بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 173, entry [38]19,394 chars
ذكرُ تملك صلاح الدين دمشق وأخذه من الملك الصالح بن نور الدين ولما مات نور الدين في التاريخ الذي ذكرناه، وتولي عوضه ولده إسماعيل، وطمعت الفرنج في بلاد الشام، واختلفت آراء أمراء الشام، وعزم السلطان صلاح الدين للتوجه إلىالشام، لأخذها وحفظها من الإفرنج، ولكنه عرض عليه أمران: الأول: مجئ الإفرنج إلى بلاد …
▸ expand full passage (19,394 chars)ذكرُ تملك صلاح الدين دمشق وأخذه من الملك الصالح بن نور الدين ولما مات نور الدين في التاريخ الذي ذكرناه، وتولي عوضه ولده إسماعيل، وطمعت الفرنج في بلاد الشام، واختلفت آراء أمراء الشام، وعزم السلطان صلاح الدين للتوجه إلىالشام، لأخذها وحفظها من الإفرنج، ولكنه عرض عليه أمران: الأول: مجئ الإفرنج إلى بلاد مصر، والثاني: مخالفة كنز المقدم بأسوان، فلنذكر الأمرين أولًا، ثم نذكر أخذ صلاح الدين دمشق. أما الأمر الأول فقد قال ابن كثير (¬١): استهلت هذه السنة والسلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب على عزم الدخول إلى الشام؛ ليحفظه من أيدي الإفرنج المخذول، ولكنه قد دهمه أمر شغله عنه. وذلك أن الفرنج قدموا إلى ساحل البلاد المصرية في أسطول لم يسمع بمثله؛ في كثرة مراكبه وما فيه من آلات الحصار، وكثرة الرجال والمقاتلة، في جملة ذلك؛ مائتا شيني في كل منها مائة وخمسون مقاتلا، وأربعمائة قطعة أخرى. وكان قدومهم من صقلية إلى ظاهر إسكندرية قبل رأس السنة بأربعة أيام، فنصبوا المنجنيقات والدبابات حول البلد، وبرز إليهم أهلها، فقاتلوهم دونها قتالًا شديدًا، واستمر القتال أياما، وقتل من كل الفريقين خلق كثير، ثم اتفق أهل "البلد" (¬٢) على تحريق ما نصبوه من المنجنيقات والدبابات، ففعلوا ذلك، فأضعف ذلك قلوب الإفرنج وفنَّد في أعضادهم، ثم كبسهم المسلمون في منازلهم، فقتلوا من أحبوُا وأرادوا، وغنموا ما شاءوا واختاروا. وانهزم الكفار في كل وجه، ولم يكن لهم ملجأ إلا البحر أو القتل أو الأسر، واستحوذ المسلمون على أموالهم وأثقالهم وخيولهم، وما ضربوه من الخيام لنزولهم، وبالجملة قتلوا خلقا من الرجال، وغنموا شيئا كثيرًا من الأموال، وركب من بقي منهم في الأسطول راجعين إلى بلادهم خائبين لعنهم الله. وفي تاريخ بيبرس (¬٣): وفي هذه السنة قصد الإفرنج ثغر الإسكندرية وجاءوا في مائتي شيني وطريدة وبطسة، وأمد الملك الناصر صلاح الدين أهل الثغر بالعسكر، وتحرك ليتوجه إليهم، فألقى الله في قلوبهم الرعب، فعادوا خائبين بعد أن ضايقوا الثغر وزحفوا عليه ثلاثة أيام، وقاتلوا قتالا شديدًا.