بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 392, entry [134]7,241 chars
ذكرُ من توفي فيها منَ الأَعْيان الشيخ عبد المغيث (¬٤) بن زهير الحَرْبي، كان من صلحاء الحنابلة، وكان يُزار، وله مصنف في فضل يزيد بن معاوية أتى فيه بعجائب وغرائب، وقد ردّ عليه ابن الجوزي في هذا الكتاب، فأصاب وأجاد، ومن أحسن ما اتفق لعبد المغيث هذا أن بعض الخلفاء وأظنه الناصر (¬٥) جاءه للزيارة مختفيًا،…
▸ expand full passage (7,241 chars)ذكرُ من توفي فيها منَ الأَعْيان الشيخ عبد المغيث (¬٤) بن زهير الحَرْبي، كان من صلحاء الحنابلة، وكان يُزار، وله مصنف في فضل يزيد بن معاوية أتى فيه بعجائب وغرائب، وقد ردّ عليه ابن الجوزي في هذا الكتاب، فأصاب وأجاد، ومن أحسن ما اتفق لعبد المغيث هذا أن بعض الخلفاء وأظنه الناصر (¬٥) جاءه للزيارة مختفيًا، فعرفه الشيخ ولم يُعلمه أنه قد عرفه، فسأله الخليفة عن يزيد أيُلعَنُ أم لا؟ فقال: لا أُسوِّغ لعنته؛ لأني لو فتحت هذا الباب لَلَعن الناسُ خليفتنا، قال: ولم؟ قال: لأنه يفعل أشياء منكرة منها كذا وكذا، ثم شرع يعدّ على الخليفة ما يقع منه من المنكرات لينزجر عنها، فتركه الخليفة وخرج من عنده، وقد أثَّر كلامه له، ثم كانت وفاته في المحرم من هذه السنة (¬٦). الشيخ علي بن خطاب بن طغر، الناسك، أحد الزهاد ذوى الكرامات، وكان مقامه بجزيرة ابن عمر (¬٧). قال ابن الأثير (¬٨): لم أر مثله في حسن [٥٢] خلقه وسمته وكرمه وعبادته.قَاضي القُضَاة ببغداد أبو الحسن علي (¬١) بن أحمد بن علي بن محمد الدامغاني الحنفي، كان عالمًا فاضلًا صائنًا كامل العقل عفيفًا نزِها جميل السيرة، محمود الأفعال، حسن المعرفة بالقضاء والأحكام، كريم الأخلاق، مهيبًا، وقورًا، جميلًا. سمع الحديث من أبي القاسم هبة الله، والأنماطي وغيرهما، وحدّث باليسير، ولي القضاء برَبْع الكَرْخ (¬٢) بعد وفاة والده يوم الأحد منتصف جمادى الأولى سنة أربعين وخمسمائة، ولم يزل على ذلك إلى أن تولى قضاء القضاة يوم الاثنين منتصف ذي الحجة سنة ثلاث وأربعين، وخلع عليه بالديوان، وشافهه الخليفة بالولاية عوضا عن قاضي القضاة أبي القاسم علي بن الحسن الزينبي بحكم وفاته، وعمره إذ ذاك ثلاثون سنة، فلم يزل على قضاء القضاة إلى أن عزله المستنجد يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من جمادى الأخرى سنة خمس وخمسين وخمسمائة. فكانت مدة ولايته إحدى عشرة سنة وستة أشهر، فلزم بيته بنهر القلائين (¬٣)، منعكفًا على الاشتغال بالعلم، وكان يقول: أنا على ولايتي وكل القضاة نوابي؛ لأن القاضى إذا لم يظهر فسقه لا يجوز عزله. ثم أعيد بولاية جديدة يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة سبعين وخمسمائة، واستمر على ذلك إلى أن توفي عشية يوم السبت الثامن والعشرين من ذي القعدة سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وصلى عليه يوم الأحد بجامع القصر، وحمل إلى مقبرة الشوينزِيَّة (¬٤)، فدفن عند جده لأمّه أبي الفتح، وكان مولده في سنة ثلاث عشرة وخمسمائة (¬٥).