بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 203, entry [43]4,352 chars
ذكر ما جرى لصلاح الدين بعد انتصاره قال النويري (¬٣): لما رجع الحلبيون إلى حلب وهم منهزمون ندموا على نقضهم الأيمان ومخالفتهم لطاعة الرحمن، وشقهم العصا على السلطان، وتحصنوا بالبلد خوفا من وثوب الأسد بن أخي الأسد، وأسرع صاحب الموصل فوصلها، وما صدق حتى دخلها. وأما السلطان صلاح الدين فإنه لما فرغ من قسمة…
▸ expand full passage (4,352 chars)ذكر ما جرى لصلاح الدين بعد انتصاره قال النويري (¬٣): لما رجع الحلبيون إلى حلب وهم منهزمون ندموا على نقضهم الأيمان ومخالفتهم لطاعة الرحمن، وشقهم العصا على السلطان، وتحصنوا بالبلد خوفا من وثوب الأسد بن أخي الأسد، وأسرع صاحب الموصل فوصلها، وما صدق حتى دخلها. وأما السلطان صلاح الدين فإنه لما فرغ من قسمة ما غنم، أسرع المسير إلى حلب، فوجدهم قد حصنوها، والقلعة قد أحكموها، فقال: من المصلحة أن نبادر إلى فتح الحصون التي حول البلد، ثم نعود إليهم، فلا يمتنع علينا أحد منهم. فشرع يفتح الحصون حصنا حصنا، ويهدم من أركان دولتهم ركنا ركنا، ففتح بزاعة (¬٤) ومنبج، ثم سار إلى أعزاز (¬٥)، فأرسل (¬٦) الحلبيون إلى سنان مقدم الفداوية، فأرسل جماعة من أصحابه ليقتلوا صلاح الدين، فدخل طائفة منهم في زي الجند، فقاتلوا أشد القتال، حتي اختلطوا بهم، ثم وجدوا فرصة ذات يوم والسلطان ظاهر للناس، فحمل عليه واحد منهمفضربه بالسكين على رأسه، فإذا هي باللأمة (¬١)، فسلمه الله، غير أن السكين مرت على خده فجرحته جرحًا هينًا، ثم أخذ الفداوي رأس السلطان، فوضعه إلى الأرض (¬٢) ليذبحه ومَنْ حوله قد أخذتهم دهشة، ثم ثاب إليهم عقلهم، فبادروا إلى الفداوي، فقتلوه وقطعوا رأسه، ثم هجم آخر في الساعة الراهنة على السلطان، فَقُتِل، ثم هجم آخر على بعض الأمراء، فَقُتِل أيضًا، وهرب الرابع، فأُدرك فقُتل، وبطل القتال ذلك اليوم. ثم صمم السلطان على البلد ففتحه، وأقطعه ابن أخيه تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، وقد اشتد حنقه على أهل حلب؛ لما أرسلوا من الفداوية، وجاء فنزل تجاه البلد على جبل جوشن (¬٣)، وضربت خيمته على رأس الياروقية (¬٤)، وذلك في خامس عشر ذي الحجة من هذه السنة، وجبي الأموال وأخذ الخراج من القرى، ومنع أن يدخل البلد شيء أو يخرج منها شيء، واستمر حصاره إياها حتى انسلخت هذه السنة (¬٥). وفي تاريخ بيبرس: لما انهزم غازي، وغنم صلاح الدين وعسكره ثقله وثقل عسكره، سير طائفة إلى بزاعة فحصروها وقاتلوا من بها وأخذوها، ورتب بها من يحفظها، وسار إلى منبج، فملكها عنوة، وأخذ صاحبها أسيرا، وكان بينه وبين صلاح الدين عداوة قديمة، وهو قطب الدين ينال [بن حسان] (¬٦) المنبجي، ثم أطلقه فسار إلى الموصل، فأقطعه سيف الدين غازي الرقة، ثم دخل إلى أعزاز فنازلها وحصرها، وهي من أحصن القلاع، وقتل عليها كثيرا من