وفي تاريخ الدولتين (¬١): أما وصول الأسطول إلى إسكندرية فكان يوم الأحد السادس والعشرين من ذي الحجة سنة تسع وستين، وانهزم في أول المحرم سنة سبعين. وأرسل صلاح الدين كتابا إلى بعض الأمراء بالشام، وفيه: وصل (¬٢) أول الأسطول وقت الظهر، ولم يزل واصلا إلى وقت العصر. وكان ذلك على حين غفلة من المتوكلين بالنظر، لا على خفاءٍ من الخبر، واستنزلوا خيولهم من الطرائد ورجالهم من المراكب، فكانت الخيل [ألفا وخمسمائة رأس] (¬٣)، وكانوا ثلاثين ألف مقاتل ما بين فارس وراجل، وكانت عدة الطرائد [ست وثلاثين طريدة تحمل الخيل وكان معهم] (¬٤) مائتا شيني، في كل شيني مائة وخمسون راجلا، وكانت عدة السفن التي تحمل آلات الحرب والحصار من الأخشاب الكبار وغيرها ست سفن، وكانت عدة المراكب الحمالة برسم الأزواد للرجال أربعين مركبا، وفيها من الرجال المتفرقين وغلمان الخيالة وصناع المراكب وأبراج الزحف ودباباته والمنجنيقية، ما يتمم خمسين ألف راجل. ولما تكاملوا نازلين على البر، حملوا على المسلمين حملة أوصلوهم إلى السور، وفقد من أهل الثغر في وقت الحملة ما يناهز سبعة أنفس. وأستشهد محمود بن البصار و [كان] (¬٥) بسهم جرح، وجدفت مراكب الإفرنج داخلة إلى الميناء، وكان به مراكب مقاتلة ومراكب مسافرة، فسبقهم المسلمون إليها فخسفوها وغرقوها، وغلبوهم على أخذها، وأحرقوا ما احترق منها، واتصل القتال إلى المساء، فضربوا خيامهم بالبر، وكانت عدتهم ثلثمائة خيمة. فلما أصبحوا زحفوا وضايقوا وحاصروا ونصبوا ثلاث دبابات بكباشها، وثلاثة مجانيق كبارا تضرب بحجارة سوداء استصحبوها معهم من صقلية، والدبابات تشبه الأبراج في جفاء أخشابها، وارتفاعها، وكثرة مقاتِلتها واتساعها، وزحفوا بها إلى أن قاربت السّور، ولجّوا في القتال عامة النهار المذكور.وورد الخبر إلى منزلة العساكر بفاقوس يوم الثلاثاء ثالث يوم نزول العدو على جناح الطائر، فاستنهض السلطان العساكر إلى الثغرين إسكندرية ودمياط. وأما أهل إسكندرية فإنهم فتحوا الأبواب (¬١) على غفلة، وخَرَّجوا منها ممن كان من الأمراء، فأحرقوا الدبابات المنصوبة، وأنزل الله النصر على المسلمين، والخذلان على الكفار، واتصل القتال إلى العصر من يوم الأربعاء، وانهزم الإفرنج واستحر القتل والجرح فيهم، ولم يسلم منهم إلا من نزع لبسه، ورمي في البحر نفسه. وتقحم المسلمون في البحر على بعض المراكب فخسفوها وأتلفوها، فولت بقية المراكب هاربة، وبقي العدو بين قتل وغرق وأسرٍ، واحتمي ثلثمائة فارس في رأس تل، فأخذت خيولهم، ثم قتلوا وأسروا، وأقلع هذا الأسطول عن الثغر يوم الخميس. وذكر ابن شداد (¬٢) أن نزول هذا العدو كان في شهر صفر، وكانوا ثلاثين ألفا في ستمائة قطعة ما بين شيني، وطرادة، وبطسة، وغير ذلك. وأما الأمر الثاني: فهو نوبة الكنز. وقال بيبرس في تاريخه (¬٣): وفي هذه السنة خالف الكنز بأسوان وهو مقدم من المصريين، وكان قد انتزح إلى أسوان، فأقام بها، ولم يزل يدبر أمره ويجمع السودان عليه، ويخيل لهم أنه يملك البلاد ويعيد الدولة المصرية، ويقطع خطبة الناصر صلاح الدين، ويخطب لداود بن العاضد، فاجتمع إليه جمع وافر من السودان، وقصد قوص وأعمالها. فانتهى خبره إلى الملك الناصر، فجرد إليه عسكرا (¬٤)، وقدم عليه أخاه الملك العادل، وتوجه صحبته أبو الهيجاء السمين، فساروا إلى الكنز، وقد حشد جمعا كثيرا من السودان والرعية وعُربان البلاد، فالتقوا وقتلوا الكنز وأبادوا جموعه، واطمأنَّ الصعيد، وعاد الملك العادل وسكن القصر بالقاهرة، ولقب من ذلك الحين بالملك العادل (¬٥).