعين وخمسمائة، وتوفي في الثامن والعشرينمن جمادى الأولى من هذه السنة ببغد…
▸ expand full passage (6,255 chars)ذِكر مَنْ تُوفي في هذه السّنة من الأعيان الحافظ أبو بكر محمد بن موسى بن عثمان بن حَازم الحازمي الهمذاني، صَاحب التصانيف على صغر سنه، منها: "العجالة في النسب" (¬٤)، و "الناسخ والمنسوخ" (¬٥) وغيرهما، وكان مولده سنة ثمان أو تسع وأربعين وخمسمائة، وتوفي في الثامن والعشرينمن جمادى الأولى من هذه السنة ببغداد، ودفن في الشونيزية إلى جانب سمنون بن حمزة مقابل قبر جنيد ﵁، وفرّق كتبه على أصحاب الحديث، ونسبته إلى جدّه حازم بالحاء المهملة والزاي المعجمة (¬١). الشيخ محمد بن قائد الزاهد (¬٢)، من أهل أوَانا (¬٣) قرية بالدُجَيْلُ (¬٤)، وكان صاحب كرامات وإشارات ومجاهدات ورياضات وكلام على الخواطر وبيان عما في الضمائر، وكان يجتمعُ عنده في المواسم خلق عظيم، وكان قد أُقعِد زمانًا، وكان يُحمل في محفة إلى الجامع يوم الجمعة، واستشهد في هذه السنة على يدي اثنين من الإسماعيلية أرسلهما سِنان (¬٥) إليه في زىّ الصُوفية، وقتلا معه تلميذه عبد الحميد، وكان سبب ذلك أن شخصًا يُقال له زَرزُور أتى إلى جامع أُوانا فوعظ فيه وسبّ الصحابة، فبلغ الشيخ ذلك فأمر العوام فرجموه، وهرب إلى سنان مقدّم الإسماعيلية وحكى له ذلك، فأرسل سنان اثنين وأتيا وأقاما عند الشيخ بالرباط (¬٦) تسعة أشهر يَصُومان ويصليان وهو لا يعرفهما، وكانا يتوقعان فرصةً، وقال الشيخ لأصحابه: يوم الأربعاء تَحْدُثُ ها هنا حادثة عظيمة. وكان عنده ودائع الناس فردّها على أصحابها، وقال لخادمه عبد الحميد: لك فيما يجري ها هنا نصيب. ولما كان يوم الجمعة جاء أحد الاثنين إلى الرباط فأغلق بابه، وجاء الآخر إلى الشيخ فقال: يا سيدي ناولني يدك لأقبلها، فأعطاه يده فصافحه باليسار، فقال: ويحك أين اليمين؟!. فقال: هو ذا، فأخرج يده اليمنى وفيها السكين فضربه بها في جوفه،وسقط ما في بطنه بين يديه ومات، وضرب الآخر عبد الحميد فقتله، فوقع الصائح وهربا، ومرابين البساتين على فلاح يسقى بُستانًا وبيده مَرٌّ (¬١) يعدل به [٦٤] الماء. فرآهما مُريبين، فحمل على أحدهما فضربه بالمرّ، ففلق رأسه فوقع ميتًا، وحمل الآخر على الفلّاح فاتقاه بالمَرّ فقتله، ثم وقف الفلاح يفكر ويقول: لم قتلت هذين وعليهما زيّ الفقر؟! ثم أنه لما سمع الصياح والصراخ جاء إلى الرباط فسأل، مَن قتل الشيخَ؟ قالوا: كان عنده فقيران من صفتهما كذا وكذا، فقال: تعالوا فجاؤا، فرأوهما مقتولين، فتعجبوا وقالوا له: علمت الغيب. قال: لا والله، بل أُلهمت إلهامًا. فأحرقوهما. وكان والي "أُوانا" شخصًا يقال له: مسعود الخادم، غضب عليه الخليفة، فاستصفى أمواله ومات تحت الضرب، وألقى في دجلة، وكان عمر الشيخ حين قُتل قد جاوز التسعين والله أعلم. خالص بن عبد الله، خادم الإمام الناصر ولقبه مجاهد الدين، مات في هذه السنة، وكان قريبًا من الخليفة، فسلم إليه مماليكه الخواص، وكان سليم الصدر ديّنا (¬٢). صاحب تكريت عيسى بن مودود (¬٣)، ويلقب بفخر الدين، كانت له أخوة على وأرغش وغيرهما، فاغتاله على فقتله، وأظهر أن غلمانه قتلوه، وكان حسَن السيرة جوادًا لا يدخر شيئًا، ولا يرد سائلًا، ولا يخيب قاصدًا، وكان فاضلًا، ومن شعره: أرى الأيامَ محكوم عليها … ولا حكم لها فعلامَ عَتبُ فلا تتوهمن الأمر سهلًا … والله إن الأمرَ صعب قضاءُ الله مقدورٌ علينا … ولكن فيه للإنسان كسبُ أُسَامَةُ بن مُنْقِذ (¬٤)، وهو أبو المظفر أسامة بن مُرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني الكلبي الشَّيْزري، الملقب مؤيد الدولة مجد الدين، من أكابر بني منقذ أصحاب قلعة شيزر وعلمائهم وشجعانهم، له تصانيف عديدة في فنون الأدب، وله ديوانشعر في جزءين ذكره ابن المستوفى (¬١) وأثنى عليه، وعدّه في جملة من ورد عليه وأورد له مقاطيع من شعره. وذكره العماد في الخريدة (¬٢)، وقال بعد الثناء عليه سكن دمشق