العسكر، ثم ذكر حكاية الفداوية كما ذكرناها. وفي المرآة (¬٧): لما نزل صلاح الدين على منبج (¬٨) وبها قطب الدين ينال بن حسان فقاتله، واتفق وقوع ثلمة في السور، فطلب الأمان لنفسه، فأمَّنهُ، فخرج سليبًا، وأخذ صلاح الدين من الحصن ثلثمائة ألف دينار، وعرض عليه المقام عنده فامتنع وسار إلىصاحب الموصل كما ذكرناه. ثم سار السلطان ففتح حصن بُزَاعةَ ثم نازل أعزاز، فأقام عليها ثمانية وعشرين يومًا وفتحه في ذي الحجة من هذه السنة. وفي تاريخ الدولتين (¬١): وهنأ العماد الكاتب السلطان بقصيدة، منها: فالحمدُ للهِ الذي إفْضالُه … حُلُوُ الجنا، [عالى] (¬٢) السَّنا، وَضّاحُه عادَ العُدوُّ بظُلْمةٍ (¬٣) من ظلمهِ … في ليلِ وَيْلٍ قد خبا مِصْباحُه وَجَنَى عليه جَهلُه بوقوعهِ … في قبضَةِ البازِي فهِيضَ جناحُه (¬٤) حَمَلَ السلاحَ إلى القتالِ وما درَى … أنّ الذي يَجْنِي عليه سِلاحُهُ قال: وكان لعز الدين فرخشاه في هذه الوقعة يد بيضاء. وقال العماد: نظمت فيه قصيدة منها الأبيات (¬٥): نصرٌ أَنارَ [لمُلْكِكُم] (¬٦) بُرْهانُه … وَعلا لذِلَّةِ شانِئيكُم شانُه ما أسعد الإسلامَ وهو مظفّرٌ … وأبو المظفَّر يوسفٌ سُلْطانُه المُلكُ مرفوعٌ لكُم مِقْدارُه … والعدلُ موضوعٌ بكُم ميزانُه والدّهرُ لا يأتي بغيرِ مُرادِكم … [فهل] (¬٧) القضاءُ لأجلكم جَرَيَانُه [وكأنما] (¬٨) لله في أحكامِه … فَلَكٌ على إيثارِكُم دَوَرانُه فخرًا بني أيوب، إنَّ فَخَارَكم … بذَّ الملوكَ السابقين رهانُه يكفي حسودَكم اعتقالًا همُّه … فكأنما أشْجَانُه أسْجَانُهُالدِّينُ، عزَّ الدين، عزَّ بنصرِكُم … والكفر ذُلَّ بعونِكُم أعوانُه قد كان [جيشكُمُ] (¬١) كَبَحرٍ زاخرٍ … واللابِسُون جواشنًا (¬٢) حيتانُه. وقال العماد أيضا في فتح منبج قصيدة منها قوله: نُزولك في منبج … على الظَفَر المُبهجِ ونُجحك في المرتجَى … وفتحك للمُرْتج دليل على كلّ (¬٣) ما … تحاول أو تَرْتَجِي أمورك فيما ترو … مُ واضحةُ المَنْهَجِ وشانيك دامي الشئو … ن منك، شقي، شجي. وقال ابن أبي طي (¬٤): لما ملك السلطان منبج وتسلم الحصن صعد إليه وجلس يستعرض أموال ابن حسان وذخائره؛ فكان في جملة أمواله ثلثمائة ألف دينار، ومن الفضة والآنية الذهبية والأسلحة والذخائر ما يناهز ألفي ألف دينار. فحان من السلطان التفاتة فرأي مكتوبا على الأكياس والآنية يوسف، فقيل له: ولد يؤثره ويحبه اسمه يوسف كان يدّخر هذه الأموال له. فقال السلطان: أنا يوسف وقد أخذت ما خُبيء لي. فتُعُجِبَ [٢٠٢ ظ] من ذلك. وقال العماد أيضًا قصيدة في فتح أعزاز (¬٥)، منها: أعطاه رب العالمين دولة … عزة أهل الدين في إعزازِها حاز العُلا ببأسِه وجودِه … وهو أحق الخلق باحْتيازهاإلى أن قال: تهنَّ من فتح عزاز نصرة … أوقعت العداة في اعتزازها واليوم ذُلّت حلب، فإنَّها … كانت تنال العزَّ من عزازِها وحلب تنفي كمشتكينها … كما انتفت بغداد من قيمازِها