والكنز المذكور من قبيلة ربيعة (¬١)، وكان مسكنهم بجزيرة العرب، ومستقرهم منها باليمامة، وانتقلوا إلى مصر من أيام المتوكل العباسي (¬٢)، فسكنوا بيوت الشعر في صحارى هذه الأعمال. وكانت البجاة (¬٣) تشن الغارات في كل وقت، فمنعوهم من ذلك، ثم تزوجوا عندهم، وظفروا معدن الذهب بالعلاقي (¬٤)، فتمولوا. وفي تاريخ ابن كثير (¬٥): ومما عوق الملك الناصر صلاح الدين عن الشام رجل يعرف بالكنز، وسماه بعضهم عباس بن شادى، وكان من مقدمي الديار المصرية، ومن الدولة الفاطمية، وكان قد [انتزح] (¬٦) إلى أسوان، وجمع عليه خلقا من الرعاع من الحاضرة والعربان، وزعم لهم أنه سيعيدُ الدولة [الفاطمية] (¬٧)، ويدحض الدولة [الأتابكية] (¬٨) التركية، ثم ذكر قريبا مما ذكرناه. وقال ابن أبي طي (¬٩): خرج بقرية من قرى الصعيد يقال لها طود (¬١٠) رجل يعرف بعباس بن شادي (¬١١)، وثار في بلاد قوص ونهبها وخربها، وأخذ أموال الناس، واتصل ذلك بالملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب، وكان السلطان استنابه بمصر، فجمع له العساكر وأوقع به، وبدد شمله، ثم قصد بعده كنز الدولة الوالى بأسوان، وكان قصد بلد طُود، فقتل أكثر عسكره وهرب، فأدركه بعض أصحاب الملك العادل فقتله.وأما توجه السلطان صلاح الدين إلى الشام فقد كان في هذه السنة فخرج إلى البركة في مستهل صفر، وأقام حتى اجتمع العسكر، ثم رحل إلى بلبيس في ثالث عشر ربيع الأول، وكان عنده رسل شمس الدين صاحب بصرى، صديق ابن جاولي، وشمس الدين بن المقدم (¬١)، ثم سار إلى أيلة، ثم أناخَ على بصرى (¬٢)، فاستقبله صاحب بُصرَي، ولم يزل في خدمته إلى الكسوة (¬٣)، وبكر صلاح الدين يوم الاثنين آخر شهر ربيع الأول، وسار في عسكره حتى دخل دمشق، ودخل إلى دار العقيقي (¬٤) وكانت مسكن أبيه، وكان في قلعة دمشق جمال الدين ريحان الخادم، فاستماله صلاح الدين حتى ملك القلعة أيضًا، ونزل في القلعة سيف الإسلام أخو السلطان صلاح الدين، وأظهر السلطان لأهل دمشق أنه إنما جاء لتربية الملك الصالح بن نور الدين، وحفظ مالهُ من المصالح، وجاء إليه أعيان البلد، منهم: القاضي كمال الدين بن الشهرزوري، فأكرمه السُلطان، وبالغ في إكرامه، والأمراء والأجناد والأتراك والأكراد والعربان، ثم أرسل السلطان الكتب الفاضلية إلى مصر بهذا الفتح والنصر. وفي بعض كتبه: "وكان رحيلنا من بُصري يوم الأربعاء الرابع والعشرين من ربيع الأول، ومن ثم (¬٥) لقينا الأجل ناصر الدين بن المولى أسد الدين [شيركوه] (¬٦)، والأمير سعد الدين بن أُنر يوم السبت السابع والعشرين منه، ونزلنا يوم الأحد بجسر الخشب، واستقبلنا هناك الأجناد الدمشقية، ولما دخلنا دمشق أمرنا بالنداء بإطابة النفوس، وإزالة المكوس".