الفقيه أبو الفتح نصر بن فتيان بن مطر الحنبلي المعروف بابن المنِّي (¬١)، كان زاهدًا عالمًا، عابدًا، مولده سنة إحدى وخمسمائة، وتوفي في خامس رمضان منها. وممن تفقه عليه من المشاهير: الشيخ موفق الدين بن قدامة، والحافظ عبد الغني، ومحمد بن خلف بن راجح، والناصح عبد الرحمن بن النجم بن عبد الوهاب، وعبد القادر ابن الشيخ عبد القادر وغيرهم (¬٢). شيخ الفتيان ببغداد عبد الجبار بن صالح، من أهل باب الأزج (¬٣)، لبس منه الإمام الناصر سراويل الفتوة (¬٤)، وكان شيخ صالحًا يعمل في البساتين، وكانت له صومعة بباب كلواذا (¬٥) يَتعبّد فيها، وحج في هذه السنة، وتوفي بمكة، فدفن بالمعلى (¬٦). ابن نقطة (¬٧) عبد الغني بن أبي بكر بن شجاع الزاهد، كانت له زاوية ببغداد يأوي إليها الفقراء، وكان ديّنا جوادًا، لم يكن ببغداد في عصره مَن يقاومه في التجريد، كان يفتح عليه قبل غروب الشمس بألف دينار، فيفرقها والفقراء صيام، فلا يدخر لهم منها شيئًا، ويقول: نحن لا نعمل بأجرة. يعني لا نصوم وندخر ما نفطر عليه، وكانت والدة (¬٨) الخليفة الناصر تحسن الظن به، زوَّجته جارية من خواصها، ونقلت معها جهازًا يُساوي عشرة آلاف دينار، فما حال الحول وعنده منها سوى هاون (¬٩)، فجاء فقير فوقف على الباب، وقال: لي ثلاثة أيام ما أكلت شيئًا. فأخرج إليه الهاون وقال: لا تشنع على الله،كُلْ بهذا ثلاثين يومًا، وكان له أخ يقال له: أبو منصور بن نقطة مُزَكلِشْ ينشد في الأسواق ويُسحّر [٥٣] الناس في رمضان، فقيل له: ألا تستحي؟! أخوك زاهد العراق وأنت تُزكلش في الأسواق. فقال مواليا: قد خاب من شبه الجزعة إلى درة … وسَامَ قحبةَ إلى مستحسنة حرّة أنا مغنى وخي زاهد إلى مَرّة … في الدار بيرين ذي حلوة وذي مُرة وكانت وفاته يوم الثلاثاء الرابع من جمادى الآخرة، ودفن بزاويته. ابن التعاويذي (¬١) الشاعر، أبو الفتح محمد بن عبيد الله بن عبد الله الكاتب المعروف بابْن التعاويذي، الشاعر المشهور، وكان أبوه مولى لابن (¬٢) المظفر واسمه نُشتَكِين (¬٣)، فسمي والده عبيد الله، وهو سبط أبي محمد المبارك بن المبارك بن على بن نصر السراج الجوهري الملقب جمال الدين، وإنما نسب إلى جده المذكور لأنه كفله صغيرة، ونشأ في حجره فنسب إليه. وكان أبو الفتح (¬٤) المذكور شاعر وقته، لم يكن فيه مثله، جمع شعره بين جزالة الألفاظ وعذوبتها، ورقة المعاني ودقتها، وكان كاتبًا بديوان المقاطعات (¬٥) ببغداد، وعمي في آخر عمره سنة تسع وسبعين، وله في عَماه أشعار كثيرة، يرثى عينيه، ويندب زمان شبابه وتصرفه، وكان قد جمع ديوانه بنفسه قبل العمى، وصنف كتابًا سماه "الحجبة والحجاب" وهو قليل الوجود. وكانت ولادته في العاشر من رجب يوم الجمعة سنة تسع عشرة وخمسمائة، وتوفي في ثاني شوال سنة ثلاث أو أربع وثمانين وخمسمائة ببغداد، ودفن في باب أبرز. والتعاويذي نسبة إلى كتبه التعاويذ، وهي الحُروز (¬٦) واشتهر (¬٧) بها أبو محمد المبارك بن المبارك المذكور (¬٨).