بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 252, entry [66]4,076 chars
ذكر بناء الإفرنج قلعة عند بيت الأحزان (¬٧) وفي هذه السنة بنت الإفرنج -لعنهم الله- قلعة عند بيت الأحزان للداوية (¬٨)، فجعلوه مرصادًا لحرب المسلمين وقطع طرقاتهم عليهم، ونقضت ملوكهم العهد التي كانت بينهم وبين صلاح الدين، وأغاروا على نواحي البلدان من كل جانب؛ ليشغلوا المسلمين عنهم وتتفرق جيوشهم، فلا تجت…
▸ expand full passage (4,076 chars)ذكر بناء الإفرنج قلعة عند بيت الأحزان (¬٧) وفي هذه السنة بنت الإفرنج -لعنهم الله- قلعة عند بيت الأحزان للداوية (¬٨)، فجعلوه مرصادًا لحرب المسلمين وقطع طرقاتهم عليهم، ونقضت ملوكهم العهد التي كانت بينهم وبين صلاح الدين، وأغاروا على نواحي البلدان من كل جانب؛ ليشغلوا المسلمين عنهم وتتفرق جيوشهم، فلا تجتمع في بقعة واحدة. فرتب السلطان ابن أخيه تقي الدين عمر بثغر حماة، ومعه شمس الدين بن المقدم، وسيف الدين علي بن أحمد المشطوب. وبثغر حمص ابن عمه ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه، وبعثإلى أخيه سيف الدين أبي بكر، وهو الملك العادل نائب مصر (¬١)، يأمره أن يرسل إليه بألف وخمسمائة فارس يستعين بهم على قتال الإفرنج. وكتب إلى الإفرنج يأمرهم بتخريب هذا الحصن الذي بنوه للداوية، فامتنعوا إلا أن يبذل لهم ما غرموه عليه، فبذل لهم [ستين] (¬٢) ألف دينار، فلم يقبلوا، فوصَّلهم إلى مائة ألف دينار، فأبوا، فقال له ابن أخيه تقي الدين عمر: ابذل هذه في أجناد المسلمين، وسر إلى هذا الحصن، ففعل ذلك (¬٣). ثم استهلت سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وكان السلطان صلاح الدين نازلا بجيشه على تل [القاضي (¬٤)] بِبَانِياس، ثم قصده الإفرنج بقضهم وقضيضهم، فنهض إليهم فالتقاهم، فما هو إلا أن تواجه الفريقان حتى أنزل الله تعالى نصره، فانهزمت الإفرنج وقتل منهم خلق كثير، وأسر منهم جماعة من ملوكهم، منهم: مقدم الداوية، ومقدم الاستبارية، وصاحب الرملة، وصاحب طبرية، وقسطلان (¬٥) يافا، وآخرون من ملوكهم، وخلق من شجعانهم وأبطالهم، ومن فرسان القدس جماعة كثيرون قريبًا من ثلثمائة أسير (¬٦) من أشراف (¬٧) النصارى. وفي تاريخ بيبرس: وكان فيمن أسر بادين بن بارْزان (¬٨)، وأود (¬٩)، [و] (¬١٠) ابن القمصية (¬١١)، وأخو صاحب جبيل (¬١٢)، فحملوا إلى قلعة دمشق، فاعتقلوا بها. فأما ابن بارزان فاستفك نفسه بجملة عظيمة وبألف أسير، واستفك ابن القومَصية أيضًا، ومات أُوْد في السجن (¬١٣).