وفي تاريخ بيبرس: وفي هذه السنة خرج الملك الناصر صلاح الدين إلى دمشق، واستناب عنه الملك العادل أخاه بالديار المصرية، وكان السبب في ذلك أن الملك الصالح بن نور الدين كتب إلى ابن عمه سيف الدين غازي بن مودود (¬١)، صاحب الموصل، وإلى أخيه عماد الدين زنكي، صاحب سنجار، بأن يحضرا إليه بعساكرهما؛ ليجتمعوا جميعا على قصد صلاح الدين وأخذ الديار المصرية منه، فأما أخوه عماد الدين زنكي فإنه امتنع منه؛ لأن صلاح الدين كان قد كاتبه وأطمعه في ملك والده، بحكم أنه الكبير، فحمله الطمع على الامتناع على أخيه، فلما رأى أخوه امتناعه، سار إليه إلى سنجار، وحاصره بها، وامتنع عماد الدين، وجَدَّ في حفظ البلد، والذب عنها، فدام الحصار عليها (¬٢). فبينا يحاصرها أتاه الخبر بانهزام عسكره الذي مع أخيه عز الدين مسعود (¬٣) من صلاح الدين؛ لأنه كان عند مسيره إلى سنجار قد رتبه مع عسكر بدمشق، وصحبته أمير كبير يسمى عز الدين محمود، فلما وصل صلاح الدين إلى دمشق أخذها، وانهزم العسكر الذي بها. فراسل الملك الصالح أخاه عماد الدين، وصالحه على ما بيده، ورحل إلى الموصل، إلى سيف الدين ابن عمه؛ ليستنجده على صلاح الدين، فسار بنفسه، وسار صلاح الدين من دمشق إلى حمص، واستخلف عليها أخاه سيف الإسلام طُغتكين (¬٤)، وقاتل أهل حمص يوما واحدا، فملكها، وامتنعت القلعة عليه. فسار عنها إلى حماة، وبها عزُ الدين جُورديك (¬٥)، وهو من مماليك نور الدين، فامتنع من التسليم. فسَيَّر إليه صلاح الدين يذكر أنه في طاعة الملك الصالح، وأنه ما خرج إلا لحفظ البلادمن الفرنج، فاستحلفه على ذلك، وسلم إليه البلد، فلما تسلمها سار منها إلى حلب، فحاصرها وبها الملك الصالح بن نور الدين، واتفق وصول سيف الدين غازي ابن عمه من الموصل منجدًا له، وتقدمت عساكره لقتال صلاح الدين، فبذل له صلاح الدين تسليم حمص وحماة، وأن يقر بيده مدينة دمشق، ويكون فيها نائبا من جهة الملك الصالح، فلم يجبه إلى ذلك، وقال: لابد من تسليم جميع ما أخذه من بلاد الشام وعوده إلى مصر أو القتال. وكان صلاح الدين في أثناء المراسلة يجمع عساكره، ويتأهب للقائه، فلما امتنع سيف الدين من إجابته لما بذل، سار بعسكره، فالتقى هو وعسكر سيف الدين غازي على قرون حماة (¬١)، فهزمهم وتتبعهم حتى حازوا معسكرهم، وغنم منهم غنائم كثيرة ودوابا وسلاحا، وعاد العسكر السيفي منهزما إلى حلب، فتتبعهم صلاح الدين إليها ونزل عليها محاصرا لها، فراسلوه في الصلح على أن يكون له ما بيده من بلاد الشام، ولهم ما بأيديهم من بلاد حلب معًا، فأجابهم وانتظم الصلح، ورحل عن حلب في شوال منها، وقطع خطبة الملك الصالح من بلاده، وأزال اسمه عن الصَّكة (¬٢). وفي تاريخ النويري (¬٣): وفي هذه السنة أرسل شمس الدين بن الداية، المقيم بحلب، كمشتكين الطواشي، يستدعي الملك الصالح بن نور الدين من دمشق إلى حلب؛ ليكون مقامه بها، فسار الصالح إليه، ولما استقر بحلب تمكن كمشتكين وقبض على شمس الدين بن الداية وأخوته، وقبض على الرئيس ابن الخشاب وأخوته، وهو رئيس حلب، واستبدّ كمشتكين بتدبير [أمر] (¬٤) الملك الصالح، فخاف ابن المقدم وغيره من الأمراء الذين بدمشق، وكاتبوا صلاح الدين بن أيوب صاحب مصر، واستدعوه؛ ليملكوه.