ثم انتقل إلى مصر، فبقى بها مؤمرًا يشار إليه بالتعظيم إلى أيام الصالح بن رُزيك، ثم عاد إلى الشام، وسكن دمشق، ثم رماه الزمان إلى حصن كيفا، فأقام بها حتى ملك السلطان صلاح الدين دمشق، فاستدعاه وقد شيّخ فجاوز الثمانين. وقال العماد (¬٣): وقد كنت أتمنى أبدًا لقياه، حتى لقيته في صفر سنة إحدى وسبعين وسألته عن مولده، فقال: يوم الأحد السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثمان وثمانين وأربع مائة بقلعة شيزر. وتوفي ليلة الثلاثاء الثالث والعشرين من شهر رمضان سنة أربع وثمانين وخمسمائة بدمشق، ودفن من الغد بجبل قاسيون. وتوفي والده أبو أسامة مرشد سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة. وقال ابن خلكان (¬٤): ورأيت ديوانه بخطه، ونقلت منه (¬٥): لا تَستعرْ جَلَدا على هجرانهم … فقُواكَ تضعفُ (¬٦) عن صُدودٍ دائمِ واعلم بأنكَ إنْ رَجَعتَ إليهمُ … طوعًا وإلا عُدْتَ عَوْدةَ رَاغمِ [٦٥] وقال: ونقلت من خطه لنفسه، وقد قلع ضرسه، وقال: عملتهما ونحن بظاهر أخلاط، وهو معنى غريب يصلح أن يكون لغزًا في الضرس: وصاحب لا أَملّ الدهْرَ صُحْبتَه … يَشْقى لِنفْعي ويَسعي سعي مُجتهدِ لم أَلْقَه مُذ تَصاحَبْنا فحين بَدا … لناظِرَيَّ افترقنا فُرقةَ الأَبدِ ورُوي: مذ وقعَت عَيْني عليه افترقنا فرقة الأبد (¬٧). أبو محمد عبد الله بن علي بن عبد الله بن سويدة التكرِيتي (¬٨): كان عالمًابالحديث وله تصانيف حسنة، وهو شيخ ابن الأثير، وقد ذكره في هذه السنة وقال: توفي فيها شيخنا أبو محمد المذكور (¬١). علاء الدين يُتامِش (¬٢): توفي بمصر، وحمل تابوته إلى مشهد الحسين (¬٣) بن على ﵄. الأخلاطيّة زوجة الإمام الناصر: توفيت في هذه السنة واسمها سلجوقي (¬٤) خاتون بنت قليج أرسلان بن مسعود صاحب الروم (¬٥). وفي المرآة (¬٦): قدمت بغداد في سنة ثلاث وثمانين، وحجت وعادت إلى حصن كيفا، ومات زوجها فعادت إلى بغداد في سنة أربع (¬٧) وثمانين، فتزوجها الخليفة (¬٨) فحظيت عنده، فحكَّمها في داره، وفي الحرائر والدولة. فتوفيت يوم الاثنين ثاني ربيع الأول فجأة، وحزن عليها الخليفة حزنًا لم يحزن رجل على امرأته مثله، بحيث أقامت دورها ومقاصيرها سنين لم تفتح. وكانت كثيرة الصدقات والمعروف، وبنت تربةً عند عون ومعين الدين (¬٩)، ودفنت بها، فبنى الخليفة إلى جانبها رباطًا للصوفية، ووقف على التربة وعليه أوقافًا عظيمةً، ونقل إلى التربة الكُتُب النفيسةَ، وأمر الناسَ بالتردد إلى تربتها في كل ليلة رجب ونصف شعبان، ويحضر الوزير وأرباب الدولة والوُعاظ والفقهاء والقراء، ويحضر الخليفة مختفيًا فيجلس في شباك، ويتكلم الوُعاظ وينشد الشعراء من وقت العصر إلى غروب الشمس، ويمضي الوزير وأرباب الدولة، ويبقى الوعاظ والقراء يعظون بطول الليل، فإذا كان وقت السحر فرقت فيهم الحلاوات الكثيرة، والخشانك (¬١٠) وغير ذلك. وعمل لها سبيلًا يخرج عنها في كل سنة تنفق فيه أموال كثيرة (¬١١).فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الخامسة والثمانين بعد الخمسمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة الناصر لدين الله، والسلطان صلاح الدين يوسف مقيم على عكّا، والأمر مستقيم. فوصل إليه جماعة من مصر، فأمرهم بالإقامة فيها محافظة على الحماية، وأمر بهاء الدين قراقوش بإتمام بناء السور، وولي الأمير حسام الدين بشارة بعكا واليًا، ثم خرج السلطان وسار على طبريّة ودخل دمشق مستهل صفر من هذه السنة (¬١). وفي تاريخ بيبرس (¬٢) أن السلطان قدم عكا في أول هذه السنة، والصحيح أن السنة دخلت وهو مقيم على عكا. وذكر صاحب النوادر (¬٣) أنه كان مع السلطان، وأنه وصل إلى عكا في أواخر ذي الحجة من السنة الماضية، [٦٦] وأنه أقام بعكا معظم المحرم من سنة خمس وثمانين وخمسمائة. ثم سار حتى دخل دمشق في مستهل صفر منها، وأقام حتى دخل ربيع الأول، وفيه جاء رسل الخليفة إليه كما نذكره إن شاء الله تعالى (¬٤).