وقال العماد الكاتب: لما أُسِرَ هؤلاءِ استعرضهم السلطان في الليل، حتى أضاءَ الفجر، وصلى يومئذ الصبح بوضوءِ العشاءِ. وقد كان السلطان جالسًا ليلتئذ (¬١) في نحو العشرين، وهم في هذه العدة، فسلمه الله منهم، ثم أرسلهم (¬٢) إلى دمشق، ليُعْتَقَلوا (¬٣) بقلعتها، فافتدى ابن بارزان صاحب الرملة نفسه بعد سنة بمائة ألف دينار، وخمسين ألف دينار صورية (¬٤)، وإطلاق ألف أسير من بلاده. وكذا افتدي جماعة منهم أنفسهم بأموال جزيلة وتحف جليلة. ومنهم من مات في السجن فانتقل منه إلى سجِّين (¬٥). واتفق أنه في اليوم الذي ظفر فيه السلطان على الفرنج بمرج عيون هذا، ظفر الأصطول على بَطسَة (¬٦) للإفرنج في البحر وأخرى معها، فغنموا منها ألف أسير من السبي، وعاد إلى الساحل مؤيدًا منصورًا. وقد امتدح الشعراء السلطان في هذه الغزوة بمدائح كثيرة، وكتب بذلك إلى بغداد، فدقت البشائر بها فرحًا وسرورًا. وقد كان الملك المظفر تقي الدين عمر غائبا عن هذه الوقعة، مشتغلا بما هو أعجب منها؛ وذلك أن ملك الروم قليج أرسلان بعث يطلب حصن رَعْبَان (¬٧)، وزعم أن نور الدين محمود اغتصبه منه، وأن ولده قد أغضى (¬٨) له عنه، فلم يجبه إلى ذلك السلطان. فبعث صاحب الروم عشرين ألف مقاتل يحصرونه، فأرسل السلطان تقي الدين عمر في ثمانمائة (¬٩) فارس، منهم سيف الدين علي بن أحمدالمشطوب، فالتقوا بهم، فهزموهم بإذن الله. فاستقرت يد الملك الناصر صلاح الدين على حصن رعبان، وقد كان مما عُوِّضَ به ابن المقدم عن بعلبك. وكان تقي الدين عمر يفتخر بهذه الوقعة، ويرى أنه قد هزم عشرين ألفا، وقيل: ثلاثين ألفا بثمانمائة. وكان السبب في ذلك أنه بَيَّتَهُم وأغار عليهم وهم غارّون (¬١)، فما لبثوا أمامَه، بل فروا منهزمين عن آخرهم، فأكثر فيهم القتلى، واستحوذ على جميع ما تركوه في خيامهم. ثم ركب صلاح الدين في جحافله إلى الحصن الذي كانت الفرنج قد بنوه في سنة أربع وسبعين وخمسمائة، وحفروا فيه بئرًا، وسلموه إلى الداوية، فقصده السلطان فحاصره ونقبه من جميع جهاته، وألقى فيه النيران، فجعله دكًا وخربه إلى الأساس، وغنم ما فيه من الحواصل، فكان فيه مائة ألف قطعة من السلاح ومن المأكل كل شيءٍ، وأخذ منه سبعمائة أسير، فقتل بعضا، وأرسل إلى دمشق الباقين، ثم عاد إلى دمشق مؤيدا منصورا. غير أنه مات من أمرائه عشرة؛ بسبب ما نالهم من الحر والوباء في مدة الحصار، وكانت أربعة وعشرين يومًا (¬٢). وعاد الناس إلى زيارة مشهد يعقوب (﵇) على العادة القديمة، وكان الحصن المذكور الذي بناه الإفرنج قريبا من صفد، وكان عرض سوره عشرة أذرع، وارتفاعه أربعون ذراعا (¬٣)، وكان بيت الأحزان -الذي يزعمون أن يعقوب- (﵇) -كان- ينفرد فيه ويبكي على يوسف (¬٤) - كنيسةً، فجعله السلطان مسجدًا. وقد امتدحه الشعراء، فقال بعضهم وهو أحمد بن نقادة الدمشقي: هَلاكُ الفرنجِ أَتَى عاجِلًا … وَقدْ آَنَ تَكْسِيرُ صُلْبانِها ولو لم يكُنْ قدْ دَنا حَتْفُها … لما عمَّرَتْ بيتَ أحْزانِها (¬٥)