فسار صلاح الدين جريدة (¬١) في سبعمائة فارس، ووصل إلى دمشق واستقر فيها، ولم ينتطح عنزان ولا اختلف سيفان، وذلك أن نائبها شمس الدين بن المقدم كان قد كتب إليه أولا فأغلظ لرمي الكتاب، فلما رأى أمره متوجها، جعل يكاتبه ويستحثه على القدوم [إلى دمشق] (¬٢)، ويعده بتسليم البلد، فلما رأى الجد لم يمكنه المخالفة، فسلمه البلد، فنزل السلطان "صلاح الدين" (¬٣) أولا في دار والده، وهي دار العقيقي، وهي التي بنيت مدرسة للملك الظاهر بيبرس ﵀، ولما ثبت أمره بها، أستخلف بها أخاه سيف الإسلام طغتكين، وأخذ ما في القلعة من الأموال، ثم سار إلى حمص مستهل جمادى الأولى، ونزل عليها في حادي عشر جمادى الأولى، وملك المدينة، وعصت عليه القلعة، فترك عليها من يضيق عليها. ورحل إلى حماة، وملك مدينتها مستهل جمادى الآخرة من هذه السنة، وكان بقلعتها عز الدين جُرديك أحد المماليك النورية، فامتنع، فذكر له صلاح الدين أنه ليس له غرض سوي حفظ بلاد الملك الصالح بن نور الدين عليه، وإنما هو نائبه. وقَصَدَ جُرديك من صلاح الدين أن يكون سفيره بينه وبين الحلبيين، فأجابه إلى ذلك، فسار جرديك إلى حلب للرسالة، واستخلف في قلعة حماة أخاه، فلما وصل جُرديك إلى حلب قبض عليه كمشتكين وسجنه (¬٤)، فلما علم بذلك أخوه، سلم قلعة حماة إلى صلاح الدين، فملكها، ثم سار صلاح الدين إلى حلب، فنازلها على جبل جَوشَن (¬٥) وحصرها، فاجتمع أهل حلب وقاتلوا صلاح الدين، وصدوه عن حلب، فأرسل كمشتكين إلى سنان مقدم الإسماعيلية (¬٦) أموالا عظيمة، ليقتلوا صلاح الدين. ووثبواعلى صلاح الدين، فقُتِلوا دونه. واستمر صلاح الدين محاصرًا لحلب إلى مستهل رجب، ثم رحل عنها؛ بسبب نزول الفرنج على حمص، وذلك أن أهل حلب راسلوا قومص (¬١) صاحب طرابلس، ووعدوا له بأموال جزيلة، إن هو رَحَّلَ عنهم السلطان صلاح الدين، وكان هذا اللعين قد أسره نور الدين معتقلا مدة عشر سنين، ثم فاداه على مائة ألف دينار وألف أسير من أسارى المسلمين، وكان لا ينسى ذلك لنور الدين، فركب قومص -لعنه الله- من مدينة طرابلس في جيشه، فلم يتجاسر على مقابلة صلاح الدين، بل قصد حمص؛ ليأخذها بغتة. وركب إليه السلطان، وقد أرسل سريةً إلى بلده، فقتلوا منها وأسروا وغنموا، فلما اقترب السلطان منه نكص على عقبه، وكر راجعا إلى بلده، وتراءى أنه قد أجاب إلى ما سألوا، فوصل صلاح الدين إلى حماة وسار إلى حمص، فرحل الفرنج عنها، وحصر قلعتها وملكها في الحادي والعشرين من شعبان، ثم سار إلى بعلبك فملكها (¬٢)، ولما استقر صلاح الدين في هذه البلاد أرسل الملك الصالح بن نور الدين إلى ابن عمه سيف الدين غازي صاحب الموصل؛ يستنجده على صلاح الدين، فجهز جيشه، صحبة أخيه عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي، وجعل مقدم جيشه أكبر أمرائه، وهو عز الدين محمود، ولقبه سلفندار، ووصلوا إلى حلب، وانضم إليه عسكر حلب، وساروا إلى صلاح الدين، وأرسل صلاح الدين يبذل حمص وحماة، وأن يقر بيده دمشق، ويكون