أبو الفضل (¬١) أستادار بن الصاحب، واسمه هبةُ الله بن علىّ بن هبة الله الملقب بمجد الدين. ولاه المستضيء أستاذ الدار، وأقره الناصر وقربه تقريبًا زائدًا، فبسط يده في الأموال وسفك الدماء، وسبّ الصحابة ظاهرة، وبطر بطرًا شديدا، وكثرت السعايات فيه إلى الخليفة، وأشير عليه بقتله، فاستدعى يوم السبت تاسع عشر ربيع الأول إلى دار الخلافة، فعلم أنه مقتول، فاغتسل غسل الميت وودّع أهله، وخرج فمر على دار الطبل (¬٢) قبيل الظهر، فقال لعريف الطبالين: دخل الوقت. فقال: قد قرب. فتطيّر، فلما حُصّل في بعض الدهاليز (¬٣) وثب عليه ياقوت شحنة بغداد فقتله، وماجت بغداد، فأخرج رأسه فعلّق على باب النوبي، فسكن الناس. وعمره إحدى وأربعون سنة، ووجد في داره ما لم يُوجد في دور الخلفاء، فمن العين ألف ألف دينار وخمسمائة دينار، ومن الخيل والبغال [المماليك] (¬٤) والجواهر والثياب مثل ذلك. الأمير شمس الدين (¬٥) بن محمد بن عبد الملك بن المقدم، أحد نواب السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب قتل في مكة في هذه السنة، وكان أمير الحاج على ما ذكرناه مفصلا. وفي المرآة (¬٦): وهو الذي سلم سنجار إلى نور الدين، وصلاح الدين أعطاه بعلبك ثم عوضه عنها ببارين وغيرها، وصلاح الدين لما توجه إلى الشرق استنابه بالشام، وله المواقف المشهورة في الغزوات، وحضر حطين والقدس وعكا وفتوح الساحل، ولما حج وقع الحربُ [٥٤] بينه وبين طاشتكين أمير حاج العراق، وقتل من الفريقين جماعة، ورماه مملوك طاشتكين بسهم فوقع في عينه فخرّ صريعًا، وجاء طاشتكين فحمله إلىمني، فتوفي يوم الخميس، يوم عيد الله الأكبر، وصلى عليه (¬١) بمسجد الخيف (¬٢)، ودفن بالمعلى. ولما بلغ السلطان صلاح الدين خبره بكى بكاء عظيمًا، وحزن حزنًا كبيرا، وقال: قتلني الله إن لم أنتصر له، وتأكدت الوحشة بينه وبين الخليفة، فقال: أنا الجواب، ثم استعد للجواب. الأميرُ محمود أخو جاولي، استشهد في هذه السنة، وسبب ذلك أن السلطان وكله بحصر قلعة كوكب (¬٣) التي على الغور، وكانت فيها الإستبارية، وقد كانوا تمنعوا بشدتهم ومنعتهم، وكانت قلعتهم هذه منيعة عاليًا مرتفعًا، ولما ملك صلاح الدين الساحل، وهلك الباطل، وافتتحت طبريّة وأعمالها، تمنعت من ذلك قلعتان: قلعة صفد (¬٤) بالداوية، وقلعة كوكب بالإستبارية، وتعذر فتحهما، ورتّب السلطان علي صفد جماعة يعرفون بالناصريّة ومقدمتهم مسعود الصلتي، ورتب على كوكب هذه محمودًا المذكور، وكان ديّنا صالحًا مشكور السيرة، فأقام بحصنٍ قريب من كوكب يُقال له: [عفربلا (¬٥)]، وكان يَسْهر أكثر ليله متهجدًا، وقد جعل منزله مَسجدا. فلما كان آخر ليلة من شوال وكانت ليلة مظلمة مدلهمة، خرج أهل كوكب وقت السحر، ومضوا إليه والناسُ رقود والحراسُ هجُود، فما أحس محمود إلا وقد هجم الفرنج عليهم، فجاءتهم الشهادة، وبقي الأميرُ حتى استشهد محصورًا. وكان أمر الله قدرة مقدورا، ونقلوا إلى القلعة ما وجدوه من سلاح ومتاع وخيل وكراعة (¬٦)، فلما عرف السلطان ما أصابهم ندب إلى الكوكب صارم الدين قايْماز النجْمي، فضايقها وحصرها، ولم يزل عليها مقيمة إلى أن يسّر الله بفتحها كما نذكره إن شاء الله تعالى (¬٧).فَصْلٌ فيما وقعَ من الحَوادِثِ في السنة الرابعة والثمانين بعد الخمسمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة هو الناصر لدين الله، والسلطان صلاح الدين مقيم على عكا.