فيها نائبا للملك الصالح بن نور الدين، وإنما فعل ذلك صلاح الدين؛ لقلة الجيش الذي معه بالنسبة إلى جيش هؤلاء. فامتنع من المصالحة الخادم [سعد الدولة] (¬٣) كمشتكين، إلا أن يجعل لهم الرحبة (¬٤) التي بيد ابن عمه ناصر الدين بن أسد الدين شيركوه، فقال: ليس لى ذلك ولا أقدر عليه، فأبوا الصلح، وأقدَموا على القتال، فجعل صلاح الدين جيشه كردوسًا (¬٥) واحدًا، وذلك يومالأحد التاسع عشر من شهر رمضان، عند قرون حماة فصبر صبرًا عظيما، وجاءه في أثناء الحال ابن أخيه تقي الدين عمر بن شاهنشاه، ومعه أخوه فرخشاه في طائفة من الجيش، وقد ترجح دِسْتَهُ عليهم، وخلص رعبه إليهم، فانهزموا وولوا مدبرين. وغنم صلاح الدين وعسكره أموالهم، فأسر منهم من أسر من رؤسائهم، ونادي أن لا يتبع مدبر، ولا يذفف (¬١) على جريح، ثمَّ أطلق من وقع في أسرِه منهم، وسار على الغور حتي نازل حلبَ. فانعكس عليهم الحال، فبالأمس كان يطلب منهم المصالحة، واليوم هم طلبوا منه أن يكف عنهم، ويسير عنهم، على أن له المعرة (¬٢) وكفر طاب (¬٣) وبارين (¬٤) زيادة على ما بيده من أراضي حماة وحمص وبعلبك مع دمشق، فقبل منهم وكف عنهم، وحلف أن لا يغزو بعدها الملك الصالح، وأن يدعو له على سائر منابر بلاده وممالكه. وشفع في بني الداية أخوة مجد الدين، أن يخرجوا من السجن، ففعلوا ذلك، ثم رجع مؤيدًا منصورًا. فلما وصل إلى حماة وصل إليه رسل الخليفة المستضيء بأمر الله، ومعهم الخلع السنية، والتشريفات العباسية، والأعلام السُّود، وتوقيع من الديوان بالسَلطنة ببلاد مصر والشام، وأفيضت الخلع على أهله وأقاربه وأصحابه وأصهاره وأعوانه وأنصاره، وكان يومًا مشهودا. واستناب على حماة ابن خاله وصهره الأمير شهاب الدين محمود، ثم سار إلى حمص فأطلقها لابن عمه ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه، كما كانت لأبيه من قبل، ثم إلى بعلبك، ثم إلى البقاع (¬٥)، ثم إلى دمشق في ذي القعدة من هذه السنة (¬٦).وفي المرآة (¬١): لما دخل السلطان صلاح الدين دمشق من مجيئه من مصر التقاه أهل دمشق بأسرهم، ونشروا عليه الدراهم والدنانير، وأحسن صلاح الدين إلى ابن المقدم (¬٢)، والقاضي ابن الشهرزوري، ومشى إلى دار كمال الدين، فانزعج وخرج إلى لقائه، ودخل صلاح الدين، فجلس وباسطه، وقال: يا كمال الدين لما كنت في الشحنكية (¬٣) قد كانت بيننا هنَّات ومشاحنات، وكان كمال الدين يكرهه، وكان كل واحد منهما ينقض على الآخر أحكامه. فقال له صلاح الدين: "ما مشيت إليك إلا لأزيل ما في خاطرك من الوهم، وأعرفك أن ما في قلبي لك ما تكره، فطب نفسًا، وقر عينًا، فالأمرُ أمرك، والبلد بلدك. وأكثر الشعراء في أخذ صلاح الدين دمشق، ثم كتب إلى الملك الصالح كتابًا تواضع فيه له، وخاطبه بمولانا ابن مولانا، ويقول: إنما جئتُ من مصرَ؛ خدمةً لك لأودي ما يجب من حقوق المرحوم، فلا تسمع ممن حولك، فتفسد أحوالك وتختل أمورك، وما قصدي إلا جمع كلمة الإسلام على الإفرنج". فعرض كتابه على أرباب دولته، وفيهم خالد بن محمد بن القيسراني، وغلمان أبيه، وابن العجمي، فأشاروا إليه (¬٤) بأن يُكاتِبه بالغلظة، فكتب إليه ينكر عليه، وينسبه إلى كفر النعمة، وجحد إحسان والده، ووعده وهدده، وبعث بالكتاب [مع] (¬٥) ينال بن حسان (¬٦) صاحب منبج (¬٧)، فأغلظ لصلاح الدين في الجواب، وقال: السيوف التي ملَّكَتْكَ مصرَ هي التي تَرُدُّكَ. وأشار إلى سيفه، فغضب صلاح الدين، وقال: والله لولا أنك هنا .... من مصر رسول لضربت عنقك (¬٨)، والله ما جئت إلى هاهنا شرهًا ولا طمعًا في الدنيا، وفي مصر كفاية، وإنما جئت؛ لأستنقذ هذا الصبي من يد مثلك وأمثالك، فأنتم سببزوال دولته، ثم طرده بغير جواب، فعاد إلى حلب. واستناب صلاح الدين بدمشق أخاه سيف الإسلام ظهير الدين طغتكين، وسار إلى حمص فأخذها، وفتح حماة، وسار إلى حلب، فاستعانوا (¬١) عليه بالإسماعيلية، وأعطوهم مالًا وضياعًا، فأرسلوا إليه جماعة من فُتَّاكهم، ورآهم ناصر الدين خمار تكين (¬٢) صاحب أبي قبيس (¬٣) ففرقهم؛ لأنه كان مثاغرًا (¬٤) لهم وأنكر عليهم مجيئهم، وسبق إلى خيمة صلاح الدين ليخبره، فأدركوه على باب الخيمة، ثم أرادوا الهجوم على صلاح الدين، وكان أمير جنداره (¬٥) سيف الدين طغرل هناك، فجذب سيفه، وقتل واحدا منهم، واجتمع الغلمان على الباقين فقتلوهم. ورحل صلاح الدين عن حلب في أول رجب، وجاء إلى حمص، ثم نازل بعلبك، فأخذها في رمضان من الخادم يُمن الريحاني، ووصل عسكر الموصل إلى حلب، وانضاف إليهم عسكر حلب، ونزلوا [على] (¬٦) تل السلطان (¬٧)، فساق عليهم صلاح الدين، وبغتهم، وكان مقدمهم عز الدين مسعود، أخو سيف الدين غازي، فكسرهم كسرة عظيمة، وانهزموا إلى حلب، وغنم أثقالهم، وأسر أبطالهم (¬٨)، وجاء فحصر حلب، وهذه هي المرة الثانية من حصار حلب، والمرة الأولى من كسرة المواصلة. ورجع صلاح الدين، فنزل [حصن] (¬٩) بارين، وأخذه من ابن الزعفراني، وكان من أكابر أمراء نور الدين، ولقبه فخر الدين، واسمه مسعود، وأعطى مدينة حلب لخاله، وقيل لابن خاله وصهره ابن شهاب الدين محمود، وأعطى حمص لناصر الدين محمد ابن أسد الدين شيركوه (¬١٠).وقال ابن أبي طي: بلغ السلطان أن ابن المقدم "نقض" (¬١) عهد [السلطان] (¬٢) الملك الصالح، وهو كان السبب في خروج سيف الدين من الموصل، واستيلائه على البلاد الشرقية، ومضايقته للملك الصالح في ممالكه. وقيل إن ابن المقدم كاتب إلى السلطان، ودعاه إلى الخروج. وقيل إنما خرج إلى الشام؛ خوفًا من حركة تنشأ من جانب الفرنج بسبب اختلاف أمراء الشام، وشغل بعضهم ببعض. قال: ولما حصل على دمشق وقلعتها، واستوطن بُقعتها، نشر علم العدل والإحسان، وعفّى آثارَ الظلم والعدوان، وأبطل ما كان الولاة استجدُّوه بعد موت نور الدين من القبائح والمنكرات، والمؤن والضرائب المحرمات. وقال صاحب تاريخ الدولتين (¬٣): وكان قد كتب إليه أسامة بن منقذ (¬٤) قصيدة بعد مصاف عسقلان أولها: تَهنّ يا أطولَ الملوكِ يدًا … في بَسْطِ عدلٍ وسَطوةٍ ونَدا لا تسْتقِلَّ [الذي] (¬٥) صنعت، فقد … قمتَ بفرْضِ الجهاد مجتهدا وجُسْتَ أرضَ العِدا وأفنَيتَ من … أبطالِهم ما يجاوزُ العددَا وما رأينا غزا الفرنج من الـ … ــملوكِ في عُقرِ دارهم أَحَدَا فَسِرْ إلى الشام فالملائكةُ الـ … أبرارُ يلقاكَ جَمْعُهم مدَدَا فهو فقيرٌ إليكَ يأملُ أن … تُصلح بالعدلِ مِنْه ما فَسَدَا والله يُعطيك فيه عاقبةً النّـ … ـــــصرِ كما في كتابهِ وَعدَا فما حَبَاك الورَى وألْهَمك الـ … ــــعدلَ وأعْطَاكَ ما مَلَكْتَ سُدي ومدح وُحَيش الأسدي (¬٦) صلاح الدين عند أخذه دمشق، بقصيدة أولها هو قولهُ:قد جَاءَك النصرُ (¬١) والتوفيقُ فاصْطَحَبَا … فكنْ لأضعافِ هذا النصرِ مُرْتَقِبًا للهِ أنتَ صلاحُ الدينِ من أسدٍ … [أدني] (¬٢) فريسته الأيام إن وَثَبَا رأيتَ جلَّق (¬٣) [ثغرًا] (¬٤) لا نظيرَ لَهُ … فَجِئتَها عامِرًا منها الذي خرِبا نادتك بالذل لمَّا قلّ ناصرُها … وأزْمَع الخلقُ من أوطانِها هربَا أحييتها مثْل ما أحْيَيْتَ مصرَ فقد … أَعدْتَ من عَدْلِها ما كان قد ذَهَبَا هَذا الذي نَصرَ الإسلام فاتَّضَحَتْ … [سبيلُه] (¬٥) وأهان الكفرَ والصُّلُبَا ويوم (¬٦) شاور والإيمانُ قد هُزمت … جيوشه، كان فيه الجحفلُ اللَّجِبَا ويومَ دمياط والإسكندرية (¬٧) قد … أصارهم مثلًا في الأرضِ قد ضُرِبا والشامُ لو لم تدارك أهلَه اندَرَست … آثاره وعَفَتْ آياتُهُ حُقُبا (¬٨) ولما نزل السلطان صلاح الدين على حلب أشير على ابن نور الدين أن يجمع أهل حلب في الميدان، ويقبل عليهم بنفسه، ويخاطبهم بلسانه، أنهم الوَزَرُ والملجأ، فأمر أن ينادي باجتماع الناس إلى ميدان باب العراق (¬٩)، فاجتمعوا حتى غص الميدان بالناس، فنزل الصالح من باب الدرجة، وصعد من الخندق، ووقف في رأس الميدان من الشمال، وقال لهم: يا أهل حلب أنا ربيبكم، ونزيلكم، واللاجئ إليكم، كبيركم عنديبمنزلة الأب، وشابكم عندي بمنزلة الأخ، وصغيركم عندي يحل محل الولد، قال: وخنقته العبرة، وسبقته الدمعة، وعلا نشيجُه، فافتتن الناس، وصاحوا صيحة واحدة، ورموا بعمائمهم، وضجوا بالبكاء والعويل، وقالوا: نحن عبيدك، وعبيد أبيك، نقاتل بين يديك، ونبذل أموالنا وأنفسنا لك، وأقبلوا على الدعاء له، وعلى الترحم على أبيه، وكانوا قد اشترطوا على الملك الصالح أن يعيد إليهم شرقية (¬١) الجامع، يُصَلُّون فيها على عادتهم القديمة، وأن يُجهر بحي على خير العمل والأذان، والتذكير في الأسواق وقدام الجنائز بأسماء الأئمة الإثني عشر (¬٢)، وأن يصلوا على أمواتهم خمس تكبيرات، وأن تكون عقود الأنكحة إلى الشريف الطاهر أبي المكارم حمزة بن زهرة الحسيني، وأن تكون العصبية مرتفعة، وأشياء كثيرة اقترحوها مما كان أبطله نور الدين ﵀ فأجيبوا إلى ذلك. وقال ابن أبي طي: فأذن المؤذنون في منارة الجامع وغيره بحي على خير العمل، وصلي أبي في الشرقية مسبلًا، وصلى وجوه الحلبيين (¬٣) خلفه، وذكروا في الأسواق وقدام الجنائز بأسماء الأئمة الإثني عشر، وصلوا على الأموات خمس تكبيرات، وأذن للشريف في أن تكون عقود الحلبيين من الإمامية إليه، وفعلوا جميع ما وقعت الأيمان عليه.